الأربعاء، 6 يوليو 2022

وداعاً "حي النسيم"! سبعة أشهر حسوم في حي النسيم!

 وداعاً "حي النسيم"!

سبعة أشهر حسوم في حي النسيم!


جفاني الكرى، وعاودني الوسن، وزارني الحنين؛ لأيام خلت، وليالي مضت في حي جميل، ومحياً خميل، وجدت فيه مناي، وأدركت فيه مرماي، إنه "حي النسيم"، الذي كان لي كعليل النسيم؛ هبوباً وهدوءاً، وراحة وروحاً، وسكينة وطمأنينة!


وأنا رجل ألوف عيوف!

أما ألوفي، فكما قال الكندي:

خُلقت ألوفاً لو يعاودني الصبا *** لفارقت شيبي موجع القلب باكيا!


قال الخطيب البغدادي: "سمعت محمد بن عبيد الله بن توبة الأديب يقول: لا أعلم نقل في معنى الإلف، أحسن من بيت المتنبي:

خلقت ألوفا لو رحلت إلى الصبا *** لفارقت شيبي موجع القلب باكيا"

(تاريخ بغداد: ٥/ ١٦٤)


وقال الواحدي: "هذا البيت، رأس في صحة الإلف؛ وذلك أن كل أحد يتمنى مفارقة الشيب، وهو يقول: لو فارقت شيبي إلى الصبا، لبكيت عليه؛ لألفي إياه؛ إذ خلقت ألوفاً".

(شرح ديوان المتنبي: ٣١١)


وحالي، كحال الأديب الطنطاوي؛ حيث يقول: "ولا انتقلت من دار إلى دار، ولا من بلد إلى بلد، ولا تحولت من عمل إلى عمل.. إلا أسيت على فراق ما تركت ورائي، وخشيت ما سألقاه أمامي. فهل كان المتنبي ينطق بلساني، حين قال:

خلقت ألوفاً لو رجعت إلى الصبا *** لفارقت شيبي موجع القلب باكيا"؟!

(ذكريات الطنطاوي: ٥/ ١٥٦)


وأما عيوفي، فكما قال البارودي:

خُلقت عيوفاً لا أرى لابن حرةٍ *** علي يداً، أغضي لها، حين يغضبُ!


فلله، ما أعز هذه النفس، وأبعدها عن مواطن التطامن، وأنزهها عن مواقع الاعتساف، لكنها، تحفظ حق الإخاء، لمن عرفه، أما من رأى نفسه، فوق صحبه، وصار يتوقى حين غضبه، فلا كرامة ولا شهامة، إن أغضي له، وهرع إليه.


‏قال المبرد:

إذا تاهَ الصديق عليك كبراً *** فَتِهْ كبراً على ذاك الصديقِ


فإيجاب الحقوقِ لغير راعٍ *** حقوقك؛ رأس تضْييع الحقوقِ


ومثلها:

زِنْ من وزنك بما وزنك *** وما وزنك به فزنهُ


من جا إليك، فرُح إليه *** ومن جفاك، فصد عنهُ


وعوداً، إلى حي النسيم، أقول: تفيأت ظلاله، وتروحت خلاله .. استعذبت نميره، واستروحت جويره .. استوطنت مساجده، وتوطنت معابده .. تنسمت أنواره، وتسنمت أغواره!


مساجده كبيرة كثيرة وفيرة، ضخمة فخمة .. نظيفة لطيفة، تزخر بالتهجد والعبادة، وتضج بالسجود والتلاوة.


فمسجد خديجة بغلف، الجامع الكبير الجميل، الذي لا يخلو من عبّاده وقصّاده، من شتى الأعراق والأجناس، يأتي بعضهم، قبل الأذان، ولا يزال في تهجد وإخبات، وقراءة للقرآن، لا سيما في رمضان.


ومسجد زهية لنجاوي، المسجد الزاهي بتواضعه، متوسط الحجم، إلا أنه معمور بالصلاة والقراءة، فبعضهم: لا يكاد يسبقه أحد، وثان: لا يغادر مصحفه، وثالث: لا يفتر عن القراءة، ونحوهم وغيرهم.


