الأربعاء، 6 يناير 2021
تلطّف مع عامل، وتخفّف إلى نادل!
الثلاثاء، 5 يناير 2021
إلى الجنان .. يا حنان!
إلى الجنان .. يا حنان!
صليت يوم أمس، إحدى صلاتي العشي، وهي العصر، وبعد الصلاة، قام الإمام، منادياً: الصلاة على المرأة!
صلينا عليها، ولا أدري من؟
واليوم، قابلني صديق، وأخبرني عن قصة تلك المرأة، لا، بل الطفلة.
طفلة في الثانية عشر من ربيع عمرها، عفوا، ليس ربيعاً، بل عمر ملئ بالآهات والأنات، والفقر المدقع، حتى أعوزتهم اللقمة!
وآخر لحظات عمرها، يوم أمس، أصيبت بقيء شديد، مع حرارة جسمها.
نظر إليها والدها، وهي تتألم وتتوجع، فلم يجد بداً من الذهاب إلى عمله، فلم يملك مالاً، لإسعافها!
ذهب للعمل، وفي قلبه لهيب وأسى، وفكره متبلبل على فلذة كبده، إنها ابنته الكبرى.
رجع من عمله قبل الظهر بقليل، نظر إلى غاليته، وهو في حيرة، قائلاً لها: لم أحصل إلا على أربعمائة ريال -طبعاً، ٤٠٠ يمني-!
قالت له متسائلة: بابا.. هل تسعفني، أم تشتري بها غداء)؟!
هنا، -وصاحبي يقص علي هذا الخبر- وأظنكم كذلك- قفّ شعري، واقشعر جلدي، وتسارعت نبضات قلبي..
لم أتمالك نفسي، وشعرت أن عقلي، فارقني، ونفسي تركتني!
وأخذت أكرر عليه: ماذا قالت؟
وهو يعيد علي!
فأخذت أكرر عبارتها البريئة: (بابا.. هل تسعفني، أم تشتري بها غداء)؟!
الله يعلم، أني لا أزال إلى لحظتي هذه، في حسرة وأسى، ولوعة وشجى، لا يعلمه إلا علام الغيوب.
ماذا أصنع .. ماذا أفعل .. ماذا أقول؟!
ترحمت عليها، وأسفت لحالها، وبكيت براءة منطقها، وسماحة نفْسها، رغم تردد نفَسها!
فأردت أن أسلّي نفسي، بهذه الزفرات الحارة، التي إذا كتمت ضرت وأضجرت، فكتبت قصتها، ولن تعدم: داعياً أو مواسيا.
وأعود لقصة الفتاة: ذهب بها والدها، إلى مستوصف مهمل!
فأعطوها حقنة الدواء، ولم تكمل بعد، حتى فارقت الحياة، وودعت الدنيا.
خرجت من الدنيا، ولم تذق حلاوتها، لم يشترى لها ألعاب الطفولة .. لم تجد ما تلهو به وتأنس، بين تريباتها، ربما، إلا لماما، لا دائما!
رحمك الله يا حنان، وأسكنك أعالي الجنان، وخلف على أبيك بالخير والرضوان، وحفظ والديك وإخوانك وأخواتك، ورزقهم الصبر والسلوان.
"إنا لله وإنا إليه راجعون" و(إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى).
وكتب: المقصر وليد بن عبده الوصابي،
١٤٣٧/٣/٢٥
الاثنين، 4 يناير 2021
دقائق مع حبشي!
دقائق مع حبشي!
الآن، بينا أمشي في ظلام، وقد سكنتني ظلمات، فشُوّش فكري، ودله عقلي؛ إذ بصوت رجل- بكلمات لكِنة، يقول: يا شيخ، تفضل معي على القهوة؟!
نظرت ثَم، فإذا أنا برجل أسمر البشرة، لم أتبين وجهه؛ للكمامة الغامة -كشفها الله-، إلا أن ابتسامته العريضة، كانت بادية!
جلست على بساطه البسيط، فقرّب إلي القهوة، ثم ذهب مُصِراً؛ لإحضار التمر، ثم الشاي المنعنع أو المشمطر!
