الثلاثاء، 28 أبريل 2020

حياك رمضان.. وعذراً إليك!

حياك رمضان.. وعذراً إليك!


رمضان: اسمك تحبه النفوس، وبحلولك: نلفظ  الكؤوس، طاعة للملك القدوس..

رمضان هلّ هلاله، فاستبشر يا عالم، وصفقي يا أيام، وابتهجي يا نفوس، وانتهجي سبل الهدى!

حياك الله يا رمضان .. وأهلاً بك يا شهر الطاعة والغفران، ومرحى بك يا شهر العتق من النيران..


فديتك زائراً في كل عام ***  تحيا بالسلامة والسلامِ

وتُقبِلُ كالغمام يفيض حيناً ***  ويبقى بعده أثر الغمامِ
(مصطفى صادق الرافعي)


رمضان: أنت الشهر الفرد، الذي بشر وهنأ بك الرسول الكريم: صحابته الكرام، وهي تهنئة تعمنا وتشملنا!
فيا فوز من قبل التهنئة، سيعيش في هناء ورخاء!


عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما حضر رمضان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قد جاءكم -وفي رواية: أتاكم- رمضان؛ شهر مبارك؛ افترض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، ويغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغلّ فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم).
أخرجه أحمد والنسائي، وصححه الألباني، في (صحيح الترغيب: ٩٩٩) 
والشيخ شعيب الأرناؤوط.

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: "قال بعض العلماء: هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضاً بشهر رمضان.
كيف لا يبشر المؤمن بفتح أبواب الجنان؟
كيف لا يبشر المذنب بغلق أبواب النيران؟
كيف لا يبشر العاقل بوقت يغل فيه الشياطين؟
من أين يشبه هذا الزمان زمان".
(لطائف المعارف: ٢٧٩).


حياك الله يا رمضان، خير ضيف، وأفضل قادم، وأحسن زائر.


هذا هلال الصوم من رمضان ***  بالأفق بان فلا تكن بالواني

وافاك ضيفاً فالتزم تعظيمه ***  واجعل قِراه قراءة القرآن

صمه وصنه واغتنم أيامه ***  واجبر ذما الضعفاء بالإحسان
(ابن الصباغ الجذامي)

هذه التهنئة والتحية..


وأما الاعتذار..
فأقول أولاً: يا رمضان.. سأبذل -إن شاء الله- في ضيافتك جهدي، وسأعمل في حسن استقبالك وكدي..
ولكن، أنى لي التمام!

كيف، وأنت لم تزرنا إلا غباً لماما، ولا تمكث عندنا إلا ليالي وأياما!


ثم ثانياً: أقدم لك هذه الاعتذارات:
-عذراً ومعذرة رمضان.. إن أساء البعض استقدامك، وأهمل الآخرين إكرامك، فإنك لست ضيفي لوحدي، بل ضيف عالَم بأسره!

-عذراً رمضان؛ فإني لا أستطيع أن أصنع لهم شيئاً، أو أقشر لهم عصاً، فإنهم قوم عتاة، وشرذمة جفاة، لا يراعون لغريب قدراً، ولا لعظيم نشراً!

-عذراً رمضان.. إنْ أفطرك رجال ونساء، ليس لهم عذر، بل تكبراً  واستهانة، أو تكاسلاً وامتهانة!

-عذراً رمضان.. إن عاشك رجال ونساء، على الشر والفحشاء، والبغي  والسوآء، ويحسبون، أنهم في هناء!
هم يحسبون!
ولكنهم -والله- في تعاسة تعساء، وظلمة ظلماء، وكرب كرباء، ولكنه التسويل والتهويل..

-عذراً رمضان، إن نام قوم نهارك، وضيع ساعاتك، وقتل أوقاتك؛ ليأتي مغربك، فتأذن له بالفطر والمباحات!

-عذراً رمضان، إن أسهر قوم ليلك، لا لصلاة ولا طاعة، بل للعب واللهو في الأسواق والقاعة، والتنقل بين المتاجر والباعة!

-عذراً رمضان، إن امتلأت في ليلك الأسواق، بالرجال والنساء والنفاق، وربما فعلوا شيْناً، تسيل لهوله المآق، وكأنهم في غيبة عن العليم الخلاق!

-عذراً رمضان، إن خلا في ساعاتك المباركة، قوم بالمحرمات، فانتهكوها، ولعبوا بالبنات وامتهكوها، وعشقوا المردان ولثموها!

-عذراً لك رمضان، واعتذاراً منك- من هؤلاء القوم الذين غلبوني وغالبوني، فلم يستمعوا نصحي ولا بياني، بل سخروا مني ونهروني!

-تُرى، ماذا صنعتَ لهم -أيها الضيف الكريم-، حتى عاملوك هذه المعاملة، ونازلوك هذه المنازلة؟!

*هل أثقلت عليهم زورتك؟!
*هل أضجرتهم دورتك؟!
*هل أمرتهم بما لا يسطيعون؟!
*هل كلفتهم ما لا يطيقون؟!
*هل وهل وهل؟!

-أشهد أنا عن نفسي، والصالحين من بني جنسي، أن هذه تهم وظلم، وما أكثرها على الصالحين؟!


ضيفي الكريم العزيز المبارك: أرحب بك -مرة أخرى- قبل طيّ صفحات الكاغد، ورفع شباة القلم!
بل، وأرحب بك كرات ومرات، وأهنئ بك أحبابي وصحابي، ورفاقي وأترابي، وأشياخي وطلابي، وجميع المسلمين والمسلمات في مشارق الأرض ومغاربها، فأهلاً وسهلاً ومسهلاً..

وإلى العيش في كنفك، والتنسم بشذا عبيرك، والتروي بنميرك..

دمت بود وسلام، والسلام عليك وعليكم ورحمة الله وبركاته،،


محبك: أبو نعيم،،
وليد بن عبده الوصابي..
 ١٤٣٦/٨/٢٩
 ١٤٤١/٨/٢٩

وقفتان مع حديث الشرب عند الأذان!

وقفتان مع حديث الشرب عند الأذان!

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (إذا سمع أحدكم النداء- والإناء على يده، فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه).
رواه أحمد، وأبو داود، والدارقطني، والبيهقي، والطبري، والطحاوي، والحاكم وغيرهم.


هاتان وقفتان، حول هذا الحديث النبوي الشريف- الذي تناول مسألة مهمة من مسائل الصيام، التي كثر عنها الكلام، فأردت أن أنزل دلوي بين الدلاء، ولكني لم أكن معتبطاً، بل مغتبطاً؛ لأني لم أفتئت، ولا إلى غير الوحيين ألتفِت!


الوقفة الأولى: صحة الحديث:
قد صحح هذا الحديث؛ جمع من الأولين والآخرين، ومنهم:
-الدارقطني، قال: هذا حديث حسن.
-والحاكم، قال: هذا حديث صحيح، -والذهبي، فقد وافق الحاكم في تصحيحه.
-وعبد الحق الإشبيلي، في (الأحكام الوسطى: ٢/ ٢١٢).
-وابن حزم، ينظر (المحلى: ٤/ ٣٩٦) فقد أشبع الكلام حول الحديث: سنداً ومتنا.
-وابن تيمية، فقد جود إسناده.
ينظر: (شرح العمدة: ١/ ٥٢٦)


ومن المتأخرين:
-صححه الشيخ الألباني بشواهد كثيرة، لم يترك قولاً لقائل، إلا أن يشاء الله!
بل ذكر، أن إسناده صحيح على شرط مسلم.
ينظر: (التعليقات الجياد) و (الصحيحة: ١٣٩٤) و (صحيح أبو داود: ٢/ ٤٤٧).