ومسجد رقية، تدخل قبل الأذان، لا سيما أذان المغرب، خاصة الإثنين والخميس، فترى الصائمين قد أخذوا مواطنهم في الصف الأول، ويأتي بعض موسريهم، فيوزع الماء والتمر والقهوة، ورأيت قراطيس، ربما فيها أكبر من ذلك!

وبعضهم، يجلس ما بين المغرب والعشاء، للذكر والقراءة، عدا طلاب التحفيظ، الذين كأنهم خلية نحل!


ومسجد الفتح، مفتوحة أبوابه للذكر والعبادة، كغيره من المساجد التي يذكر فيها اسم الله.


ومسجد الكوثر، كالكوثر في جماله، والقمر في جلاله، مع توزع الحلقات بين جنباته.


ومسجد الفردوس، تسأل الله الفردوس الأعلى حين ولوجه، وتسأل الله دوام الثبات، وإدامة الخير.


ومسجد اليحيى، رحب الفناء، واسع الأفياء، تقام فيه دورات علمية، وفي أيامي، أخبرت عن قيام دورة فيه، للشيخ خالد المشيقيح، ولكن للأسف، لم أعلم إلا بعد انتهائها، فالله المستعان.


ومسجد التقوى، تتوشح التقوى عند دخوله، وتلازمها حين خروجه، وتتفكر في آيات الله وهباته -جعلنا الله من أهلها-.


ومسجد الفرقان، جميلة أرجاؤه، رحيبة ساحاته، يقصده الشيوخ الطاعنين، والشباب النابهين.


ومسجد المحطة، صغير كالمفحص، ومتواضع كالكوخ، أحب الصلاة فيه؛ لأن ابني كان يتدرب فيه على الأذان، بل تجرأ مرة، وسألني أن يؤم آمّيه؛ فنهيته؛ لعدم نضج نُهاه!


كل هذه المساجد -وربما غيرها- في حي واحد، يؤمه جيرانها، ولا يتوانون عن شهودها، حتى أنها قد تمتلئ في بعض الصلوات.


وإني رأيت شيئاً، -ولا أدري- ربما لم أره في غيره من الأحياء، وهو: ازدحام المساجد، وكثرة عمارها، ووفرة زوارها!

وكنت أخبر بهذا، من يزورني، فيوافقني!


إنه حي جميل الأنحاء، خميل الأفياء، وافر الصلاح، هادئ الضجيج، قليل الصخب، هذا وصفي للديار والدور.


أما الإنس والأناسي.. فلم أكد أتعرف على أحد؛ لانزوائهم على ذواتهم، وإقبالهم على أنفسهم، ونفورهم من غيرهم، ومن طبعي.. أن لا أقتحم الناس في خصوصاتهم، ولا أفرض نفسي على غيري، بل إذا وجدت إقبالاً، أقبلتُ وأكثر، وإذا رأيت إدباراً، نفرتُ وأكثر؛ لأن نفسي علي عزيزة، لا أحب إهانتها ولا امتهانها.


كما قال حاتم:

‏ونفسُك أكرمها فإنك إن تهُن *** عليك، فلن تلقى لها الدهر مُكرِما!


‏‎ويقول آخر:

فنفسك أكرم عن أمور كثيرة *** فما لك نفس بعدها تستعيرها!


 وقال آخر:

‏‎إذا أنت لم تعرف لنفسك حقها *** هواناً بها، كانت على الناس أهونا!


ولا أعمم تعميماً، يخرجني عن القسط والعدل؛ فقد صادفت رجالاً، وصادقت أبطالاً، ذوو شهامة وشمم، وكرامة وكرم، وهؤلاء اليوم في قلة ونزر، فإذا وجدتهم، فابسط إليهم يديك، وعض عليهم بناجذيك، فإنهم أنذر من الكبريت الأحمر!


