السبت، 21 مايو 2022

المقامة السيارية" سيارة ليست بِسارّة!

 


"المقامة السيارية"

سيارة ليست بِسارّة!


قُدّر لي.. أن أشتري راحلة مرحولة، لكنها هزيلة مهزولة، بادٍ كُلاها، ونادٍ علاها .. كانت بدراهم معدودة؛ بسبب الحال المجذوذة .. اشتريتها على علاتها؛ رجاء غلاتها، فكانت حديدة لا حميدة، ومذيقتي الويلات العديدة!


لقيت منها الألاقي، وأوقفتني على أطراف الطرق وفي التلاقي، حتى غبت ولغبت، وعبت وتعبت!


تقف عند الطلوع، حتى تتخالف منها الضلوع، وتخلّف لراكبها المزوع، فتسيل الدموع!


أشعر أني أنا الحامل لا المحمول، والعامل لا المعمول، فأبذل جهداً جهيداً؛ لأني أقاوم دابة حديداً!


أما سائسوها.. فحدث عنهم ولا حرج، فأكثرهم خدج وخرج؛ إما لفقدهم الأمانة، وإما لنقصهم الصيانة، فكم أتعبوا أرباب هذه الدواب، وأعطبوا عقول أولي الألباب؛ بِلَفّهم ودورانهم، وكذبهم وجورانهم!


واليوم، وما أدراك اليوم.. أردت اختبار مركوبي الجامح، بعد أن أصلحه صالح!


وللأسف الأسيف، والتعس الرعيف؛ فقد أزمعت التجربة المنحوسة، إلى الطائف المأنوسة، وما معي من صاحب أو صيال، سوى الأهل والعيال!


أردت النفه والنفس، عن وعثاء النفس، من أوضار الضجر، وأضرار السجر؛ فإذا بي وبهم نلقى الشدائد الكبار، والخدائد الكثار، في حرور الظهيرة، حتى وصلت الروح النحيرة!


توقفت بنا في بدء العقبة الكؤود، فلم تحلْ طلوعاً ولا عَود، أردت ضربها، فتذكرت أنها لا تعي ولا تسمع، بل ترغي وتدمع .. ارتفعت الحرارة، واشتدت الخرارة، وعظمت الجرارة!


طلبت العونة السمحة، فلم تقف لي إلا "السطحة"، حاشا القلة، التي لا تدري ما العلة، فتتركني مأوها، وفي بليتي مُدلّها!


ثم جاءني شاب من بني السودان، يعرض النجدان، ومعه دابة متهالكة، وفي طريقها متعارجة، لكنه صحيح الأقوال، صريح الأفعال، فحاول ترياقها، حتى تلمظت ريقها، وعادت لها الحياة، فابتسمت الشفاه!


ولما عرضتُ عليه الأجر، غضب وزجر، فحمدت له جميل الصنع، ودعوت له بسلامة النجع.


فلم أكد أخطو خطوات، مستعيذاً بربي من الخطيئات، إلا و"عادت حليمة لعادتها القديمة"، فحاولتها وصاولتها، وأقسمت لها، أن لا أواصل رحلتي، وإن غضبت عيلتي، فهادنتني وهاودتني!


ولما رجعت القهقرى، وعدت الطريق الأخرى، عائداً إلى منزلي، وراجعاً إلى مغزلي.. وقفتْ بي في نصف الطريق، حيث لا رفيق ولا وفيق، زجرتها، فصاحت صيحة، وناحت نيحة، كان فيها الهلاك، ونزلت أقلبها، فإذا بها لا حراك!


رجعت أجرّ أذيال الخيبة، خليَّ العيبة، لكني -والحمد لله- أتبسم تبسم الراضي، طالباً عوضاً من القاضي، جل وعز سلطانه، سبحانه سبحانه ما أعظم شانه.


ولست مريداً الشكوى، أو طالباً البلوى، وإنما هي محنة أرجو أن تكون منحة، أردت التخفيف عن لواعج النفس المتعبة، والتهوين من كوامن الروح المعذبة، والحمد لله على كل حال، في الآن والمآل.


هذه قصتي مع دابتي اللعيبة، وسيارتي التعيبة، التي بذلتْ لكنها بدّلت، وأعطتني لكنها عيطت، ولكل أجل كتاب، والحمد للملك الوهاب، الذي يعطي ويهب، ويكرم ويصب، ومنه البدل والعوض، والعافية من المرض.

"إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين" جُعلنا من الصالحين الفالحين الناجحين.



وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي

١٤٤٣/١٠/٢٠




الأربعاء، 11 مايو 2022

اِصدع ولا تدَع!

 اِصدع  ولا تدَع!


قلِ الحق، بدون غمغمة ولا حمحمة، وبلا لجلجة ولا بجبجة ولا مجمجة، ومن غير ملامة ولا مذامة، وسوى مداجاة أو محاباة..

واتق الله، فإن الساكت عن الحق، شيطان أخرس، والناطق به، شيطان ناطق!