مكثنا، نسأل عن حال البلاد والعباد -ولعل هاته الأسئلة، هي السائدة اليوم، وهذا ما يريده الأعداء منا، أن نشغل بالتوافه عن الإعداد والأعداد-!
أقول: رغم السؤال السائد عن الحرب والفقر والغربة، إلا أنه، حوره وحوله إلى الكلام عن العبودية -وما أرق وأدق وأحق الكلام في العبادة والعبودية-!
تلوت قول الله تعالى: "ومن يتق الله يجعل الله مخرجا" مع تفسير يسير.. فحملق في وجهي وحدق، وقال -بلكنته-: الله كريم، وأبوابه مفتوحة -وفتح يديه ذات اليمين والشمال-، لكن الخطأ والتقصير مننا!
وهو -حرسه الله- لا يكاد يتكلم كلمة، إلا ويتبعها، بحمد الله وشكره، بصوت أجش، وكأنه يخرج من الأعماق!
نظرت إليه، وقد حفرت كلماته الصادقة، في قلبي أخاديد، وقلت: لَجلسة مع هذا المسكين العظيم، الذي لا يعبأ له، خير من جلوس مع عشر عثر!
وأعجبتني كلمة، علق بها العلامة عبد الفتاح أبو غدة، على (المسترشدين) للإمام المحاسبي حيث يقول: "ورؤية الرجل الصالح القدوة، إنما تذكر بالله؛ لما يرى عليه من النور والإشراق، والأنس والطمأنينة، والمحبة والسكينة، في سمته وهيئته وخشعته .. في نطقه وصمته وإطراقه وحركته وسكونه وكل شؤونه، فلا ينظره ناظر إلا كان نظره إليه مذكراً له بالله، وكانت صورته موجهة له للإقبال على الله؛ أولئك الذين إذا رؤوا، ذكر الله".
ينظر: (أيها المستمع الكريم: ٦٤)
سلّمت عليه، مستأذناً، فإذا به يصمّ سمعي، بحديث طويل مكسر، لكنه معطر -مفاده-: أنت المتفضل علي؛ لقبولك الجلوس والشرب معي، فجزاك الله خيراً!
رددت عليه، بما قدرت من كلمات الثناء والدعاء، ولم أوفه، والله خير الموفين.
وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي.
١٤٤٢/٥/٢٠
طفل لم يجد ما ينتعل!
طفل لم يجد ما ينتعل!
مذهبي إلى المسجد يوم الجمعة، وفي حرارة القيظ، وشدة الهاجرة، ولهب الصيف؛ أبصرتُ قدّامي صبياً -في العاشرة من عمره تقريباً- يصطلي بحرّ الشمس، ويكتوي برمل الأرض المحرق، وهو يتّبع الأفياء والظلال، ويتقفز تقفز الكنغر على أصابع قدميه، هروباً من حرَق الرمال!
اقتربت منه، وسألته: أين نعلك يا بني؟
أجابني: اتقطعت علي وأبي ما عنده فلوس يشتري لي! (هكذا بلهجته)
صكّ جوابه سمعي، وأدهش عقلي، وأزعج لُبّي.
حزن -والله- قلبي، ورقّ له فؤادي.
بمَ أجيبه .. ماذا أقول له؟
خجلت منه، وخفت من ربي، أن يعاقبنا في التفريط عن هؤلاء.. أن نواسيهم بما نستطيع، ونتفقد أحوالهم بما نقدر!
أيعجز أحدنا عن شراء نعل لمثل هذا بمبلغ حقير زهيد، ودراهم معدودة؟!
بلى، الكل أو الجل يستطيع، ولكنا لا نعبأ بالآخرين، ولا نهتّم بالمسلمين!
ريالات قليلة.. تبرّد أكباد، وتطفئ لوعات، وتخفف معانات!
ولكن أين المستشعرون؟!
لا أكاد أراهم إلا في كتاب، أو أسمع بهم تحت تراب!
ساءلت وتساءلت: تُرى، كم من رجل رأى هذا الصبي وهو يستوفز من لهب الأرض التي تسطعها الشمس المحرقة!
لم أجد مجيباً!