-وصححه الشيخ أحمد شاكر، في تخريجه (تفسير الطبري: ٣/ ٥٢٦) ثم قال: "وانظر تعليقنا على الحديث، فيما كتبنا على (مختصر السنن للمنذري: رقم: ٢٢٤٩/ ٣/ ٢٣٣ - ٢٣٤).

-وصححه الشيخ شعيب في تحقيق (سنن أبي داوود: ٤/ ٣٥) وتحقيق (مسند أحمد: ١٦/ ٣٦٨).


قلت: وقد جاء ما يؤيد الحديث، من فعل الصحابة، وهم خير من يفهمون مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم..
عن أبي أمامة قال: (أقيمت الصلاة، والإناء في يد عمر، قال: أشرَبُها يا رسول الله؟ قال: نعم، فشربها).
رواه الطبري بإسنادين، وهذا الحديث صحيح الإسناد. ولم أجده في غير هذا الموضع من تفسير الطبري.
ينظر: تحقيق (تفسير الطبري: ٣/ ٥٢٧)


الوقفة الثانية: معنى الحديث: الرخصة في الأكل والشرب، عند أذان الفجر الثاني (الصادق) إذا كان الإناء في يد الصائم.

هذا هو المعنى الظاهر من الحديث، وهو ما أيدته أحاديث أخرى، وعضدته فعل الصحابة والتابعين.

لكن، قال البيهقي: "هو محمول عند عوام أهل العلم؛ أنه صلى الله عليه وسلم، علم أن المنادي، كان ينادي قبل طلوع الفجر؛ بحيث يقع شربه قبيل طلوع الفجر".
(السنن الكبرى: ٤/ ٣٦٨)

والصحيح: أن المراد، أذان الفجر الثاني؛ بدليل الزيادة: (وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر).
رواه أحمد الطبري، والبيهقي، وابن حزم، وإسناده صحيح على شرط مسلم.
ينظر: تحقيق الشيخ شعيب، لـ (مسند أحمد: ١٦/ ٣٦٨)


فرع: قد ظُن.. وجود تعارض بين هذا الحديث، ونصوص أخر- تقضي بالإمساك حين سماع المؤذن؟
والحقيقة: ليس ثمة تعارض بين الحديث، وبين قول الله تعالى: "وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر" وما في معنى الآية الكريمة، من الأحاديث؛ لثلاثة أمور:

١-أن الآية، جاءت بلفظ "يتبين"، ومن أين لنا التبين الجازم عن دخول الفجر؟!
وكل ما في الأمر، أنه ظني الدخول، ويحتاط فيه بالمقاربة بين المؤذنين، والمقارنة بين التقاويم.

قال الشيخ ابن عثيمين: "إما أن يكون المؤذن يؤذن بالتحري، والذي يؤذن بالتحري قد يصيب، وقد لا يصيب، كالمؤذنين عندنا الآن".
(جلسات رمضانية: ١/ ٨٣)

وقال الشيخ ابن باز: "فإذا سمع الأذان، وعلم أنه يؤذن على الفجر؛ وجب عليه الإمساك، فإن كان المؤذن يؤذن قبل طلوع الفجر؛ لم يجب عليه الإمساك، وجاز له الأكل والشرب حتى يتبين له الفجر.
فإن كان لا يعلم حال المؤذن- هل أذن قبل الفجر، أو بعد الفجر؛ فإن الأولى والأحوط له.. أن يمسك إذا سمع الأذان، ولا يضره لو شرب أو أكل شيئاً حين الأذان؛ لأنه لم يعلم بطلوع الفجر".
(فتاوى رمضان: ٢٠١) جمع أشرف عبد المقصود.


٢-إن الحديث جاء فيه إباحة مضيقة، وفي وقت يسير معلوم، لا تتجاوز اللحظات التي يتفاوت فيها المؤذنون ويختلفون.

وهي رحمة من الله تعالى بعباده بالمؤمنين، وتوسعة منه سبحانه على من كان حاله كذلك.

فهي إذن؛ "من باب الرخصة، لما كان الإنسان رفع الماء ليشرب، تعلقت به نفسه، ولهذا لو كان في الأرض لا تحمله، لا ترفعه من الأرض، بل لا بد أن يكون في يدك، وإلا كانت النفس قد تعلقت بهذا الماء الذي رفعه، كان من رحمة الله عز وجل أن يقضي الإنسان نهمته منه، كما لو حضر الطعام والإمام يصلي فإنك تأكل من الطعام، ولو فاتتك الصلاة، فتُسقط بذلك واجباً؛ لأن نفسك متعلقة بهذا الطعام الذي قُدِّم بين يديك".
جلسات رمضانية: ١/ ٨٣)

ونزّل الشيخ عبد المحسن العباد، هنا، قاعدة: يجوز في الاستدامة ما لا يجوز في الابتداء.
يعني: أن الإنسان.. لا يجوز له أن يبدأ الشرب، ولكنه إذا كان قد بدأ يكمل، وليس معناه: أن الذي في فمه يقذفه ولا يشرب، بل يبلع الذي في فمه ويكمل أيضاً؛ لأن الذي جاء عنه التحديد جاء عنه استثناء هذه الحالة، فيجوز في الاستدامة ما لا يجوز في الابتداء.
ينظر: (شرح سنن أبي داوود)


٣-يحمل الحديث، على التجاوز والعفو عن الأمور اليسيرة التي لا تؤثر، وهي مسألة مطروقة في الفقه وأصوله وقواعده، ولها مثيلات، مثل: العفو عن يسير النجاسة، وحل اليسير من الدم، وذلك ما يتبقى في اللحم والعظام.
قال الصنعاني: "وهو نظير: (إذا حضر العِشاء والعَشاء)".
(التنوير: ٢/ ٩٧)

"فهذه الصورة، مستثناة من الآية: "وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض، من الخيط الأسود من الفجر"، فلا تعارض بينها، وما في معناها من الأحاديث، وبين هذا الحديث، ولا إجماع يعارضه، بل ذهب جماعة من الصحابة وغيرهم: إلى أكثر مما أفاده الحديث، وهو جواز السحور إلى أن يتضح الفجر، وينتشر البياض في الطرق راجع  (الفتح: ٤/ ١٠٩- ١١٠)؛ لأن من فوائد هذا الحديث؛ إبطال بدعة الإمساك قبل الفجر بنحو ربع ساعة؛ لأنهم إنما يفعلون ذلك؛ خشية أن يدركهم أذان الفجر، وهم يتسحرون، ولو علموا هذه الرخصة، لما وقعوا في تلك البدعة، فتأمل".
(تمام المنة: ٤١٧ - ٤١٨)

قال أحمد -في الرجل يتسحر فيسمع الأذان؟ يأكل، حتى يطلع الفجر.
فهو دليل؛ على أنه لا يستحب إمساك جزء من الليل.
ينظر: (شرح العمدة: ١/ ٥٣٢)

ومما يعضد ما نحن فيه من تقرير المسألة؛ هو تسامح جماعة من السلف- في السحور عند مقاربة الفجر..
قال ابن كثير: "وقد روي عن طائفة كثيرة من السلف: أنهم تسامحوا في السحور عند مقاربة الفجر.
رُوي مثل هذا عن: أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وحذيفة، وأبي هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت.
وعن طائفة كثيرة من التابعين، منهم: محمد بن علي بن الحسين، وأبو مجلز، وإبراهيم النخعي، وأبو الضحى، وأبو وائل وغيره من أصحاب ابن مسعود، وعطاء، والحسن، والحاكم، وابن عيينة، ومجاهد، وعروة بن الزبير، وأبو الشعثاء جابر بن زيد، وإليه ذهب الأعمش ومعمر بن راشد.. وقد حررنا أسانيد ذلك في كتاب الصيام المفرد، ولله الحمد".
(تفسير القرآن العظيم: ١/ ٥١٤)

هذا، ما أردت بيانه وتبيانه، من جمع النصوص، والمواءمة بينها، والاعتماد على فهم الصحابة والتابعين والعلماء، في حلها، و"الحمد لله رب العالمين".