لا بأس، اُكس ألفاظك، أما أن تغيّر معاني الحق، وتُغِير على أهل الحق؛ فأف لك وتف عليك.


أقول هذا؛ لأنك تقرأ بين السطور لبعضهم، حياء وخجلاً، وكأنه عروس في يوم نطاقها!


وقد ذكرني صنيع هؤلاء المتفقهة المتفيهقة.. بوضع عبد الله بن صوريا اليهودي، يده على آية الرجم؛ كتماناً للحق الأبلج، "وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً" وقلدهم بعض أهل ملتنا، فواخجلاه!


ما هذا يا قوم، أفي ديننا ما نستحي من فشوه، أو يستحيا من بدوه؟!


حاشا ذلك، "ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً" تنزيل من حكيم حميد" "وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً" والحق واحد لا يتعدد، قد يخفى على البعض لا على الكل؛ لأنه "بلسان عربي مبين"


والله وحده المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.


وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي

١٤٤٣/١٠/١١


عاطفة قاصفة!

 عاطفة قاصفة!

مشكلة الكثير، سواء كانوا طلبة علم أو دعاة أو غيرهم.. أن العاطفة تغلبهم على تدبر النقل وتفكر العقل؛ ولذلك كان هذا من نقص المرأة..

لكنا، فجئنا ولا زلنا نفجأ بين فينة وحينة.. مَن كنا نظنه فذاً وقداً من الرجال، فإذا به يجاري المرأة في عاطفتها!


وإن شئتم دليلاً.. فانظروا إلى مقدار التعاطف الكبير، حين نبأ وفاة مشهور مجهور؛ في إطرائه وتطريته .. وليته كان تعاطفاً دنيوياً، أو مدحة خالصة.. إذن، لهان الخطب.. لكنه تعاطف ديني، من ترحم ودعاء .. إنه شأن بيد الله .. إنه أمر قد بتّه الله .. إنه حكم قد قضاه الله.. فما يبغي هؤلاء "إلا اتباع الظن" إنهم مسلمون، يقرؤون قوله تعالى: "ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى" إنهم يؤمنون بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقرؤون قوله: (والذي نفسي بيده؛ لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، ولا يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار. رواه مسلم وغيره) ثم يلوونها أو يلوون أعناقهم، "فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً"؟!


إن النصوص صحيحة صريحة، والإجماع منعقد، والفطرة تؤيده، والحس يقف معه.. لكن، العاطفة وحدها، من وقفت إزاء كل هذه الحجج الصلاد الصلاب.. فكان أن أطاحت بصاحبها (إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم)!

وعش رجباً، ترى عجباً!

فيا رب عوناً وصوناً وموناً.


وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي

١٤٤٣/١٠/١٠

نحاسة ونجاسة!

 


نحاسة ونجاسة!


يا للتعاسة والرجاسة والنحاسة والنجاسة، من بعض الرخصاء الرخيصين المترخصين، الذين يظنون دين الله كلأ بخيساً، ويخالونه مرتعاً رخيصاً، لكل والغ وناعق وناعب وناهق ونابح وزاعق!


حسروا وخسروا وقسروا وقصروا.. فإنه لا خوف ولا مخافة.. على الإسلام؛ لأن الله تكفل بحفظه، "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون".

وعن تميم الداري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلا أدخله الله هذا الدين، بِعِز عزيز أو بذُلِّ ذليل، عِزاً يُعِز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر).

رواه أحمد وغيره. وقال الألباني في (تحذير الساجد: ١٥٨): "على شرط مسلم، وله شاهد على شرط مسلم أيضاً".


وكان تميم الداري يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب مَن أسلم منهم؛ الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافراً؛ الذل والصَّغار والجزية.


وعن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يبقى على ظهر الأرض بيت مَدَرٍ، ولا وَبَرٍ، إلا أدخله الله كلمة الإسلام، بعز عزيزٍ، أو ذل ذليلٍ، إما يعزهم الله، فيجعلهم من أهلها، أو يذلهم، فيدينون لها).

رواه أحمد وغيره. وصححه الوادعي في (الصحيح المسند، رقم: ١١٥٩)


فالإسلام قادم، والمسلمون قادمون، ونحن نرى -بحمد الله- عودة الناس إلى ربهم ودينهم ونبيهم وفطرتهم وغيرتهم، فالمساجد ملأى بالمصلين القانتين الذاكرين- من الشبان والشيبان، والحجاب عاد بقوة، بل حتى الجلباب الذي لم تكن تكد تراه، "فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين"


دعهم يعضوا على صم الحصى كمداً *** من مات من غيظه، عندي له كفنُ!


ولكن، الخوف والألم.. على هؤلاء الحمقى النوكى، وأتباعهم الهوام الطغام- من غضب الله ومقته، وشديد عقابه وسخطه، "فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" "واتقوا فتنة لا تصيبين الذين ظلموا منكم خاصة" "ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا"



ويا إخوتي.. كل شيء يهون، سوى دين الله تعالى .. كل غال يرخص، حشا الإسلام .. كل عزيز يسقط، خلا الحرمات.. إنها رأس المال .. إنها البقية الباقية .. إنها الغاية التي لا غاية بعدها .. إنها السلامة التي لا يعدلها شيء.