فأجبت نفسي بنفسي: إنهم كُثر، لكن مَن منهم رحِمه، وجعله كأحد أطفاله الذين يخاف عليهم من اللفح والنفح والطفح؟!
تذكرت قول الرحيم الكريم صلى الله عليه وسلم: (صلاة الأوابين؛ حين ترمَض الفصال) رواه مسلم عن زيد بن أرقم رضي الله عنه.
قال النووي في (شرح مسلم: ٦/ ٣٠): "هو بفتح التاء والميم، يقال: رمض يرمض، كعلم يعلم، والرمضاء: الرمل الذي اشتدت حرارته بالشمس، أي: حين يحترق أخفاف الفصال، وهي الصغار من أولاد الإبل، -جمع فصيل- من شدة حر الرمل".
قال أبو نعيم: لا شك أن جلدها غليظ، وجسدها سميك، ولكنها لا تتحمل حر الرمضاء في الهاجرة، فتقوم متطلبة الظل.. فكيف بقدَم صغير، لا زالت بطن قدمه رهوة رطبة، لا تقوى على حرارة القيظ.
وفي هاته اللحظة؛ تذكرت حالي، وأنا صبي في سنّه -تقريباً- -وايم الله، إن كنت لأمشي في الغداة والعشي، وفي الرواح والبكور.. دون نعل يقيني، أو لباس كامل يحميني ويحويني!
تذكرت حينها، فعل ذلك الرجل، وتلك المرأة.. اللذان سقيا كلباً؛ فغفر الله لهما، أو قال: شكر الله لهما!
وهاك القصتان:
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكر: (أن امرأة بغياً رأت كلباً في يوم حار، يطيف ببئر قد أدلع لسانه من العطش، فنزعت له بموقها، فغفر لها).
رواه مسلم.
وعنه رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (بينا رجل يمشي، فاشتد عليه العطش، فنزل بئراً فشرب منها، ثم خرج، فإذا هو بكلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفّه، ثم أمسكه بفيه، ثم رقى، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له! قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرا؟ قال: في كل كبد رطبة أجر).
رواه البخاري.
وكبد المسلم؛ خير الأكباد.. يا أيها العباد!
ولم يدُرْ بخلد الصحابة رضي الله عنهم؛ أن يسألوا الرسول عليه الصلاة والسلام، عن الإنسان، هل لهم فيه خيراً وأجراً؛ لأن ذلك عندهم من المُسلّمات والبدهيات، وقد مثلوها واقعاً في حياتهم على أكمل الوجوه وأحسنها.
واليوم، وما أدراك ما اليوم، لا تجد إلا التحاسد والتحاقد والتجاحد والتبادد والتحادد والتخادد والتنادد والترادد، وأقول كلمة خفيفة؛ خشية الحنث -إلا من رحم الله، وقليل ما هم-!
أقول: تذكرته، فناديتُني: أبا نعيم: ضع ولدك في موقف هذا الصبي؟!
نكست رأسي، استحياء من نفسي، ثم دمعت عيني دمعات الرحمة والشفقة!
وقلت: تذكر حالك يا وليد، "كذلك كنتم من قبل" -وإن لم تجد من يرحمك أو يشفق عليك-، لكن، افعل، لعل الله يغفر لك يا وليد.
و
من يفعل الخير، لا يعدم جوازيه *** لا يذهب العرف بين الله والناسِ!
ذهبت من فوري، واشتريت له نعلاً بمبلغ زهيد -أستحي والله من ذكره-، لكن لا تدرون كم هي الفرحة التي غمرت قلبه، وعمرت فؤاده، وأطفأت لهبه!
رفض أولاً، فشددت عليه، وأقسمت إلا أن يقبل،
فرضخ بعد لأي، وكأني قدّمت له شيئاً ثمينا!
صلّيت الجمعة، ونسيت ما جرى، فإذا بصبي يصافحني ويشكرني، لولا أمعنت فيه النظر، لما عرفت أنه صاحبي الذي وجدته قبل الصلاة!
تعجبت من حالنا، وكيف قست قلوبنا تجاه أبنائنا وبناتنا، وإخواننا وأخواتنا في شرق العالم وغربه، وطوله وعرضه!