قال يوسف بن أسباط: أتيت سفيان الثوري رحمه الله، فقلت: يا أبا عبد الله، أوصني. قال: أقلل من معرفة الناس. قلت: زدني يرحمك الله، قال: أنكر من عرفت. قلت: زدني يرحمك الله. قال: 


اُبلُ الرجال إذا أردت إخاءهم *** وتوسمن أمورهم وتفقدِ


وإذا ظفرت بذي الأمانة والتقى *** فَبِهِ اليدين قرير عينٍ فاشددِ


بعد هذا الوصف المعتصر والمختصر، لهذا الحي الحي، أحب أن أقول- لمساجده ودوره، وشوارعه ومروره، ولا بأس، حتى ناسه، أقول لهم: وداعاً وداعاً، فقد عشت أياماً حسنة، وليالي مباركة، ازددت فيها خيراً، وسيرت فيها سيراً، لم أحبك لغرض دنيوي، فلم أجد فيك دنيا، إنما وجدت فيك الدين والأخرى، والحمد لله في الآخرة والأولى.


مسافر أنت، والآثار باقيةٌ *** فاتركْ وراءك ما تحيي به أثركْ


وأقول: لولا أمور وأمور؛ لما رغبت عنها، ولما خرجت منها، ولكن، لا بد مما أراده الله وقضاه، وشاءه وقدره، فالحمد لله على كل حال.

ولا أدري، لمَ تذكرت القاضي عبد الوهاب البغدادي، تـ٤٢٢ -رحمه الله وغفر له-؟؟


وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي

١٤٤٣/١١/١٦

السبت، 11 يونيو 2022

هَنـاءةُ هِنْـدِي!

 


هَنـاءةُ هِنْـدِي!

تعطّلت سيارتي في مكان لا أعرفه،  وعجزت عن الحول، وفقدت الحيلة، ولست بخبير؛ لأصلح ما تعطل، أو أوصل ما انقطع!


هاتفت صديقي الأريحي؛ لنجدتي، فجاءني من فوره، وعمل استطاعته، ولكنه هو الآخر، لم ينجح في بعثها أو انبعاثها!


تركتها هناك، على خوف وتخوف -على كسادها في سوق النخاس-، لكني استودعتها الله، وفي الحديث (إن الله إذا اُستُودع شيئاً، حفظه) رواه النسائي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وصححه الألباني.


استأجرنا مصلحاً؛ ليصلحها، بعد المشارطة والمماحكة -ولست بمماحك أو باخس- رجعنا إليها، بهانئها، لكنه هو الآخر، لم ينجع ترياقه، فطلب إحضارها إليه؛ ليفحصها على مهل وتؤدة!

إنها جاثمة، لا تحيل تحركاً، ولا تحاول حراكاً، لكنها، لن تُعدم مسانداً ومعاوناً، وقد يسره الله!


صلينا المغرب، في مسجد بالقرب من راحلتي المريضة .. خرجنا ونحن نضرب أخماساً بأسداس.. كيف نصنع .. وماذا نعمل؟

ولما كنا في تشاور وتحاور مع رفاقي الرفقاء؛ إذ بشاب ربعة، مرسل اللحية، حنطي اللون، تزينه ابتسامة خجولة، وفي كلامه لكنة= يقترب منا، ويعرض خدماته!

شكرناه، وأخبرناه بعلتها الدوية.. ابتسم ابتسامة جميلة، ثم خطا خطوات، ثم رجع، فعاود تقديم طلباته، فشكرناه أخرى، ثم غادر، ولم يرد المغادرة!

قال أحدنا: لو سألتموه، إعارة بطارية!

ناديناه وأخبرناه.. فرجع مبتهجاً منتهجاً، واستسرّ بطلبنا واستبشر، وذهب نحو سيارته؛ لينتزعها بطاريتها، وأعطاناها!


أخذناها، وذهبنا؛ لنستعين بها على النجح، إلا أن مغذي سيارتي، كان قد هلك، فلم تفد ولم يستفد!


رجعنا، وقد أذّن للعشاء، فإذا بصاحبنا المعير، يتأهب للصلاة، وحاول ثانية.. أن يضيفنا، لكنا، اعتذرنا، وانصرفنا، ولم نصرف قلوبنا نحو هذا الفتى، أعجمي الأرومة، عربي الكرومة، وألسنتنا تلهج بالدعاء له، والثناء عليه.

وتخيلوا، أخذنا بطاريته، دون معرفة، وبلا ضمانة، لكنه، حسن الظن، وسلامة الضمير، ثم التسخير والتيسير!