وكتب: وليد بن عبده الوصابي.
١٤٤١/٩/٥
وقت السحور.

الاثنين، 27 أبريل 2020

المَقامة الرمضانية، والمُقامة الرمضائية!

المَقامة الرمضانية، والمُقامة الرمضائية!


أقبلتَ يا رمضان، ومضيفُوك في أحزان!

قال لي صديقي الفهيم المزدان: هل لك -أبا نعيم- بكلمة عن رمضان؟

قلت له: إن صفوي معكّر، وخاطري مكدّر، وجسمي مخدّر، فلا أقوى على الحديث أو التحديث؛ لأن تشوش التفكير، يمنع من حسن التعبير!
فأصرّ حتى أضجر، وألحّ حتى أصحر!

فقلت هذا الكلام، من طرف الثمام، بعد استدعاء، وطول استجداء، "وعلى الله قصد السبيل"، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وهي آهات حرّى، وأنات جرّى، كتبتها مستقبلاً ضيفي، ومستنزلاً غيثي، ومعزياً نفسي، ثم بني جنسي:

رمضان مرحى وأهلا، ومرحباً وسهلا.
حيّاك الله وبيّاك، وأنعم بك وأكرم، وأشرف وأعظم.

حللتَ أهلاً، ونزلت سهلاً، وعلى الرحب والسعة، والراحة والدعة.


بشرى العوالم أنت يا رمضان ُ *** هتفت بك الأرجاء والأكوانُ

لك في السماء كواكب وضاءة *** ولك النفوس المؤمنات مكانُ

سعدت بلقياك الحياة وأشرقت *** وانهلّ منك جمالها الفتّانُ
(حسين عرب)

نحبك، ونحب مجيئك، ونأنس بك، ونرتاح معك، ونرغب إليك، ونبارك عليك..

نشكر زورتك، ونحمد دورتك، ونمدح بدرتك.

أفرحنا مأتاك رغم الجراح الدامية، وسهام الأعداء الرامية، ولم يكن في وسعك أن تتأخر لحظة، أو تتعقب غمضة؛ "ذلك تقدير العزيز العليم" "وهو العزيز الحكيم".

وأملنا في ربنا كبير وكثير، أن يكونَ مأتاك.. تخفيفاً لآلامنا، وتسليةً لأحزاننا، وتضميداً لجراحنا، ومداواةً لأمراضنا.
وأن يكون مجآك.. انتشالاً من وهْدتنا، وإيقاضاً من رقْدتنا، وتنبيهاً من غفْلتنا.


عام ونحن على الأشواق ننتظر *** لا السمع أدرك ما نرجوا ولا البصرُ

ولا الأماني في تجوالها نعمت *** برحلة لم يشوه حسنها كدر

ولا الصفاء بنا عادت محافله *** تجتاح ما بقلوب الحقد تستعرُ

ولا أمنّا بليل والمدى خطر *** ولا طربنا وبوح الملتقى ضجرُ
(ياسين الفيل)


نحبك يا رمضان، رغم الصعاب والخطوب، واحتدام الحروب، واشتداد الندوب، وتلاحق الكروب!

نحبك يا رمضان، رغم رمض الرمضاء، واعتلاء الرحضاء؛ ولا تخفيف لدينا من ذلك -والحمد لله-؛ فكهربتنا منقطعة، وخطوطنا مهترئة ممتنعة، وأخوّتنا متكهربة ممتزعة!
فلا بلاغ لنا إلا بالله العزيز الحكيم، العلي العظيم.

أتيتنا يا رمضان، وعواصم العالم الإسلامي العربي الثلاث: دمشق، وبغداد، وصنعاء، بل وعواصم أخرى- تدمى وترعف، وتهمى وتنزف- تنكر منها وتعرف!

جئتنا يا رمضان، والبلاد التي تطلّ عليها، ويظهر بدرك فيها- في احتلال واختلال، بل هي مكلومة الجناب، ومهيضة الجناح، ومقطوعة الوريد، ومطعونة الخاصرة!
والعالم العربي والإسلامي.. ينظر إليها في تأرنح وتأرجح، وربما في تبجّح وتوقح!
وكأني بهم، بعد: (أكلت يوم أكل الثور الأبيض)!


رمضان ما أدري، ونورك غامر *** قلبي، فصبحي مشرق ومسائي

أأنال بعد مثالبي ومساوئي *** بك منهما بعد القنوط شفائي

وبأنني سأنال منك حمايتي *** ووقايتي من معضل الأرزاءِ

ما أنت إلا رحمة ومحبة *** للناس من ظلم قسا وعداءِ
(محمد حسن فقي)


نعلم يا رمضان، أنك كنت في قديم الزمان؛ زمن عز ومكنة، وفتح بلدانٍ وأمكنة.

كانت في أيامك؛ مواقع ساحقة، ومشاهد ماحقة للكافرين، ونحوهم من الأعداء، "والله يؤيد بنصره من يشاء".
وقد كان أولئك الأشاوس، وذياك القدامس.. هم من يتعرضون لنصر الله، ويعملون بأسبابه، بطاعة الله: "يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم" فعل وشرط، فلما حصل الفعل، كان الشرط، "وعد الله لا يخلف الله الميعاد".
هذا السبب الإيماني، وهو الأهم والأعم.

والسبب الآخر: السبب المادي، لدحر الأعادي، وهو: إعداد القوة، ولو كان على أحدهم اللقوة، "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم". ولا بد من اجتماع السببين، وإلا صرنا في الجبين، وبين جببين!

ولم يُعلم أن معركة أو وقعة في رمضان؛ هزم فيها المسلمون، بل كان النصر طليبهم، والفتح رحيبهم.
ففي أكثر من عشر وقعات، كان فيها النصر والثبات، وكسر الجمائم، ونزع العمائم، حتى ولى الأعداء مدبرين، ورجعوا متقهقرين!


ظهر يا رمضان، بدرك عليهم، وهم: متآزرون متجاورون، ومتكاتفون متعاونون، وقد عملوا، بقول الله تعالى: "وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم"، فاجتمعوا واعتصموا، وتآخوا ولم يختصموا؛ فنصرهم الله تعالى وانتصفوا وانتقموا.


واليوم يا رمضان، بدوت علينا، وبدرت إلينا.. ونحن في تشردم وتدمدم، وانفصام واحتدام، يأكل بعضنا بعضا ... يقتل بعضنا بعضا ... ويكيد بعضنا لبعض، ويُسْلم بعضنا إلى بعض!
ورسولنا عليه الصلاة والسلام، يقول: (المسلم أخو المسلم؛ لا يكذبه، ولا يخذله، ولا يسلمه، ولا يحقره)!
رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه.