وقلت: ألا يحاسبنا الله في تفريطنا نحوهم؟
ألا نخشى سوء المنقلب والعاقبة في إهمالنا لهم؟
ألا يخاف أقوام ودول؛ أن يغير الله أحوالهم، ويغِيْر ماءهم، ويغيّر عيشهم وحالهم؟!
الناس بالناس ما دام الحياء بهم *** والسعد لا شك تارات وهباتُ
وأفضل الناس ما بين الورى رجل *** تقضى على يده للناس حاجاتُ
لا تمنعن يد المعروف عن أحدٍ *** ما دمت مقتدراً، والعيش جناتُ
قد مات قوم، وما ماتت مكارمهم *** وعاش قوم وهم في الناس أمواتُ
إخواني: كلنا قادر أن يعين، وجميعنا مقتدر أن يخفف معاناة المُعوِزين، كل بقدر وسعه، و"لا يكلف الله نفساً إلا وسعها" و"لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها" لكن المصيبة، أن نبخل بالذي نستطيعه، ونشح بما نطيقه، وقد حذرنا الله تعالى، فقال: "الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل" وقال: "فأما اليتيم فلا تقهر * وأما السائل فلا تنهر * وأما بنعمة ربك فحدث".
وإن من التحديث بنعمة ربك: أن تنفق مما أعطاك، وأن تري الله من نفسك إنفاقاً وبذلاً، فهو صاحب الفضل والعطاء:
الله أعطاك، فانفق من عطيته *** فالمال عارية، والعمر رحّالُ
وليجرب كل منا الإحسان إلى الغير؛ ليرى كيف السعادة تغمره، والرعاية تحفّه، والرحمن يكلؤه.
الله كريم وهاب، وأحب الخلق إلى الله، من اتصف بصفاته سبحانه وتقدس.
هذا ما رأيته بأمّ عيني، فسطرته يميني دون كلف أو تشدق، بل أملت أصبعي عن قلبي مباشرة في دقائق متصلة، وأولادي أمامي في هداية وكفاية ووقاية، أدام الله علينا هذه الثلاث، وأذاقنا لذة الإنفاق، وبرد اليقين.
وسامحوني على التكدير، فلم أُرد إلا التذكير.
وسلام الله عليكم بدءاً وختْما.
وكتب: وليد بن عبده الوصابي،،
اليمن السعيد ١٤٣٧/٧/٢٣
مكة المكرمة ١٤٤١/٥/٧
الجمعة، 1 يناير 2021
التوظيف المُخيف!
التوظيف المخيف!
الآن، كنت أقرأ في السيرة الذاتية، للدكتور محمود الربيعي، المسماة: (في الخمسين عرفت طريقي)؛ إذ كان يتذمر، من توظيف زوجته في بورسعيد، وهو في القاهرة!
ثم قال: "وكان هذا الوضع -الذي يشتت شمل الأسرة على هذا النحو- عادياً جداً، في نظر وزارة التربية والتعليم"! (ص: ١٤٩)
وبعد أن ذكر، إقامتها في بورسعيد، أياماً.. أخبر أن هذا الوضع، لا يمكن أن يُستمر عليه، ويستحيل نقلها إلى القاهرة، فكان الحل؛ أن قدّمت استقالتها من وظيفتها!
أقول: حقاً، إن من الأمور المقضة والممضة والمعضة، في كثير من بلدان المسلمين -حسب ما سمعت-؛ التوظيف في غير بلد الموظَّف، فهو توظيف عسيف مخيف!
يفرح المسكين، بل يكاد يطير فرحاً.. إذا نزلت درجته الوظيفية، ولكن، لم تكمل الفرحة، حين أن يعلم مكان وظيفته!
يقرأ خبر توظيفه، فيقرأ اسمه بين لفيف من الأسماء .. يحملق بعينيه، ويزم شفتيه، ويشير بأصبعيه، إلى مكان وظيفته، فإذا بها بلدة بعيدة نائية عن محل إقامته!
يضرب بيديه رأسه، ويحولق ويسترجع، ثم ينظر إلى زوجه وأولاده، وإخوانه ووالديه، فيقارن بين الأمرين الأمرّين، فيختار أهونهما مرارة -في نظره- وهو السفر إلى وظيفته، التي ستدر عليه الدراهم المراهم!