فلله دره، وعلى الله شكره، و"إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً"



وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي

١٤٤٣/١٠/١١




السبت، 21 مايو 2022

المقامة السيارية" سيارة ليست بِسارّة!

 


"المقامة السيارية"

سيارة ليست بِسارّة!


قُدّر لي.. أن أشتري راحلة مرحولة، لكنها هزيلة مهزولة، بادٍ كُلاها، ونادٍ علاها .. كانت بدراهم معدودة؛ بسبب الحال المجذوذة .. اشتريتها على علاتها؛ رجاء غلاتها، فكانت حديدة لا حميدة، ومذيقتي الويلات العديدة!


لقيت منها الألاقي، وأوقفتني على أطراف الطرق وفي التلاقي، حتى غبت ولغبت، وعبت وتعبت!


تقف عند الطلوع، حتى تتخالف منها الضلوع، وتخلّف لراكبها المزوع، فتسيل الدموع!


أشعر أني أنا الحامل لا المحمول، والعامل لا المعمول، فأبذل جهداً جهيداً؛ لأني أقاوم دابة حديداً!


أما سائسوها.. فحدث عنهم ولا حرج، فأكثرهم خدج وخرج؛ إما لفقدهم الأمانة، وإما لنقصهم الصيانة، فكم أتعبوا أرباب هذه الدواب، وأعطبوا عقول أولي الألباب؛ بِلَفّهم ودورانهم، وكذبهم وجورانهم!


واليوم، وما أدراك اليوم.. أردت اختبار مركوبي الجامح، بعد أن أصلحه صالح!


وللأسف الأسيف، والتعس الرعيف؛ فقد أزمعت التجربة المنحوسة، إلى الطائف المأنوسة، وما معي من صاحب أو صيال، سوى الأهل والعيال!


أردت النفه والنفس، عن وعثاء النفس، من أوضار الضجر، وأضرار السجر؛ فإذا بي وبهم نلقى الشدائد الكبار، والخدائد الكثار، في حرور الظهيرة، حتى وصلت الروح النحيرة!


توقفت بنا في بدء العقبة الكؤود، فلم تحلْ طلوعاً ولا عَود، أردت ضربها، فتذكرت أنها لا تعي ولا تسمع، بل ترغي وتدمع .. ارتفعت الحرارة، واشتدت الخرارة، وعظمت الجرارة!


طلبت العونة السمحة، فلم تقف لي إلا "السطحة"، حاشا القلة، التي لا تدري ما العلة، فتتركني مأوها، وفي بليتي مُدلّها!


ثم جاءني شاب من بني السودان، يعرض النجدان، ومعه دابة متهالكة، وفي طريقها متعارجة، لكنه صحيح الأقوال، صريح الأفعال، فحاول ترياقها، حتى تلمظت ريقها، وعادت لها الحياة، فابتسمت الشفاه!


ولما عرضتُ عليه الأجر، غضب وزجر، فحمدت له جميل الصنع، ودعوت له بسلامة النجع.


فلم أكد أخطو خطوات، مستعيذاً بربي من الخطيئات، إلا و"عادت حليمة لعادتها القديمة"، فحاولتها وصاولتها، وأقسمت لها، أن لا أواصل رحلتي، وإن غضبت عيلتي، فهادنتني وهاودتني!


ولما رجعت القهقرى، وعدت الطريق الأخرى، عائداً إلى منزلي، وراجعاً إلى مغزلي.. وقفتْ بي في نصف الطريق، حيث لا رفيق ولا وفيق، زجرتها، فصاحت صيحة، وناحت نيحة، كان فيها الهلاك، ونزلت أقلبها، فإذا بها لا حراك!


رجعت أجرّ أذيال الخيبة، خليَّ العيبة، لكني -والحمد لله- أتبسم تبسم الراضي، طالباً عوضاً من القاضي، جل وعز سلطانه، سبحانه سبحانه ما أعظم شانه.


ولست مريداً الشكوى، أو طالباً البلوى، وإنما هي محنة أرجو أن تكون منحة، أردت التخفيف عن لواعج النفس المتعبة، والتهوين من كوامن الروح المعذبة، والحمد لله على كل حال، في الآن والمآل.