البلاد تسلب، والمتاع ينهب، والرجال تسحب، والنساء تنتطف، والأطفال تختطف، والأديان تغيّر، والشرائع تعيّر، وإخواننا يستغيثون، فلا يغاثون، ويستعينون فلا يعانون!

ماذا حلّ بنا ... ما الذي دهانا ... ما أصابنا؟!
لم هذا الخنوع والخضوع والركوع؟

لا أدري، سوى أني أقول: إن قومي طال بهم الأمد، "فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم"، فركنوا إلى الدنيا، ونسوا الأخرى (وحب الدنيا؛ رأس كل خطيئة)!

وصدق الحبيب عليه الصلاة والسلام، حين قال: (إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وأخذتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلّط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى تراجعوا دينكم -أو حتى ترجعوا إلى دينكم-)!
رواه أحمد وأبو داوود عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

وها نحن أتينا وجئنا، على ما أخبر به نبينا، صلى الله عليه وسلم، الذي "ما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى".

هذا ما كان من الكلام الأرم، في العام المنصرم.. (١٤٤٠)
ولا زال الوضع الآن، ربما، أسوأ مما كان!


أما هذا العام (١٤٤١)؛ فالأمر في أوام وسوام، بل جاءنا رمضان، ونحن في مرضان!
المرض الأول: خاص ببلاد اليمن -أذهب الله عنها الحزن والشجن-؛ فقد جاء هذا الضيف، في بدو الصيف، ولا عجب من ذلك، ولا غرب، ولكن الأسى والقسى، أن بلادي الجريحة، لا زالت في حال غير مريحة!
فالأجواء حارة، والكهرباء قارة! هذا في أرض التهائم، وبلاد أولي العمائم!
ومواطن أخرى، نزل بهم من البلاء، ما أودى ببعضهم إلى البِلى، مع تهدم المنازل والبيوت، وتخرب المساكن والخبوت، حتى السيارات سحبت، والمركبات حبست!
فلا بلاغ إلا بالله الجبار الغفار.


والمرض الآخر: عام ببلاد العالَم؛ فقد أتاهم رمضان، وهم في وباء ومرضان.. أهلك المال، وقضى على العيال، وأودى بالصغار، وأردى الكبار!
حبس الناس في البيوت، حتى أصيب البعض بالوسواس والهموت، والمساجد خالية، والموارد فاغية، حتى الحرم المكتظ بالزحام، يشكو اليوم الهجر والصرام!
ولا بلاغ إلا بالله الغافر الغفار.


وأملنا العظيم الكبير، في ربنا الحكيم الخبير.. أن تنقشع الغمة، عن الأمة، وترفع الآثمة، وتدفع الجاثمة، وتستقر اليمن، وتزول عنها الفتن والإحن، ويذوب الشجن والحزن، وتحل الخيرات الكبيرة، على بلاد الإسلام الكثيرة، والله عند ظن العبيد، إذا أحسنوا الظن بالحميد المجيد، وأخلصوا له العبادة والتوحيد.


أطلتُ عليك ضيفي -الكريم العظيم الفخيم-، ولكن الحبيب يأنس بحبيبه، ويشكو لرحيبه!
فاعذرني على الإطالة، فلم أجدْ -سواك- من يسمع مني هذه الإطلالة؛ فلك شكوت، وإليك خطوت.

والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.


كتبه: من بك معنّا وإليك صابي: وليد بن عبده الوصابي.
١٤٣٧/٨/٢٧
١٤٤١/٩/٤

السبت، 25 أبريل 2020

تصبير وإصبار للحبيب ياسر أبي عمار!


تصبير وإصبار للحبيب ياسر أبي عمار!

سلام الله عليك ورحمته وبركاته..
أخي الحبيب: ياسر.. سمعت نبأ مصابك، وخبر منابك؛ فحزنت وشجنت، وجشبت وشجبت.. فأردت مواساتك بما أقدر، علّ في كلماتي تكميداً لغمك، وتضميداً لهمك.

أقول لك -يا ياسر.. أيها الصابر-: إن خير ما أواسيك به وأؤاسيك، هو: ما ذكره الله سبحانه في كتابه الكريم، ورسولنا عليه الصلاة وأتم التسليم..

قال الله تعالى: "الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون".

قال القرطبي: (قالوا: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، جعل الله تعالى هذه الكلمات.. ملجأ لذوي المصائب، وعصمة للممتحنين؛ لما جمعت من المعاني المباركة.

فإن قوله: "إنا لله" توحيد وإقرار بالعبودية والملك. وقوله: "وإنا إليه راجعون"، إقرار بالهلك، على أنفسنا والبعث من قبورنا، واليقين أن رجوع الأمر كله إليه، كما هو له.

قال سعيد بن جبير -رحمه الله تعالى-: لم تعط هذه الكلمات نبياً قبل نبينا، ولو عرفها يعقوب؛ لما قال: "يا أسفى على يوسف".


ثم ختم الله ذلك، بقوله تعالى: "أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون".

قال عمر رضي الله عنه: نعم العدلان، ونعم العلاوة.
أراد بالعدلين: الصلاة، والرحمة. وبالعلاوة: الاهتداء.


واسمع أخي الكريم، إلى هذه القصة المطمئنة للنفس، والمسكّنة للروح..
قال أبو سنان: دفنت ابني سناناً، وأبو طلحة الخولاني على شفير القبر، فلما أردت الخروج، أخذ بيدي فأنشطني، وقال: ألا أبشرك يا أبا سنان؟ حدثني الضحاك عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مات ولد العبد؛ قال الله لملائكته: أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: أقبضتم ثمرة فؤاده؟! فيقولون: نعم، فيقول: فماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة، وسموه "بيت الحمد").
رواه الترمذي وقال: حديث حسن.

يالله، ما أعظمها من بشرى، وما أجمله من وعد، "وعد الله لا يخلف الله الميعاد".

وعن فاطمة بنت الحسين عن أبيها قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أصيب بمصيبة، فذكر مصيبته، فأحدث استرجاعاً- وإن تقادم عهدها.. كتب الله له من الأجر مثله يوم أصيب).
رواه ابن ماجه.

وروى مسلم عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (ما من مسلم تصيبه مصيبة، فيقول -ما أمره الله عز وجل-: "إنا لله وإنا إليه راجعون" اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيراً منها.. إلا أخلف الله له خيراً منها).

قلت: فهذا فعل وشرط، فإذا تحقق الفعل؛ كان الشرط، وفق ما يريد سبحانه وتعالى، وذلك: إما أن يكون العوض، حقيقياً ملموساً، وإما أن يكون مدخراً إلى يوم القيامة، وإما أن يكون راحة بال، وحسن حال، وقد يجمع الله كل ذلك لمن شاء من عباده.


ومما يخفف الوطأة، ويعيد الفيأة.. تذكر مصيبتنا في موت النبي صلى الله عليه وسلم..
عن عطاء بن أبي رباح ومكحول، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أصاب أحدكم مصيبة؛ فليذكر مصابه بي، فإنها من أعظم المصائب).
رواه الدارمي والسمرقندي في مسنده.