فسلّموا لأمر ربكم؛ تسلموا وتغنموا، واحفظوا رؤوس أموالكم "لا تظلمون ولا تُظلمون" "ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام" "ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين"



ويأيها الناس.. لا تسمعوا للاغين الناعقين، ولا تقرؤوا للنافقين المنافقين؛ فإنهم -ورب البنية-.. أحقر وأقذر.. من ضياع دقيقة في قراءتهم أو سماعهم.. إنهم سامجون .. سامدون .. ساقطون .. نافقون .. منافقون .. موتورون .. مسجورون .. مصدورون .. مكبوتون .. منكوتون .. مقطوعون .. مبضوعون..


وعجبي.. أن يوجد من ينشد الرفق، ويرفع راية السلام، ويدّعي الإسلام؛ من يدفع ويدافع عن كلب نابح والغ، في عرض الإسلام وحماه!


سيأتي الآن، بعض (من لا أصفه).. من يقول: نزّه ألفاظك.. كيف تصف الإنسان بالحيوان، بل بأحطها وأخسها، وهو الكلب؟!


أقول له: كفّ عني جشاءك، واكففْ عني هراءك.. فإن ميزانك باخس مبخوس، فأنت مطفف، و"ويل للمطففين".


لم يتمعر وجهك، ولم يحم أنفك.. من نيل أشيمط أحيمر كأنه وحْرة.. في ذات الله تعالى، وخوضه في عظمة الإسلام، وهدره ومذره وقذره وزفره، في الأعراض.. ثم تنتفخ أوداجك، وتتورم أشداقك، حين أن نرد البغي والبهتان؟!

"ما لكم كيف تحكمون" "وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان"



إن الولِغ الواقع، في دين الله تعالى، والمَحِق الراتع في حرمات الله عز وجل.. لهو أحط من الحيوان وأسقط، "ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون" "أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً" "فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا"!


(اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك) (اللهم يا ولي الإسلام وأهله، مسكنا بالإسلام حتى نلقاك به)


هذا بلاغ لكم والبعث موعدنا *** وعند ذي العرش، يدري الناس ما الخبرُ!


وإلى لقاء تحت ظل عدالة *** قدسية الأحكام والميزانِ



وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي

١٤٤٣/١٠/١٠


السبت، 30 أبريل 2022

مـا أعـز العِـزّة!

 مـا أعـز العِـزّة!


الآن، رأيت رجلاً يبدو عليه الرياش، وطيب المعاش -ريش بلباس التقوى- يقول لآخر: هل تريد زكاة؟!

قال له: لا بأس، جزاك الله خيراً.


قال له: أنت يمني؟!

قال: نعم.


وإني لمن قوم كأن نفوسهم *** بها أنَف أن تسكن اللحم والعظما!


مضى الغني إلى سيارته، وأتى له بقليل من الأرز، ثم قال له: لكن، أمانة، تأكلونها!


فما كان من ذاك الفقير، إلا أن احمر وجهه، وزم شفتيه، وحملق نحوه، ثم قال له: خذ زكاتك، فإني لست بحاجة إليها!


إني أحرِّض أهل البخل كلهم *** لو كان ينفع أهل البخل تحريضي


ما قلّ مالي إلا زادني كرماً *** حتى يكون برزق الله تعويضي


رد الغني -بصَغار؛ لأنه هو من جلبه على نفسه، وقد كان في عزة وفسحة من أمره-: أرجوك، لا تردها، خذها!


رد الفقير -بشموخ-: لا، والله لا آخذها!


قال الغني: طيب، انظر فقيراً آخر، وأعطِها إياه؟!

قال الفقير: لا، لا أعرف، عليّ بإخراج زكاتي وكفى!


لا تطلبن معيشة بمذلةٍ *** واربأ بنفسك عن دنيّ المطلبِ


وإذا افتقرت فداوِ فقرك بالغنى *** عن كل ذي دني كجلد الأجربِ


فليرجعن إليك رزقك كله *** لو كان أبعد من مقام الكوكبِ


هذا ما كان وبان قبل دقائق وثوان..

وقد تمنيت من الغني -هداه الهادي-.. أن لا يستعمل هذا الأسلوب الجلف الجافي؛ وعليه، أن يتحرى لصدقته، دون سؤال أو جرح لمشاعر الناس، ونهنهة لعزتهم؛ لأن غضب الفقير "العزيز"، يقسم ويقصم!


أبلغ سليمان أني عنه في سَعةٍ *** وفي غنى غير أني لست ذا مالِ


شحاً بنفسي أني لا أرى أحداً *** يموت هزلاً، ولا يبقى على حالِ


والفقر في النفس لا في المال نعرفهُ *** ومثل ذاك الغنى في النفس لا المالِ


وقد أعجبت بعزة الفقير، الذي أسقط الفاني على الباقي، فحبات أرز تفنى، وذلة النفس، أثرها باق لا يندمل!