هذه قصتي مع دابتي اللعيبة، وسيارتي التعيبة، التي بذلتْ لكنها بدّلت، وأعطتني لكنها عيطت، ولكل أجل كتاب، والحمد للملك الوهاب، الذي يعطي ويهب، ويكرم ويصب، ومنه البدل والعوض، والعافية من المرض.

"إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين" جُعلنا من الصالحين الفالحين الناجحين.



وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي

١٤٤٣/١٠/٢٠




الأربعاء، 11 مايو 2022

اِصدع ولا تدَع!

 اِصدع  ولا تدَع!


قلِ الحق، بدون غمغمة ولا حمحمة، وبلا لجلجة ولا بجبجة ولا مجمجة، ومن غير ملامة ولا مذامة، وسوى مداجاة أو محاباة..

واتق الله، فإن الساكت عن الحق، شيطان أخرس، والناطق به، شيطان ناطق!


لا بأس، اُكس ألفاظك، أما أن تغيّر معاني الحق، وتُغِير على أهل الحق؛ فأف لك وتف عليك.


أقول هذا؛ لأنك تقرأ بين السطور لبعضهم، حياء وخجلاً، وكأنه عروس في يوم نطاقها!


وقد ذكرني صنيع هؤلاء المتفقهة المتفيهقة.. بوضع عبد الله بن صوريا اليهودي، يده على آية الرجم؛ كتماناً للحق الأبلج، "وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً" وقلدهم بعض أهل ملتنا، فواخجلاه!


ما هذا يا قوم، أفي ديننا ما نستحي من فشوه، أو يستحيا من بدوه؟!


حاشا ذلك، "ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً" تنزيل من حكيم حميد" "وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً" والحق واحد لا يتعدد، قد يخفى على البعض لا على الكل؛ لأنه "بلسان عربي مبين"


والله وحده المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.


وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي

١٤٤٣/١٠/١١


عاطفة قاصفة!

 عاطفة قاصفة!

مشكلة الكثير، سواء كانوا طلبة علم أو دعاة أو غيرهم.. أن العاطفة تغلبهم على تدبر النقل وتفكر العقل؛ ولذلك كان هذا من نقص المرأة..

لكنا، فجئنا ولا زلنا نفجأ بين فينة وحينة.. مَن كنا نظنه فذاً وقداً من الرجال، فإذا به يجاري المرأة في عاطفتها!


وإن شئتم دليلاً.. فانظروا إلى مقدار التعاطف الكبير، حين نبأ وفاة مشهور مجهور؛ في إطرائه وتطريته .. وليته كان تعاطفاً دنيوياً، أو مدحة خالصة.. إذن، لهان الخطب.. لكنه تعاطف ديني، من ترحم ودعاء .. إنه شأن بيد الله .. إنه أمر قد بتّه الله .. إنه حكم قد قضاه الله.. فما يبغي هؤلاء "إلا اتباع الظن" إنهم مسلمون، يقرؤون قوله تعالى: "ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى" إنهم يؤمنون بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقرؤون قوله: (والذي نفسي بيده؛ لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، ولا يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار. رواه مسلم وغيره) ثم يلوونها أو يلوون أعناقهم، "فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً"؟!


إن النصوص صحيحة صريحة، والإجماع منعقد، والفطرة تؤيده، والحس يقف معه.. لكن، العاطفة وحدها، من وقفت إزاء كل هذه الحجج الصلاد الصلاب.. فكان أن أطاحت بصاحبها (إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم)!

وعش رجباً، ترى عجباً!

فيا رب عوناً وصوناً وموناً.


وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي

١٤٤٣/١٠/١٠

نحاسة ونجاسة!

 


نحاسة ونجاسة!


يا للتعاسة والرجاسة والنحاسة والنجاسة، من بعض الرخصاء الرخيصين المترخصين، الذين يظنون دين الله كلأ بخيساً، ويخالونه مرتعاً رخيصاً، لكل والغ وناعق وناعب وناهق ونابح وزاعق!


حسروا وخسروا وقسروا وقصروا.. فإنه لا خوف ولا مخافة.. على الإسلام؛ لأن الله تكفل بحفظه، "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون".