ولقد أحسن أبو العتاهية في نظمه معنى هذا الحديث حيث يقول:

اصبر لكل مصيبة وتجلدِ *** واعلم بأن المرء غير مخلدِ

أوما ترى أن المصائب جمة *** وترى المنية للعباد بمرصدِ

من لم يصب ممن ترى بمصيبة *** هذا سبيل لست فيه بأوحدِ

فإذا ذكرت محمداً ومصابه *** فاذكر مصابك بالنبي محمدِ


وفي هذا القول من هذا الإمام تسلية عظيمة..
قال القاضي شريح -رحمه الله تعالى-: "إني لأصاب بالمصيبة، فأحمد الله تعالى عليها أربع مرات: إذ لم تكن أعظم مما هي، وإذ رزقني الصبر عليها، وإذ وفقني للاسترجاع لما أرجوه فيه من الثواب، وإذ لم يجعلها في ديني".

ويقول البستي:
كل الذنوب فإن الله يغفرها *** إن شيَّع المرء إخلاصُ وإيمانُ

وكل كسر فإن الله يجبُره *** وما لكسر قناة الدين جُبرانُ


ومما يعين على المصيبة ويخففها..
النظر إلى مصائب الغير، فإنك إذا نظرت إلى مصائب الآخرين.. واجد من هو أعظم منك مصاباً، وأشد ألماً، وأغزر دمعاً..

وخذ مثلاً: ذاك الرجل الذي أجد مصابه، يشبه مصابك، إلا أنه أشد إصابة، ومصابه أعظم!
فقد كان عنده المال والولد، وفي ليلة ليلاء، غدا عليهم سيل عارم، فأخذ كل ما عنده من ولد ومتاع ومال وزوجة!
ولما أصبح؛ رأى صبيه، وجمله.. فهرع نحو ابنه، فسبقه إليه الذئب!
وأسرع إلى دابته، فركلته في وجهه، فذهبت بعينيه، وشوهت وجهه!
هذا في الماضي.


وفي أيامنا هذه، وقبل سنيهات قليلة.. رجل اسمه عبد الحميد، كان في رحلة أو نزهة أو حاجة مع أولاده، فجرى لهم حادث أليم، مات كل أهله وأولاده، ولم يبقى إلا هو مع كسور ورضوض!
وأذكر، أني حينها، كتبت له، تسلية وتعزية.


وأخيراً.. يا حبيبي ياسر: نحن ضيوف في هذه الحياة النكدة التعسة القصرة، ولا بد لنا من العودة إلى مستقرنا، الجنة -إن شاء الله-، ولكن منا المستقدم، ومنا المستأخر، "وإن الدار الآخرة لهي الحيوان".
فاللقاء والأنس واللذة هناك -بإذن الله سبحانه وتعالى-.

ويا صاحبي.. كلما جاشت نفسك، أو حزن قلبك، أو كرب صدرك.. تذكر، أن الله سبحانه وتعالى: حكيم عليم رحيم، ولا يقدر لعبده المؤمن إلا الخير المحض، ولكن عقولنا تقصر عن إدراك حكمة الله سبحانه وتعالى، فسلِّم لخالقك أمرك، وهدئ روعك، وفرح نفسك، وعلِّل روحك، ولا تذكر تفاصيل الحادثة، ولكن، اجعلها على ربك الرحمن الرحيم.. يسلو خاطرك، وتأنس نفسك، ويرتاح قلبك.

حبيبنا: أطلت عليك، وربما أمللت، ولكني أردت -والله-؛ التخفيف عنك، والتسلية لك، والتسرية عليك..
ربط الله على قلبك، وشرح صدرك، وآنس نفسك، وأبهج روحك، وعوضك كل خير.
ورحم الله أحبابك وأكبادك ومهجك وبهجك، وأنزل على قبورهم الضياء والنور، والفسحة والسرور.

وسلام الله عليك.


محبك: أبو نعيم وليد الوصابي.
١٤٤١/٩/٣



الخميس، 23 أبريل 2020

قول: "رمضان كريم" من التهاني، وليست من المناهي!

قول: "رمضان كريم" من التهاني، وليست من المناهي!

يهنئ الناس بعضهم بعضاً، بشهر رمضان، بشتى الكلمات، وجم العبارات، وكلهم ينشد الفرحة، ويقصد السرور، وأكثر ما نسمعه ونراه، هو من هذا القبيل الذي لا يخرج عن المشروع والإباحة، ومن تلك التهاني والدعوات: رمضان كريم!

فإنهم يقصدون بها: إنشاء الدعاء للمقول له، كأنهم يقولون: جعل الله هذا الشهر، شهر كرم وكرامة.

أو أنهم يريدون: أن رمضان موطن الخير والكرم، لا أنه معطي بذاته الكرم!

وهو استعمال شائع في العربية، ناهيك عن وروده في القرآن الكريم، قال الله تعالى: "إنه لقرآن كريم"، وقال تعالى: "إني ألقي إلي كتاب كريم"، وقال تعالى: "إن هذا إلا ملك كريم"، ونحوها من الآيات في هذه البابة.

وهذا من باب نسبة الشيء إلى سببه، لا مُسبِّبه، ولا يفهم العربي من عبارة "رمضان كريم".. أنه يعطي الكرم بنفسه، وإنما الكرم كائن فيه، والمجاز: أسلوب شائع في لغة العرب!


وقد استدل بعض المُشنِّعين المُشغِّبين، بفتوى للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين، وقد فهموها، على غير مراد الشيخ، وحملوها من النهي، ما لم يحمله الشيخ!

والبيان: إن فتوى الشيخ، كانت متجهة حول أمر كبار، وعمل فجار، وهو -على ما جاء في نص السؤال-: "حينما يقع الصائم في معصية من المعاصي، ويُنهى عنها، يقول: "رمضان كريم!
فما حكم هذه الكلمة‏؟‏ وما حكم هذا التصرف‏؟‏

هنا، غضب الشيخ -ومن لا يغضب لهذا الفهم الأعوج، بل العوج الأبلج، والترخص الأعرج-!

فكان من جواب الشيخ: "حكم ذلك، أن هذه الكلمة "رمضان كريم"؛ غير صحيحة، وإنما يقال: "رمضان مبارك" وما أشبه ذلك؛ لأن رمضان ليس هو الذي يعطي حتى يكون كريماً، وإنما الله تعالى هو الذي وضع فيه الفضل، وجعله شهراً فاضلاً، ووقتاً لأداء ركن من أركان الإسلام.
وكأن هذا القائل: يظن أنه لشرف الزمان، يجوز فيه فعل المعاصي، وهذا خلاف ما قاله أهل العلم: بأن السيئات تعظم في الزمان والمكان الفاضل، عكس ما يتصوره هذا القائل.
وقالوا‏:‏ يجب على الإنسان، أن يتقي الله عز وجل، في كل وقت، وفي كل مكان، لا سيما في الأوقات الفاضلة، والأماكن الفاضلة، وقد قال الله عز وجل‏:‏ ‏"يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون".
فالحكمة من فرض الصوم؛ تقوى الله عز وجل- بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال‏:‏ ‏(من لم يدع قول الزور، والعمل به، والجهل.. فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه‏)، فالصيام عبادة لله، وتربية للنفس، وصيانة لها عن محارم الله، وليس كما قال هذا الجاهل‏:‏ إن هذا الشهر لشرفه وبركته.. يسوغ فيه فعل المعاصي‏"!
(مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين: ٢٠/ رقم السؤال: ٢٥٤)

فواضح هذا البيان، لكل إنسان؛ أن الشيخ أراد التغليظ على السائل، في اتخاذه رمضان، شهر عصيان؛ لأنه يعطي الكرم بنفسه -على ترخصه المهين-!