فلا ترضى بمنقصة وذل *** وتقنع بالقليل من الحطامِ


فعيشك تحت ظل العز يوم *** ولا تحت المذلة ألف عامِ

 


بغض النظر، عن الأسلوب، إلا أني شعرت بالفقير، وهو يُصفع من هذا الغني، -ربما دون قصد- فثار وفار وطار، ولم يصبر على الخسف، بل رد الصفعة بأصفع وأفظع!


لو رشفة الماء بعض المنِّ كدَّرها *** ماتوا عطاشى على الرمضا وما رَشفُوا


الحلم والنبل والإيثار عن كرمٍ *** والعزم والحزم والإقدام والأنَفُ


وأقول: أيها المزكي والمتصدق: غلّف زكاتك، واكس صدقتك؛ بجمال الكلمة، وحسن النظرة، وطيب الطعمة؛ لأنها واجبة عليك، ليس لك فيها منّة، ولا يجوز أن يكون منك أذية ولا أذى "يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى".


وعجزت عن شكر الذين تجردوا *** للباقيات، وصالح الأعمالِ


لم يخجلوها بالسؤال عن اسمها *** تلك المروءة والشعور العالي


هذا ما أردت سطره؛ علّ فيها عبرة وذكرى، للأغنياء والفقراء، (اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، واغننا بفضلك عمن سواك)


وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي

١٤٤٣/٩/٢٩

الاثنين، 25 أبريل 2022

أداء المناسك من اليمن!

 أداء المناسك من اليمن!


الحاج أو المعتمر اليمني.. ما به؟! كل خلق الله يعتمر ويحج، فما باله اليمني؟!

نعم، الكل يؤدّي المناسك، ويزور البيت، ويقصد الروضة، ويزور بقعة المصطفى عليه الصلاة والسلام، (وهي أفضل بقعة على وجه الأرض، لا لذاتها، ولكن؛ لاحتوائها ذاته ونفسه الشريفة، ينظر: (نسيم الرياض: ٣/ ٥٣١) و(التحفة اللطيفة: ١٢) و(الفتاوى الكبرى: ٤/ ٤١١) و(مجموع الفتاوى: ٢٧/ ٣٨)) ويسلّم على صاحبيه رضي الله عنهما.. من شتى الخلق والخليقة، ومن شت البلاد والبلدان، لكن مناسك أهل اليمن تختلف، ليست من حيث الصفة والكيفية، فالكل سواسية، ولكن من حيث الحال والوسيلة والأداة والدرب!


فحالته المادية -في الغالب- ضعيفة كليلة، قليل دخله، شحيحة موارده، لا يكاد يسد رمقه وأطفاله وعائلته، إلا أنه متدين بفطرته.. يحب الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويصوم رمضان، ويحج البيت، ويغيث الملهوف، ويعين على نوائب الحق!

وهو شديد اللهف والكلف؛ لأداء وبأداء المناسك، فرغم عوزه، إلا أنه لا يصبر على بيت الله وحرمه، بل بعضهم: يبيع بيته، والثاني: يبيع بقرته التي عليها المعول في الحرث والحليب، والآخر: يستلف ويستدين!


هو النفس الصعّاد من كبد حرّى *** إلى أن أرى أم القرى مرة أخرى


وما عذر مطروح بمكة رَحله *** على غير بوس لا يجوع ولا يعرى


يسافر عنها يبتغي بدلاً بها *** وربك لا عذراً .. وربك لا عذرا


ولا غرابة أن ترى نزراً منهم، يؤمّون بيت الله الحرام، وليس لهم زاد ولا مزودة؛ لخلوّ وفاضهم، وبدوّ أنفاضهم، فما إن يتيسر لهم قيمة التأشيرة، إلا ويسرعون ويسارعون، ثم، ناشدين التوكل على الله، طامعين في فضل الله، ظانين أن الناس مثلهم، في الإيواء والإطعام والإكرام!


ولم يعلموا، أن الزمان غير الزمان، والرجال غير الرجال؛ فقد انشغل كل بنفسه، وانزوى في زاويته، وانطوى على بيته، لا يحب زورة ولا دورة، إلا من رحم الرحيم.


ذهب الذين يعاش في أكنافهم *** وبقيت في خلْف كجلد الأجربِ


مات الناس، وبقي النسناس، مات الكرام، وبقي اللئام..

مات أهل الفضل لم يبق سوى *** مقرف أو من على الأصل اتّكلْ


وقال عمرو بن معديكرب الزبيدي:

ذهب الذين أحبهم *** وبقيت مثل السيف فردا


وقال مصعب الزبيري يرثي إسحاق الموصلي:

أرى الناس كالنسناس لم يبق منهم *** خلافك إلا حشوة وزعانف!


ومن المعلوم.. أن أهل اليمن، يضيفون الضيف، ويحبون الغريب، ولا يتضيقون من النازل، بل يوسعون له الدار، ويذبحون له الذبائح، ويمنحونه المنائح، وإن كان بينهم وحر وترة!