وعن تميم الداري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلا أدخله الله هذا الدين، بِعِز عزيز أو بذُلِّ ذليل، عِزاً يُعِز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر).

رواه أحمد وغيره. وقال الألباني في (تحذير الساجد: ١٥٨): "على شرط مسلم، وله شاهد على شرط مسلم أيضاً".


وكان تميم الداري يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب مَن أسلم منهم؛ الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافراً؛ الذل والصَّغار والجزية.


وعن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يبقى على ظهر الأرض بيت مَدَرٍ، ولا وَبَرٍ، إلا أدخله الله كلمة الإسلام، بعز عزيزٍ، أو ذل ذليلٍ، إما يعزهم الله، فيجعلهم من أهلها، أو يذلهم، فيدينون لها).

رواه أحمد وغيره. وصححه الوادعي في (الصحيح المسند، رقم: ١١٥٩)


فالإسلام قادم، والمسلمون قادمون، ونحن نرى -بحمد الله- عودة الناس إلى ربهم ودينهم ونبيهم وفطرتهم وغيرتهم، فالمساجد ملأى بالمصلين القانتين الذاكرين- من الشبان والشيبان، والحجاب عاد بقوة، بل حتى الجلباب الذي لم تكن تكد تراه، "فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين"


دعهم يعضوا على صم الحصى كمداً *** من مات من غيظه، عندي له كفنُ!


ولكن، الخوف والألم.. على هؤلاء الحمقى النوكى، وأتباعهم الهوام الطغام- من غضب الله ومقته، وشديد عقابه وسخطه، "فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" "واتقوا فتنة لا تصيبين الذين ظلموا منكم خاصة" "ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا"



ويا إخوتي.. كل شيء يهون، سوى دين الله تعالى .. كل غال يرخص، حشا الإسلام .. كل عزيز يسقط، خلا الحرمات.. إنها رأس المال .. إنها البقية الباقية .. إنها الغاية التي لا غاية بعدها .. إنها السلامة التي لا يعدلها شيء.


فسلّموا لأمر ربكم؛ تسلموا وتغنموا، واحفظوا رؤوس أموالكم "لا تظلمون ولا تُظلمون" "ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام" "ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين"



ويأيها الناس.. لا تسمعوا للاغين الناعقين، ولا تقرؤوا للنافقين المنافقين؛ فإنهم -ورب البنية-.. أحقر وأقذر.. من ضياع دقيقة في قراءتهم أو سماعهم.. إنهم سامجون .. سامدون .. ساقطون .. نافقون .. منافقون .. موتورون .. مسجورون .. مصدورون .. مكبوتون .. منكوتون .. مقطوعون .. مبضوعون..


وعجبي.. أن يوجد من ينشد الرفق، ويرفع راية السلام، ويدّعي الإسلام؛ من يدفع ويدافع عن كلب نابح والغ، في عرض الإسلام وحماه!


سيأتي الآن، بعض (من لا أصفه).. من يقول: نزّه ألفاظك.. كيف تصف الإنسان بالحيوان، بل بأحطها وأخسها، وهو الكلب؟!


أقول له: كفّ عني جشاءك، واكففْ عني هراءك.. فإن ميزانك باخس مبخوس، فأنت مطفف، و"ويل للمطففين".


لم يتمعر وجهك، ولم يحم أنفك.. من نيل أشيمط أحيمر كأنه وحْرة.. في ذات الله تعالى، وخوضه في عظمة الإسلام، وهدره ومذره وقذره وزفره، في الأعراض.. ثم تنتفخ أوداجك، وتتورم أشداقك، حين أن نرد البغي والبهتان؟!

"ما لكم كيف تحكمون" "وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان"



إن الولِغ الواقع، في دين الله تعالى، والمَحِق الراتع في حرمات الله عز وجل.. لهو أحط من الحيوان وأسقط، "ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون" "أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً" "فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا"!


(اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك) (اللهم يا ولي الإسلام وأهله، مسكنا بالإسلام حتى نلقاك به)


هذا بلاغ لكم والبعث موعدنا *** وعند ذي العرش، يدري الناس ما الخبرُ!