ولم يرد الشيخ؛ المنع من قول هذه الكلمة إطلاقاً.
وهذا معلوم في قواعد الفقه: أن المباح قد يمنع من باب سد الذرائع، وهذا ما فعله الشيخ في جوابه الرصين.

ودليلي على ذلك: أن الشيخ، قد استعمل هذا اللفظ "رمضان كريم" كثيراً، في كتبه وفتاويه، ومن ذلك:
(الضياء اللامع: ٢/ ١٦٥) وفي (٤/ ٤٥٧)
وفي (جلسات رمضانية، عام ١٤١٠)
وفي (مجموع فتاوه: ٢٠/ ١٩١)


وممن استعملها من المعاصرين:
-الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي، كما في (الخطب المنبرية: ٢٦)
-والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، كما في (فتاواه ورسائله: ٤/ ٢٠٧)
-والشيخ عبد الرحمن المعلمي، كما في (آثاره: ٢٢/ ٨٠)
-والشيخ عبد العزيز ابن باز، كما في (فتاوى نور على الدرب: ١٦/ ٨) فقد كررها مرتين في صفحة واحدة.


وممن استعملها من المتقدمين:
-لسان الدين ابن الخطيب، كما في (الإحاطة: ٢/ ٢٣٤)
-والمقري، كما في (نفح الطيب: ٧/ ٤٣٩)
-وابن الجوزي، كما في (بستان الواعظين: ٢٣٣)


وأخيراً، أقول: لا شك، أن التقيد، باللفظ النبوي، في كل موطن أو مناسبة، ومن ذلك، قول: "شهر مبارك"؛ أولى وأجلى، ولكنا هنا، نتحدث عن جواز وحرمة.
وكل لفظ يؤدى به التهنئة، ولا يحمل محرماً؛ فالتهنئة به جائزة.


هذا غيض من فيض، ولولا ما حصل من تعنت البعض -هداهم الله- في التضييق على الناس، وتحريم ما أحل الله تعالى من الأقوال والأفعال- لولا ذلك؛ لما أطنبت وأسهبت، وأرجو أن لا أعدم خيراً وأجرا، "وعلى الله قصد السبيل".


وكتب: وليد بن عبده الوصابي.
١٤٤١/٩/١
رمضان الكريم، جعله الله شهر تأييد وتكريم.

الفرحة الرمضانية.. واجبة شرعية

الفرحة الرمضانية.. واجبة شرعية

رمضان: كلمة بهيجة، ولفظة مهيجة، تحبّها نفوس المؤمنين، وتأنسها قلوب المتقين، وترتاحها صدور الصالحين؛ لأن رمضان خير الشهور وأفضلها وأحسنها، وفيه من الفضائل والمزايا، والقرب من رب البرايا، ما يجعل المؤمن يزداد إيماناً: "فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون".
وهذا دليل على أصل الفرح والسرور، بمواسم الطاعة والخيور.

وإن الفرح بمواسم الطاعات والعبادات، والحزن على فواتها وفراقها؛ شأن معلوم، وحال مرسوم، لا يحتاج إلى إقامة الدلائل والبينات، ولا يكاد يختلف مسلم في تيك الميزات.

ومن لم يفرح بدخول رمضان وصيامه وقيامه، وتلاوة القرآن، والاستغفار بالأسحار؛ فليراجع نفسه، وليتفقد إيمانه، فإنه في خلل وخبل وخطل؛ لأن عدم الفرح بمواسم الطاعات والعبادات؛ يلزم منه كراهيتها، وحب أضدادها، وهذا دخل ودغل في النفوس -عافانا الله أجمعين-، "ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم".

وإن الفرح بالطاعة، والحزن على السيئة؛ دليل على إيمان المرء؛ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سرّته حسنته، وساءته سيئته؛ فهو المؤمن).
رواه أحمد، وصححه محققو (المسند: ١٤٤)

فالحذر من بغض هذه المواسم، أو الشعور بالخيبة، أو التنغص بها، أو الكراهة لها، أو التذمر منها، ولو في النفس والإسرار، ومن دون إعلان وإظهار؛ فإنها دسيسة يخشى على صاحبها من النكيسة، والحياة التعيسة -نسأل الله الثبات-.

وأنبّه، إلى أن البعض يفرح بمواسم الطاعات ليس لذاتها، وإنما لما فيها من قضاء مصالحه، وإنجاح مآربه،
فبعضهم: لبيع تجارته وربحها.
وبعضهم: لما فيه من زيادة المطعومات والمشروبات.
وبعضهم: لقضاء الحوائج.
وبعضهم: لما يروج فيها من المسابقات والجوائز.
وبعضهم: لما يكون فيها من الاجتماعات واللقاءات، والسهرات والسمرات.

وهكذا، كل يفرح بما يناسبه ويشاكله، وينسى المقصد الأعظم والأرشد، وهو الفرح لذات العبادة؛ لأن الله افترضها ووقّتها بهذا الوقت، فنفرح رمضان؛ للصلاة، والصيام، والقيام، وقراءة القرآن، والصدقات، والنفقات ونحوها من أنحاء البر والتقى.

قال تعالى: "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون".
"قل بفضل الله" يعني: القرآن الذي أكرموا به "وبرحمته" يعني: الإسلام، "فبذلك" أي: فبمجيئهما "فليفرحوا" أي: لا بالأمور الفانية القليلة المقدار، الدنيئة القدر والوقع، "هو خير مما يجمعون" أي: من الأموال وأسباب الشهوات؛ إذ لا ينتفع بجميعهما ولا يدوم، ويفوت به اللذات الباقية، بحيث يحال بينهم وبين ما يشتهون، والفاء داخلة في جواب شرط مقدر، كأنه قيل: إن فرحوا بشيء؛ فبهما فليفرحوا".
(تفسير القاسمي: ٩/ ٤٦)

وعن أيفع الكلاعي رضي الله عنه قال: لما قدم خراج العراق إلى عمر رضي الله عنه، خرج عمر رضي الله عنه، ومولى له، فجعل يعدّ الإبل، فإذا هو أكثر من ذلك، فجعل عمر رضي الله عنه يقول: الحمد لله، وجعل مولاه يقول: هذا والله من فضل الله ورحمته، فقال عمر رضي الله عنه: كذبت، ليس هذا، هو الذي يقول: "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون" وهذا مما تجمعون".
(تفسير ابن أبي حاتم: ٦/ ١٩٦٠).

فبيّن -رضي الله عنه- أن جمع الأموال، ليس مما يفرح به، بل هو مما استثنى الله من الفرح، بقوله: "هو خير مما يجمعون" وهذا من ورع الفاروق العظيم وزهده.

وقال تعالى: "ألا بذكر الله تطمئن القلوب"، ولا يكون اطمئنان القلوب إلا من فرح وسرور، ونيل مطلوب، ونجاة من مرهوب.

وقال تعالى: "فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم" فهؤلاء فرحوا بما رزقهم الله من الطاعة واليقين.

وأنت أيها الفرِح بطاعة الله، لا شك أنك تعيش هذا الفرح في طاعة ربك؛ لأن الفرح بالطاعة وحبها من لوازمه: العمل بها، وإلا كان التناقض.