يذهب بجسمه وجسده، أما قلبه وروحه، فيجعلهما رهينة عند أهله وولده:
جسدي معي، غير أن الروح عندكمُ
*** فالجسم في غربة، والروح في وطني!
فليعجب الناس مني.. أن لي بدناً *** لا روح فيه، ولي روح بلا بدنِ!
ولسان حاله، حال ابن المستوفي، القائل:
والله لو أن أيامي تطاوعني *** على اختياري.. ما فارقتكم أبدا!
يرحل المسكين، ولواعج الحزن تستعر بين جوانحه، ولهيب الحنين يجتمر بين جوانبه!
يبقى في غربته تيك، حائراً سادراً، وربما، لم يؤد عمله كما ينبغي؛ لتبلل قلبه، وتبلبل لبه!
وإذا تقدم، بطلب انتقاله.. لاقى -في سبيل ذلك- الألاقي، بل كان ذلك أقرب إلى المستحيل! -على حد تعبير الدكتور الربيعي-.
وأعرف صديقاً، من أهل العلم والتحقيق.. مكث مدرساً، في بلدة نائية عن بلاده، نحواً من عشرين سنة!
حتى منّ الله عليه، فأعتق من هذه الربقة الآبقة، بجرة قلم من مسؤول، جمعه وإياه مجلس صفاء -كثرت أيامها-!
ولا زلت أتساءل: لمَ لا يواءم بين الموظَّف ومكان وظيفته، مع مراعاة حال الزوج والزوجة والأولاد والوالدين؟
فإن قيل: نخشى الالتهاء، عن وظيفته، بالأهل والأصحاب!
أقول: إن ما منه حذِرتم، فيه وقعتم، بل أشد وأقد.. فإن بعضهم، يداوم ثلاثة أيام أو نحوها، ويطلب إلى صديق تحضيره؛ كفاء ارتشاء، وبعضهم: يتكرم، فيجعلها صدقة أو صداقة -أستغفر الغافر الغفور الغفار-!
وتزداد السوأة، إذا كان الأمر يتعلق بالمرأة!
لا تسل عن خلطتها واختلاطها، وحاجتها واحتياجها، وخلوها وخلوتها، وربما كان في ذلك، ضياعها!
ولا تسل، عن حال الرجل هناك في عزبته وعزوبته، إلا إذا اعتصم ربه، واحتزم لبه، واعتزم قلبه.
ولا تسل، عن ضياع زوجه وأولاده، فإن لم يكن ضياعاً حقيقياً، كان ضياعاً معنوياً، من جهة فقدان عاطفة الأبوة، والشعور بالنقص، وتشتت الشمل، وتفرق الجمع.
طبعاً، وبلا شك، كل هذه الاحتمالات والتوقعات، لا تطرأ على الموظِّفين، بل ولا تروق لهم، ويرونها ضرباً من الهذيان، ونوعاً من الجنان، ولكن: من جرب، عرف -ولست أنا-.
والله العاصم والقاسم.
وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي.
١٤٤٢/٥/١٦
وَحَشُوني الشَّباب!
وحشوني الشباب!
أخبرتني، أنه كان -رحمه الله- يردد هذه الكلمة، "وحشوني الشباب"، فقد كان صاحب حسّ مرهف، وقلب مكلف.
وعندما مرض، وقطَعه مرضه عن لقاء أصحابه، وهم قد قطعوه من واجب الزيارة، وهم أصحاء!
(وهذه ظاهرة ظاهرة)!
هكذا بلغني، أنه كان يقول لها في مرضه: (وحشوني الشباب)!
رحمك الله يا طيب القلب، ونقي الفؤاد.. غيابهم وحشك، وأنت مريض، لكنك -للأسف- لم توحشهم لا أنت ولا غيابك، بل ولا مرضك، لا أدري، ربما، ولا موتك!
ثم كتبتْ أرملته؛ تشكرني على كلمات رثيت بها زوجها الحبيب -رحمه الله- وأتبعتْ بكلمة؛ أجْرت مدمعي، وأصمت مسمعي، وأحزنت قلبي، وبلبلت لبّي، ولا زالت على أسلة لساني أكررها بيني وبين نفسي، وبين من لا يتهمني بالجنون من بني جنسي!