على أن هذا من الخطأ الغالط، لا ينبغي أن يكون، ولكن بعضهم لا يملك زمام نفسه، ولا يستطيع كبح جماح نفَسه!


يا من يسافر في البلاد منقباً *** إني إلى البلد الحرام مسافر


إن هاجر الإنسان عن أوطانه *** فالله أولى مَن إليه يهاجر


وتجارة الأبرار تلك ومن يبِع *** بالدين دنياه فنعم التاجر


وعليه، فإني أنادي إخواني من الموسرين أو المقيمين في أكناف البيت الحرام وما والاه: أن ارفقوا بإخوانكم، وأطعموهم، وآووهم، وزودوهم، "وتزودوا فإن خير الزاد التقوى"

هذا الأمر الأول..


الأمر الثاني.. بُعد الشقة، وشدة المشقة، في رحلة اليمني إلى بيت الله الحرام، وليس بُعداً فحسب، بل إن الطريق مخدد ومبدد، وصعب ووعر، ومحفر ومطبب، فلا يكاد يسلم كيلو متر من هذه الأوصاف المضة والممرضة.


فالرحلة، تستغرق في العادة من يومين إلى ثلاثة دون وقوف أو توقف، وأحياناً تستمر إلى خمسة أيام، وربما تضاعفت إلى عشرة أيام بلياليها؛ وذلك إذا صادف ازدحاماً في المنفذ، أو عراقل وعقابيل!


تخيلوا، رجال ونساء، وكبار وصغار، ومرضى وزمنى، يطوون هاته المسافات البعيدة، مع طول مكوث، وإطالة انتظار، وتطويل طريق!


طوت بهم المراحل في الفَيافي *** قَلائص تذرع الفلوات كوم


فَلَمسان فسر دد ثم مور *** فَحَيران لهن به رَسيم


إِلى حرض إلى خلب تراث *** إلى جازان جازَت وهيَ هيم


ومرت في ربا ضمد وَصيبا *** ولؤلؤة وَغَوان تهيم


وذهبان وَفي عمق وَحلى *** تساورها المفاوز وَالرسوم


وفي ببة وَفي كنفي قنوتا *** سرت وَاللَيل منعكر بهيم


فَذوقة فالرياضة فاستمرت *** بجنب الحفر يطربها النَسيم


إِلى الميقات ظلت خائضات *** غمار الآل يلحقها السموم


وباتَت عند ما وردت اذا ما *** تحن فَلا تَنام وَلا تنيم


وفي أم القرى قرت عيون *** عشية لاح زمزم وَالحَطيم


أولاك الوفد وفد اللَه لاذوا *** إليه بفقرهم وَهُوَ الكَريم


وطافوا قادمين يبيت رب *** فتم لهم طوافهم القدوم


وبين المروتين سعوا سبوعاً *** لكي يمحوا شقاءهم النَعيم


قلت: آه، يا عبد الرحيم، هيجت الأحزان، وألهبت المشاعر.. فقد كانت هذه هي طريق الحاج والمعتمر اليمني، منذ آماد وآباد، ولكن، قد تغيرت الدروب، وغيرت الطرق، وبوعد بين أسفارنا، فلسنا بالغيه إلا بشق الأنفس، والله وحده المستعان.


إلا أنه، ومع هذه المنكدات والمكدرات.. إلا أن الواحد منهم، يقلب المحن إلى منح، ويحوّل المشاق إلى أشواق، إلى بيت الله العتيق!


أهيم بروحي على الرابيه *** وعند المطاف وفي المروتين


وأهفو إلى ذِكَر غاليه *** لدى البيت والخيف والأخشبين


فيهدر دمعي بمآقيه *** ويجري لظاه على الوجنتين


ويصرخ شوقي بأعماقيه *** فأرسل من مقلتي دمعتين


أمرغ خدي ببطحائه *** وألمس منه الثرى باليدين


ونظرة عجلى إلى قصيدة عبد الرحيم البرعي، في تشوقه للحج، -مع قطع النظر إلى حال القائل-؛ تدرك قدر التلهف، ومقدار التمزق، ومنها:


ضربت سعاد خيامها بفؤادي *** من قبل سفك دمي بسفح الوادي


ما كان حجة من أقام بمكة *** أن لا يحدثني حديث سعاد


بعثت إليََ من الحجاز خيالها *** شتان بين بلادها وبلادي


يا هذه عوّدتني ألم الضنى *** وأراك لست أراك في العواد


فقف المطيّ ولو كلمحة ناظر *** بربا المحصّب أو منى يا حادي


وأعد حديثك عن أباطح مكة *** وعن الفريق أرائح أم غادي


ومسرّةً للناظرين بدت لنا *** ما بين سوق سويقة وجياد


ومن شعره أيضا وهو يخاطب الركاب:


قل للمطي التي قد طال مسراها *** من بعد تقبيل يمناها ويسراها


ما ضرّها يوم جد البين لو وقفت *** تقص في الحي شكوانا وشكواها


لو حملت بعض ما حملت من حرق *** ما استعذبت ماءها الصافي ومرعاها


لكنها علمت وجدي فأوجدها *** شوق إلى الشام أبكاني وأبكاها


ما هب من جبلي نجد نسيم صبا *** للغور إلا وأشجاني وأشجاها


ولا سرى البارق المكي مبتسماً *** إلا وأسهرني وهناً وأسراها


تبادرت من ربا نيّابتَي بُرَع *** كأن صوت رسول الله ناداها


ومنها، وهي مشهورة مجهورة:

يا راحلينَ إلى منىً بقيادي *** هيجتُمو يومَ الرحيل فؤادي


سرتم وسار دليكم يا وحشتي *** والعيس أطربني وصوت الحادي


حرمتمُ جفني المنام لبعدكم *** يا ساكنين المنحنى والوادي


فإذا وصلتُم سالمينَ فبلّغوا *** منّي السلام أهيلَ ذاك الوادي


وتذكّروا عند الطواف متيماً *** صبّاً فني بالشوق والإبعادِ


لي من ربا أطلال مكّة مرغبٌ *** فعسى الإلهُ يجودُ لي بمرادي


ويلوحُ لي ما بين زمزم والصفا *** عند المقام سمعت صوت منادي


ويقول لي: يا نائماً جدَّ السُرى *** عرفاتُ تجلو كلّ قلبٍ صادي


تالله ما أحلى المبيت على منى *** في يوم عيد أشرفِ الأعيادِ


الناسُ قد حجّوا وقد بلغوا المنى *** وأنا حججتُ فما بلغتُ مرادي


حجوا وقد غفر الإلهُ ذنوبَهُم *** باتوا بِمُزدَلَفَه بغيرِ تمادِ


ذبحوا ضحاياهُم وسال دماؤُها *** وأنا المتَيَّمُ قد نحرتُ فؤادي


حلقوا رؤوسَهمو وقصّوا ظُفرَهُم *** قَبِلَ المُهَيمنُ توبةَ الأسيادِ


لبسوا ثياب البيض منشور الرّضا *** وأنا المتيم قد لبست سوادي


يا ربِّ أنت وصلتَهُم وقطَعتني *** فبحقِّـ"كـ"ـم يا ربّ حل قيادي


ويقول الشاعر أحمد سالم باعطب: يا مهجةَ الأرضِ يا ريحانةَ العُمرُ *** حبيبتي أنت في حِليِّ وفي سفري


كم بِتُّ أرسمُ أحلامي مطرَّزةً *** إليك بالشوق والتذكارِ والسَّهرِ


يا خير أمِّ رعَى الرحمنُ مولدَها *** ومنيةَ العاشقينِ: السَّمعِ والبَصرِ


طهورُها الحُبُ والإيمانُ حلَّتُها *** وعقدُها دررُ الآياتِ والسُّوَر


أنا سليل العُلى والسادة الغرر *** أنا المناجيكِ في الظلماءِ والسَّحَرِ


أنا الذي أرضعتْني كُلُّ ثانيَةٍ *** قبَّلْتُ فيها يدَيْك الحُبَّ من صِغَري


أنا الذي طَرِبَ العشاقُ من طَربي *** وزاحموا الشُّهْبَ أفواجاً على أثري


حبيبتي أنتِ أزكى حُرَّةٍ حمَلَتْ *** في راحتيها ضياءَ الشَّمْسِ والقمرِ


يا ربَّةَ الخُلُقِ المحمودِ والسِّيَرِ يا *** عَالمَ النور يجلُو ظلمةَ البَشَرِ


يا قلبَ أرضِ بلادِ اللهِ قاطبةً *** يطُوفُ حولَك طُهْرُ الحِجْرِ والحَجَرِ


إنْ كان حُبُّ الفَتَى في عرفهِ *** قَدَراً فإنَّ حُبُّكِ في عُرْفِ الهُدى قدري


لا شيءَ يملاُ أكوابي إذا فَرَغَتْ *** إلاَّ رضابُ المنى من ثغركِ العَطِر


وهذه نفحات من أديب العربية الحضرمي علي أحمد باكثير:


طف بي بمكة إني هدّني تعبي *** واترك عناني فإني هاهنا أربي


ودع فؤادي يمرح في مرابعها *** ففي مرابعها يغدو الفؤاد صبي


هنا أمرغ خدي صبوة وجوىً *** فتهتف الحور بشرى خدك الترب


فإن رأيت دموعي أنبتت حجراً *** فتلك مني دموع الفرحة العجب


هنا بمكة آي الله قد نزلت *** هنا تربى رسول الله خير نبي


هنا الصحابة عاشوا يصنعون لنا *** مجداً فريدا على الأيام لم يشب


كم هزني الشوق يا خير الديار وكم *** عانيت بعدك وجدا دائم السبب


إلا إليك أرى الأشواق تقعد بي *** وعند ذكرك أشواقي تحلق بي


وعند ذكرك أنسى أنني بشر *** وكالملائك أحيا في المدى الرحب


فتبدعين كياني من تقى وهدى *** فلا أحس بما ألقاه من وصب


ما غير زورة بيت الله ترجع لي *** شباب روحي إذا امتدت يد النوب


ربي حنانيك فاكتبها وخذ بيدي *** كي يهتف القلب يا فوزي ويا طربي


ومن أقدم الشعر في التشوق إلى مكة، ما قاله مضاض بن عمرو، يندب حظه وحظ قومه الذين خرجوا أو أخرجوا من مكة، وقد وصل إليها متعقباً إبلاً له، فوقف على جبل أبي قبيس، وأنشد قصيدة طويلة، منها:

وقائلة والدمع سكب مبادرُ *** وقد شرقت بالدمع منها المحاجر


كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا *** مقام ولم يسمر بمكة سامر


ولم يتربع واسطاً فجنوبه *** إلى المنحنى من ذا الأراكة حاضر


فقلت لها والقلب مني كأنما *** يلجلجه بين الجناحين طائر:


بلى نحن كنا أهلها فأزالنا *** صروف الليالي والجدود العواثر


والأمر الثالث: هو ما تشهده بلاد اليمن، من حرب دامية، وظروف قاسية، وما خلفته من انقطاع للكهرباء، وتقطع في الماء، وتدهور في وسائل تواصل النقل والاتصال.. إلا أنهم دائماً يتغلبون على المصاعب والمتاعب، فتراهم يخرجون من بيوتهم، ولا يملكون قيمة الغداء؛ لكن البسمة تعلو وجوههم، والأمل يداعب قلوبهم، ولا يخلو عملهم من كد ودأب وإدئاب!


تسأل أحدهم: كيف الحال؟ يرفع كفيه إلى السماء، ويقول: له الحمد والشكر، ثم يقبّلهما!


ملحوظة: كلامي هذا لا أعني به الجميع، بل أريد به المجموع، وإلا، فإن هناك شواذ وشذاذ لا يقاسون ولا يقاس بهم.


ملحوظة أخرى: ثنائي على أهلي وأهل بلدي.. لا أقصره عليهم، ولا أنفيه عن غيرهم، بل إن الكرم والكرام في جميع البلاد، ومن مجموع العباد.


هذا إيماض وإلماظ وإحماض عن أداء مناسك الرجل اليمني (وإن شيت، قلت: اليماني؛ فـ(الإيمان يمان، والفقه يمان) وأرجو لبلاد المسلمين- الأمن والأمان والإيمان، والسلم والسلامة والإسلام، والرخاء والرغد- أجمعين اكتعين أبتعين أبصعين، "وعلى الله فليتوكل المتوكلون" "ومن يتوكل على الله فهو حسبه * ويرزقه من حيث لا يحتسب".


وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي

١٤٤٣/٩/٢٤

الأحد، 24 أبريل 2022

ليلة ٢١ من رمضان في المسجد الحرام!

 


ليلة ٢١ من رمضان في المسجد الحرام!


من عادتي أنا.. أن لا أحرص في رمضان، على الصلاة في الحرم؛ للزحام الشديد الذي يفضي إلى بعض المخالفات، من تبرج وتفنن، وتزين وتفتن!


مع ما في ذلك من اختلاط النساء بالرجال، والصغار بالكبار، في المخارج، وعلى الأبواب، وعند السلالم!

والله المستعان.


وصار وضع بعض النساء، كما قال القائل:

‏‎وليست كأخرى أوسعت جيب درعها *** وأبدت بنان الكف بالجمراتِ


وعلَت فتيت المسك وحْفاً مرجلاً *** على مثل بدر لاح في الظلماتِ


وقامت ترائي يوم جمعٍ فأفتنت *** برؤيتها من راح من عرفاتِ!


وكأن أبا حازم المدايني، يتحدث عن عصرنا هذا.. حينما نظر إلى امرأة تطوف بالبيت مُسفرة، وكانت من أحسن خلق الله تعالى وجهاً، فقال: أيتها المرأة، اتقي الله، لقد شغلت الناس عن الطواف! فقالت: أما تعرفني؟ قال: من أنت؟ فقالت:

أماطت رداء الخز عن حر وجهها *** وألقت على المتنين برداً مهلهلا


من اللائي لم يحججن يبغين حسبة *** ولكن ليقتلن البريء المغفلا


وقد كان بعض السلف: يطوف بالبيت، فنظر إلى امرأة جميلة، فمشى إلى جانبها، ثم قال:

أهوى هوى الدِّين واللذات تعجبني *** فكيف لي بهوى اللذات والدين؟!

فقالت: دع أحدهما تنل الآخر.


نعم، صحيح، يجب على الرجل غض البصر، ومراقبة الرقيب، ولكن، يجب على المرأة أيضاً: ستر زينتها، وإخفاء مفاتنها؛ لأن لكل ساقطة لاقطة!



تخيلوا، هذا الموقف العجيب، من هذا الصحابي النجيب..

خطب عروة بن الزبير إلى ابن عمر، ابنته، وهما في الطواف، فلم يجبه، ثم لقيه بعد ذلك، فاعتذر إليه، وقال: كنا في الطواف، نتخايل الله بين أعيننا!