تعصي الإله وأنت تزعم حبه *** هذا لعمري في القياس بديعُ

لو كان حبك صادقاً لأطعته *** إن المحب لمن يحب مطيعُ

وأبشر بوعدِ الله لك أيها الفرح والطائع، قال الله: "أفمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه" يصدقها، قوله تعالى: "يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك قدحاً فملاقيه".

وأبشر بملازمة السرور لك، وأنت في الجنان، قال تعالى: "فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً وينقلب إلى أهله مسرورا". فهنيئاً لك هذا السرور: الدنيوي والأخروي.

والفرِح بالطاعة؛ تجده مسروراً مرتاحاً منشرحاً منبسطاً، هاشّاً باشّاً، يحب الصالحين ويحبهم، ويثني عليهم، ويثنون عليه، ولذلك: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه؟ قال: تلك عاجل بشرى المؤمن) رواه مسلم عن أبي ذر الغفاري.
وفي رواية: (ويحبه الناس عليه).

قال النووي في (شرح مسلم: ١٦/ ١٨٩): "قال العلماء: معناه: هذه البشرى المُعَجَّلة له بالخير، وهي دليل على رضاء الله تعالى عنه ومحبته له، فيُحَبِّبه إلى الخلْق ...، ثم يوضع له القَبول في الأرض...".

ولا شك أن من كان هذا حاله؛ عاش حياة هنيئة مريئة، ولو كان فقيراً مُعدما.

وقال ابن الجوزي، في: (كشف المشكل من حديث الصحيحين: ١/ ٣٧١): "والمعنى أن الله تعالى إذا تقبل العمل؛ أوقع في القلوب قبول العامل ومدحه، فيكون ما أوقع في القلوب مبشراً بالقبول، كما أنه إذا أحب عبداً حببه إلى خلقه، وهم شهداء الله في الأرض".


وهكذا كان السلف الصالح، يشعرون بالفرحة، ويحسون النعيم من أثر العبادة:
"فما في الطاعة من اللذة والسرور والابتهاج والطمأنينة وقرة العين.. أمر ثابت بالنصوص المستفيضة، وهو مشهود محسوس يدركه بالذوق والوجد من حصل له، ولا يمكن التعبير بالكلام عن حقيقته، والآثار عن السلف والمشايخ العارفين في هذا الباب كثيرة موجودة.
حتى كان بعض السلف يقول: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف.
وقال آخر: لو علموا ما نحن فيه لقتلونا ودخلوا فيه.
وقال أبو سليمان: أهل الليل في ليلهم، ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا.
وقال: إنه ليمر على القلب أوقات، يضحك فيها ضحكا.
وقال ابن المبارك وغيره: مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها، ولم يذوقوا أطيب ما فيها، قيل: ما أطيب ما فيها؟ قال: معرفة الله.
وقال آخر: أوجدني الله قلباً طيباً حتى قلت: إن كان أهل الجنة في مثل هذا، فإنهم في عيش طيب.
وقال مالك بن دينار: ما تنعم المتنعمون بمثل ذكر الله.
وهذا باب واسع جدا".
ينظر: (تفسير ابن رجب: ٢/ ١٣٤)

أرأيت إلى هذا النعيم المعجّل لهؤلاء الفرِحين بطاعة ربهم، والعاملين بها -رباه ارزقناه-.

وقد جاء موضَحاً في حديث صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجباً لأمر المؤمن؛ إن أمره كله له خير؛ إن أصابه سرّاء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضرّاء صبر، فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن). رواه مسلم.

وقال أبو الوفاء ابن عقيل: "الإعجاب ليس بالفرح، والفرح لا يقدح في الطاعات؛ لأنها مَسَرّة النفس بطاعة الرب عز وجل، ومثل ذلك مما سَرّ العقلاء، وأبهج الفضلاء، وإنما الإعجاب، استكثار ما يأتي به من طاعة الله عز وجل، ورؤية النفس بعين الافتخار.
وعلامة ذلك: اقتضاء الله عز وجل بما أتى الأولياء، وانتظار الكرامة، وإجابة الدعوة".
نقله عنه المفلح ابن مفلح، في (الآداب الشرعية: ١/ ١٣٢)

ورمضان خير ما يُفرح به ويؤنس، وينشرح له ويقبس؛ لما فيه من خصال البر والتقوى، ولا يعرف ذلك إلا المؤمن صادق الإيمان، وقد جاء منوهاً ومصرحاً.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أظلكم شهركم هذا، بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما مرّ بالمؤمنين شهر خير لهم منه، ولا بالمنافقين شهر شر لهم منه.
بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن الله ليكتب أجره ونوافله من قبل أن يدخله، ويكتب إصره وشقاءه من قبل أن يدخله؛ وذاك لأن المؤمن يعدّ فيه القوة من النفقة للعبادة، ويعدّ فيه المنافق اتباع غفلات المؤمنين، واتباع عوراتهم، فهو غنم للمؤمن، يغتنمه الفاجر).
وفي رواية البيهقي: (فهو غنم للمؤمن، ونقمة للفاجر).
أخرجه أحمد، في (مسند أحمد، رقم: ٨٨٧٠) وابن أبي الدنيا، في (فضائل رمضان: ٤١) البيهقي في (فضائل الأوقات، رقم: ٥٤)، والطبراني في (الأوسط)، وابن خزيمة، وسكت عنه المنذري، وفي (نضرة النعيم: ١١/ ٥٢٤٧) "وقال الشيخ أحمد شاكر (١٦/ ١٥٨): إسناده صحيح" ولم أجده، فالله أعلم.

وجاء عن  أبي مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذات يوم وأهّل رمضان، فقال: (لو يعلم العباد ما في رمضان لتمنَّت أمتي أن تكون السنة كلها رمضان).
قال ابن حجر، في (المطالب العالية: ٦/ ٤٢): "أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، وقال: إن صح الخبر فإن في القلب من جرير بن أيوب.
وكأنه تساهل فيه. لكونه من الرغائب".


بل قد جاء التصريح، بالفرح في رمضان، على لسان النبي صلى الله عليه وسلم: "للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه". رواه البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

قال ابن رجب: "أما فرحة الصائم عند فطره؛ فإن النفوس مجبولة على الميل إلى ما يلائمها من مطعم ومشرب ومنكح، فإذا امتنعت من ذلك في وقت من الأوقات، ثم أبيح لها في وقت آخر؛ فرحتْ بإباحة ما منعت منه؛ خصوصاً عند اشتداد الحاجة إليه، فإن النفوس تفرح بذلك طبعاً، فإن كان ذلك محبوباً شرعاً، والصائم عند فطره كذلك، فكما أن الله تعالى حرم على الصائم في نهار الصيام- تناول هذه الشهوات؛ فقد أذن له فيها في ليل الصيام، بل أحب منه المبادرة إلى تناولها من أول الليل وآخره، فأحب عباد الله إليه؛ أعجلهم فطراً، والله وملائكته يصلون على المتسحرين، فالصائم ترم شهواته في النهار؛ تقرباً إلى الله وطاعة له، وبادر إليها بالليل؛ تقرباً إلى الله وطاعة له، فما تركها إلا بأمر ربه، ولا عاد إليها إلا بأمر ربه، فهو مطيع في الحالين؛ ولهذا نهي عن الوصال، فإذا بادر الصائم إلى الفطر تقرباً إلى مولاه، وأكل وشرب وحمد الله؛ فإنه ترجى له المغفرة، أو بلوغ الرضوان بذلك".
(لطائف المعارف: ١٥٦)