قالت: (أشكرك على كلامك الذي كتبته، وجزاك الله خيراً، وكنت أتمنى هذا الشيء والكلام الطيب منكم جميعاً، أيام مرضه، يا ليت كان أحد يزوره، أو يتصل عليه!
مات وهو يحبكم جميعاً .. كان يتمنى يشوفكم!
كل مرة يقول لي: (وحشوني الشباب) (ووحشوني عيالي الذين في اليمن.. نفسي أشوفهم قبل ما أموت)!
قلت: لكنه قضى نحبه، ولقي ربه.. دون أن يرى من وحشوه!
ولا أسف على هؤلاء الأزياف الأرجاف.. بل خير لي ولك، أن لم نكن عرفناهم، ولا التقيناهم يوماً من الدهر.
إنهم يتركونك في محنتك، ويتخلونك في فتنتك، بل بعضهم يفرح بكسرك -كسره الله- ويضحك لعثرتك -لا أقيل العثرات- ويظن الأنوك؛ أنه بمعزل عن المحنة .. هي آتيتك، لا محالة أيها الأبله!
آه، تلعثمت كلمي، وارتعش قلمي، فعجزت عن التعبير؛ لتكون كلمته هذه (وحشوني الشباب) أبلغ تعبير، لمن كان له ضمير -وواهاً لمن كان له-!
بالعزيز الحكيم؛ أصنعتْ فيكم هاته الكلمات ما صنعته فيّ، أم أني قد بالغت في قولي وفعلي وحالي؟!
أأدمعتْ أبصاركم .. أأصمتْ أسماعكم .. أأوجعتْ قلوبكم .. أغيّرتْ حالكم؟!
يا للتعاسة؛ مريض يتمنى رؤيتنا، ونحن في سكر الشهوات، وحلك الظلمات!
مريض يريد الأنس بنا، ونحن في صدود عنه وإعراض، وشهوة وإنعاض!
مريض يتفقد أحوالنا، ونحن في غفلة عنه وسبوت، وغياب وخفوت!
ماذا ينفعه تسطير المقالات، وتزويق العبارات، وتنكيس الرؤوس، وإظهار العبوس؟!
لا ألفينك بعد الموت تندبني *** وفي حياتي ما زوّدتني زادي!
قال أبو الدرداء: معاتبة الأخ، خير من فقده، ومن لك بأخيك كله، أطع أخاك، ولِنْ له، ولا تسمع فيه قول حاسد وكاشح، غداً يأتيك أجله، فيكفيك فقده.
كيف تبكيه بعد الموت، وفي الحياة تركت وصله؟!
قال أبو نَعيم: أمر غريب في الأكثرية، لا يتذكرون رفيقهم أو صديقهم أو معروفهم.. إلا بعد الموت!
ربما لعفة الواحد؛ يطوي بطنه هو وأهله كشحاً، "يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف لا يسألون الناس إلحافا".
وربما عرف حاله بعض الناس، ولكن: لا أدري، لمَ التواني في هذا الفضل العظيم، والخير العميم؟!
وما أكثر صدقات وصداقات ما بعد الموت!
والله المستعان.
فما حياة امرىء أضحت مدامعه *** مقسومة بين أحياء وأموات؟
أقول هنا للعالَمين: ورب البنية، لم أعلم بمرضه ألبتة، وذلك؛ لأنه لم تكن بيني وبينه علاقة وطيدة، وهو من جيل أساتيذي.
ولو علمت بمرضه؛ لبادرت بزيارته، ولكني لا أعدّ هذا عذراً لي من التبعة، بل إني أطلب من ربي العفو والعافية، ولأخي الفقيد الدرجات العالية.
ثم ختمتْ رسالتها، بقولها: (يا ليت تعفو عنه، لو غلط عليك في يوم من الأيام.. هو محتاج منكم العفو والرحمة، والدعاء له)!
غفر الله لك يا أختاة، أنا وأمثالي من الغفلى، نطلب من الله سبحانه.. أن يعفو عنا تفريطنا وتقصيرنا، ثم نطلب منكم أهل الفقيد؛ العذر نيابة عن الفقيد.