لا إله إلا الله، حقاً، إن من يتخايل الله بين عينيه؛ ينأى عن المآثم والمحارم والمغارم، وينفك عن المفاتن والمزاين!



ولا ينكَر.. أن في النساء بقايا، وفي الزوايا خبايا، وحالهن كما قال النميري:

يخمّرن أطراف البنان من التُّقى *** ويخرجن جنح الليل معتجراتِ


عذراً، أسهبت في هذا الأمر، وقد كتبت فيه مقالاً، عنونته، بـ "ظاهرة تبرج النساء في الحرمين الشرفين!

يا زائرة الحرم اتق الإثم واللمم!"


أقول: علاوة على ضيق النفس، وتضيق النفَس!

وإذا ضاقت النفس، وتأففت الروح؛ تعب الجسد، وتبلبل القلب، وتحير اللب، ولم يذق لذة العبادة، وحلاوة الطاعة!



والليلة، ليلة الواحد والعشرين، جاءني بعضهم، وحضني وحرضني على الصلاة في الحرم.

اعتذرت، فأصر وألح، حتى وقعت تحت إلحاحه وإصراره!


ذهبت، وليتني لم أذهب، ليس زهداً في هاته البقعة الشريفة التي صلاها وفضلها رسول الله عليه الصلاة والسلام، والصحب الكرام، ولكن، للزحام الممض والمقض!


أقول: ذهبنا بعد صلاة المغرب، حتى أذن للعشاء ثم أقيمت صلاته، ولا زلنا نخب ونوضع، ولم نصلْ بعد، حتى فاتتنا الركعة الأولى!


فلما خشينا فواتها.. صففنا في درب هناك، يمشيه الناس بأحذيتهم، دون فرش أو بساط، حاشا عِمّة أحدنا، تطوع بها الحاض!

صلينا مع من صفّ وصلى وافترش، ولا تسلني عن ما يخدش هذه الصلاة، من: تخط، ولغط، وغلط!


وحقيقة، إن قدسية المكان، وشرف الزمان.. أضفت عليه جلالة ومهابة،  فاهتبلناها فرصة، لنصلي بنعالنا، (والصلاة في النعال، سنة، تكاد تهجر، وقد صنف فيها شيخنا المحدث مقبل الوادعي، رسالة، على طريقة المحدثين الأقدمين، أسماها: "شرعية الصلاة في النعال")


انطلقنا بعد الصلاة، نهرول لا نلوي على شيء، سوى نشدان مكان لصلاة التراويح (هكذا تروايح أو قيام، في جميع الشهر، دون تفريق في التسمية والوقت، في العشر) لكن المسجد قد امتلأ عن آخره، حتى الساحات الوسيعة هي الأخرى ضجت واكتضت، ولا زلنا في سعينا حتى لغبنا، ثم منّ الله تعالى بموطئ لأقدامنا، أمام دورة للمياة، في إحدى الساحات، فاصطففنا هناك، فرحين بذلك، والحمد لله على كل حال.


ولا شك.. أن هذه الاجتماعات، تشي بخير، وتنم عن حب، وتدل على مسابقة ومسارعة، ولكن ليت الناس، لا سيما أهل مكة.. يتركون فرصة لغيرهم من البلدان البعيدة، الذين لا يكادون يرونه إلا مرة في العمر، وهم يأتونه كل يوم، بل بعضهم كل فريضة!

حتى أن أحد الإخوة أخبرني، عن أحد الإخوة.. أنه اعتمر في إحدى الرمضانات، ٤٠ عمرة!

فقال له صاحبي -ممازحاً، بلهجته-: أها، يعني: أنت مسبب الزحمة!


ناهيك، عن الحكم الشرعي، في حكم تكرار العمرة.. فلم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة رضي الله عنهم.. أنهم كرروا العمرة في سفرة واحدة.

ينظر، للتوسع (المغني: ٥/ ١٧) وفعل عائشة، حادثة عين خاصة، كما في (مجموع الفتاوى: ٢٦/ ٢٧٣)


وهذا، وإن كان يدل على الحب، إلا أنه يسبب زحاماً خانقاً، وتدافعاً مؤلماً.. فإذا اجتمع هؤلاء الماكثين، بأولئك الزائرين.. اكتض الحرم بالآمّين، وغض بالمصلين، فلا تكاد تجد لرجلك موطناً وموطئاً.


وقد كان كبار العلماء، كابن إبراهيم، وابن حميد، وابن باز.. إذا أتوا مكة، لا يقصدون الحرم باستمرار، بل يصلون خارجه، كالعزيزية ونحوها من مناطق حدود الحرم -كما أخبر عنهم الشيخ الفوزان-.

والجمهور.. على أن المضاعفة، تعمّ الحرم كله، كما في (المجموع: ٩/ ٣٢٩) و(زاد المعاد: ٣/ ٣٠٣)



على كل، هذه خاطرة سنحت، وذكرى سمحت، فاقتنصتها، علّ فيها تذكرة وذكرى.


وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي

١٤٤٣/٩/٢١