وإلى لقاء تحت ظل عدالة *** قدسية الأحكام والميزانِ



وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي

١٤٤٣/١٠/١٠


السبت، 30 أبريل 2022

مـا أعـز العِـزّة!

 مـا أعـز العِـزّة!


الآن، رأيت رجلاً يبدو عليه الرياش، وطيب المعاش -ريش بلباس التقوى- يقول لآخر: هل تريد زكاة؟!

قال له: لا بأس، جزاك الله خيراً.


قال له: أنت يمني؟!

قال: نعم.


وإني لمن قوم كأن نفوسهم *** بها أنَف أن تسكن اللحم والعظما!


مضى الغني إلى سيارته، وأتى له بقليل من الأرز، ثم قال له: لكن، أمانة، تأكلونها!


فما كان من ذاك الفقير، إلا أن احمر وجهه، وزم شفتيه، وحملق نحوه، ثم قال له: خذ زكاتك، فإني لست بحاجة إليها!


إني أحرِّض أهل البخل كلهم *** لو كان ينفع أهل البخل تحريضي


ما قلّ مالي إلا زادني كرماً *** حتى يكون برزق الله تعويضي


رد الغني -بصَغار؛ لأنه هو من جلبه على نفسه، وقد كان في عزة وفسحة من أمره-: أرجوك، لا تردها، خذها!


رد الفقير -بشموخ-: لا، والله لا آخذها!


قال الغني: طيب، انظر فقيراً آخر، وأعطِها إياه؟!

قال الفقير: لا، لا أعرف، عليّ بإخراج زكاتي وكفى!


لا تطلبن معيشة بمذلةٍ *** واربأ بنفسك عن دنيّ المطلبِ


وإذا افتقرت فداوِ فقرك بالغنى *** عن كل ذي دني كجلد الأجربِ


فليرجعن إليك رزقك كله *** لو كان أبعد من مقام الكوكبِ


هذا ما كان وبان قبل دقائق وثوان..

وقد تمنيت من الغني -هداه الهادي-.. أن لا يستعمل هذا الأسلوب الجلف الجافي؛ وعليه، أن يتحرى لصدقته، دون سؤال أو جرح لمشاعر الناس، ونهنهة لعزتهم؛ لأن غضب الفقير "العزيز"، يقسم ويقصم!


أبلغ سليمان أني عنه في سَعةٍ *** وفي غنى غير أني لست ذا مالِ


شحاً بنفسي أني لا أرى أحداً *** يموت هزلاً، ولا يبقى على حالِ


والفقر في النفس لا في المال نعرفهُ *** ومثل ذاك الغنى في النفس لا المالِ


وقد أعجبت بعزة الفقير، الذي أسقط الفاني على الباقي، فحبات أرز تفنى، وذلة النفس، أثرها باق لا يندمل!


فلا ترضى بمنقصة وذل *** وتقنع بالقليل من الحطامِ


فعيشك تحت ظل العز يوم *** ولا تحت المذلة ألف عامِ

 


بغض النظر، عن الأسلوب، إلا أني شعرت بالفقير، وهو يُصفع من هذا الغني، -ربما دون قصد- فثار وفار وطار، ولم يصبر على الخسف، بل رد الصفعة بأصفع وأفظع!


لو رشفة الماء بعض المنِّ كدَّرها *** ماتوا عطاشى على الرمضا وما رَشفُوا


الحلم والنبل والإيثار عن كرمٍ *** والعزم والحزم والإقدام والأنَفُ


وأقول: أيها المزكي والمتصدق: غلّف زكاتك، واكس صدقتك؛ بجمال الكلمة، وحسن النظرة، وطيب الطعمة؛ لأنها واجبة عليك، ليس لك فيها منّة، ولا يجوز أن يكون منك أذية ولا أذى "يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى".


وعجزت عن شكر الذين تجردوا *** للباقيات، وصالح الأعمالِ


لم يخجلوها بالسؤال عن اسمها *** تلك المروءة والشعور العالي


هذا ما أردت سطره؛ علّ فيها عبرة وذكرى، للأغنياء والفقراء، (اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، واغننا بفضلك عمن سواك)


وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي

١٤٤٣/٩/٢٩