ونضرع إلى الرحيم الرحمن، أن يعفو عن فلان بن فلان، فإنه رهين عمله، ورقيم قوله، ولا أعلم عنه إلا خيراً، رغم قلة خلطتي به -كما قدّمت- ولكن هذا ما علمته وخبرته. اللهم بلّ قبره وابل الرحمات، واسقِ جدثه سايح الغفرات.
وكتب الألِم الأليم: أبو نعيم وليد الوصابي.
١٤٤٠/١٢/٢٧
تأبين لمنتاب وعتاب لأحباب!
تأبين لمنتاب وعتاب لأحباب!
بلغني وفاة الرجل المعوان: علي علان -غفر الله له ورحمه، وأسكنه فسيح الجنان-.
فـ "إنا لله وإنا إليه راجعون" و(إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى).
أقول: رغم أنه لم يكن بيني وبينه تلك العلاقة القوية، بل معرفتي به كانت عادية وسطحية، وقد عرفته عن طريق صاحبي الحبيب: سالم المعروفي، فرأيت فيه الخلق الحسن، وطيب الكلمة، وخفض الجناح!
والعجيب، الآن عرفت أن كنيته (أبو دجانة) بل وجدته من أصدقائي في الفيس، باسم أبودجانه الجوهري الجوهري
وتالله، لم أعلم إلا اللحظة، فلا قوة إلا بالله.
عتاب للأحباب:
نصيحة للجميع إخواني الكرام: علينا أن نقوّي أواصر المحبة، ونشد روابط الصحبة، فنتزاور ونتآزر، ونتعاون ولا نتهاون، ولنكن لبعضنا خير إخوة، وأمثل عدّة: قولاً وفعلاً، شدة ورخاء، سراً وجهرا..
لا نريد صحبة (أي خدمات) التي من طرف الأسلات، فإذا جدّ الجد؛ صارت من جيل: (كان يا ما كان في قديم الزمان وسالف الدهر والأوان)!
بل صارت هذه الكلمة (أي خدمات) للأسف، علامة على النكتة والسخرية والمهزلة واللعب بمشاعر الناس، والضحك والإيناس، والتلهية والتسلية!
وإذا جرى أن أحد الجادين المساكين (على وجهه -كما يقولون-) سمع هذه الكلمة (أي خدمات)؟!
فأجاب: والله، إني محتاج لكذا، وأشكو من كذا؟!
اعتذر إليه العارض للخدمات، ونكس رأسه، وعَلته الرحضات، وأدرك أنه في ورطات!
بل سخر العالَم من هذا المسكين، وازدروه واحتقروه، ونكتوه وبكتوه، وتناقلوا قوله في المجالس، وفي النور والحنادس!
وكأنه أتى جرماً، أو ارتكب ظلماً!
وقد سمعت عنه من أخي سالم، أنه -أسكنه الله فسيح الجنان- كان شهماً كريماً، باذلاً ماله وجاهه وجهده لإخوانه ومحبيه.
والآن..
والآن، كم لبعضنا البعض من الانقطاع، فهلا تواصلنا ولو مخاطفة بالمهاتفة؛ تكسب ود أخيك، وترجو رحمة ربك، وتشرح صدرك، ولك المثل وزيادة من الحسنات الدنيوية والأخروية.
ووالله، أخبر عن نفسي، أحاول بين فينة وأخرى (تذكر إخوان بذي سلم)، فأبلّهم بالاتصال، والسؤال عن الحال والعيال -والحمد لله-.
ولا شك أن الكثير مقصر، بل بخيل ومقتر.. ولكن إن لم نتناصح ونتصارح، فليس بعدها إلا أن نتفاضح!
وكلامي هنا على العموم لا الخصوص؛ لأن هناك أفاضل وأماثل؛ يتلمسون حاجات الإخوان، وخلات الخلان؛ ولو شئت لسميتهم، ولكن: أجرهم على الله فهو أبقى وأنقى وأتقى.
وفقني الله وإياكم لكل بر ورشد وفضيلة.
وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي.
١٤٤٠/٤/٣٢