وقال -رحمه الله-: "وإن نوى بأكله وشرابه؛ تقوية بدنه على القيام والصيام؛ كان مثاباً على ذلك، كما أنه إذا نوى بنومه في الليل والنهار؛ التقوِّي على العمل؛ كان نومه عبادة.
ومن فهم هذا الذي أشرنا إليه؛ لم يتوقف في معنى فرحه عند فطره، فإن فطره على الوجه المشار إليه؛ من فضل الله ورحمته، فيدخل في قوله تعالى: "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون".
(لطائف المعارف: ١٥٧)

وقال -رحمه الله-: "وأما فرحه عند لقاء ربه؛ ففيما يجده عند الله من ثواب الصيام مدخراً؛ فيجده أحوج ما كان إليه، كما قال تعالى: "وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجرا"، وقال تعالى: "يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا"، وقال تعالى: "فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره".
(لطائف المعارف: ١٥٧)

ولا تخفى قصة ذلكم الصحابي الذي توفي بعد صاحبه بسنة، ففضل على صاحبه؛ لأنه فعل خيرات، ومنها: أنه صام رمضان؛ فهذا مما يدعو المؤمن للفرح، واغتنام مواسم الطاعات.

قال ابن رجب: "بلوغ شهر رمضان وصيامه؛ نعمة عظيمة على من أقدره الله عليه، ويدل عليه حديث الثلاثة الذين استشهد اثنان منهم، ثم مات الثالث على فراشه بعدهما، فرؤي في المنام سابقاً لهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أليس بعدهما كذا وكذا صلاة، وأدرك رمضان فصامه، فو الذي نفسي بيده، إن بينهما لأبعد مما بين السماء والأرض"، أخرجه أحمد وغيره.
من رُحِم في شهر رمضان؛ فهو المرحوم، ومن حُرم؛ فهو المحروم، ومن لم يتزود فيه لمعاده؛ فهو ملوم).
(لطائف المعارف: ١٤٨).


وحريٌ بالعاقل- الذي يسمع هذا الفضل العظيم، ويفرح بهذا الفضل العميم؛ أن يُفرح إخوانه وخلانه؛ بتفقدهم، والسؤال عن أحوالهم، ومواساتهم، والتخفيف عنهم بما يستطيع، ولا يكون أنانياً كزاً، جلفاً غليظاً، صلداً صلباً؛ فإن فرحه من فرحهم، وحزنه من حزنهم؛ لأن هذا شأن المؤمنين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم، كمثل الجسد، إذا اشتكى عضو، تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى) رواه البخاري ومسلم، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه.


هذا ما أقدرني الله عليه -وله الحمد والمنة-، وأسأل الله التوفيق والرشاد، والهداية والسداد، وعلى الله الكريم اعتمادي، وإليه تفويض أمري واستنادي.
وأسأله تعالى أن يرزقني الإخلاص والمتابعة في جميع الأقوال والأفعال والأحوال.

والله أعلم، وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم.

كتبه: وليد بن عبده الوصابي.
كتبته: ١٤٣٧/٩/١
وراجعته: ١٤٣٩/٨/٣٠
وراجعته: ١٤٤٠/٩/٣
وراجعته: ١٤٤١/٨/٢٩

ماذا يقول الإنسان عند دخول رمضان؟

ماذا يقول الإنسان عند دخول رمضان؟


اعتاد بعض الناس؛ أن يخصّوا شهر رمضان بشيء من خصائص الأدعية أو الأذكار؛ تعظيماً وتمييزاً له، عن غيره من شهور العام.

وبعض ذلك: مما ورد في الشرع الحنيف، والبعض الآخر: مما لم يرد في آية أو حديث.

وأنا ذاكر لك، بعض ما وقفت عليه من الأحاديث المرفوعة، والآثار الموقوفة أو المقطوعة، وفيها الصحيح والضعيف؛ وذلك لأن هذا من باب الفضائل، وهو مندرج تحت أصل ثابت، ثم إنها بمجموعها، تعتضد وتعتمد.


وقد جاءت روايات كثيرة، هاك بعض ما وقفت عليه:
عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان إذا رأى الهلال قال: (اللهم أهلّه علينا باليمن والإيمان، والسلامة والإسلام ربي وربك الله).
رواه الترمذي، برقم: (٣٤٥١)، وصححه الألباني في (صحيح سنن الترمذي) وينظر: (سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم: ١٨١٦)

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا رأى الهلال قال: (الله أكبر، اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب ربنا وترضى، ربنا وربك الله).
رواه الدارمي: ١/ ٣٢٦)، وصححه الألباني في (صحيح الكلم الطيب: ٩٠)، وينظر: (سلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم: ١٨١٦)

وعن أبي حرملة قال: (خرجت مع سعيد بن المسيب، وهو آخذ بيدي، فرفعت رأسي؛ فإذا أنا بالهلال، فقلت: الهلال يا أبا محمد؟ فرفع رأسه، فقال: آمنت بالذي خلقك فسواك فعدلك، ثم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول هذا).
رواه أبو داوود في (المراسيل، رقم: ٢٦)

وعن سعيد بن المسيب، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم، إذا رأى الهلال قال: (آمنت بالذي خلقك فسواك فعدلك).
رواه معمر، في (الجامع: ٢٠٣٣٩) وعبد الرزاق، في (المصنف: ٧٣٥١).

وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعلمنا هؤلاء الكلمات، إذا جاء رمضان: (اللهم سلِّمني لرمضان، وسلِّم رمضان لي، وسلِّمه لي متقبلا).
رواه الطبراني، في (الدعاء: ٩١٢) والديلمي، وسنده حسن.
ينظر: (كنز العمال، رقم: ٢٤٢٧٧)

وجاء عن يحيى بن أبي كثير، أنه كان يدعو حضرة شهر رمضان: (اللهم سلِّمني لرمضان، وسلِّم لي رمضان، وتسلَّمه مني متقبلا).
رواه أبو نعيم، في (حلية الأولياء: ٣/ ٦٩)

وجاء عن مكحول، أنه كان يقول إذا دخل رمضان: (اللهم سلِّمني لرمضان، وسلِّم رمضان لي، وتسلَّمه مني متقبلا). رواه الطبراني، في (الدعاء: ٩١٣)

وجاء عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذا استهلَّ شهر رمضان؛ استقبله بوجهه، ثم يقول: (اللهم أهلَّه علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والعافية المجللة، ودفاع الأسقام، والعون على الصلاة، والصيام، وتلاوة القرآن، اللهم سلِّمنا لرمضان، وسلِّمه لنا، وسلِّمه منا، حتى ينقضي وقد غفرت لنا، ورحمتنا، وعفوت عنا).
رواه ابن أبي الدنيا، في (فضائل رمضان: ٤٦) وابن عساكر، في (تاريخ دمشق: ٥١/ ١٨٦)

وجاء عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: (كان المسلمون يدعون عند حضرة شهر رمضان: اللهم أظلَّ شهر رمضان وحضر؛ فسلِّمه لي، وسلِّمني فيه، وتسلَّمه مني، اللهم ارزقني صيامه وقيامه صبراً واحتساباً، وارزقني فيه الجد والاجتهاد والقوة والنشاط، وأعذني فيه من السآمة والفترة والكسل والنعاس، ووفقني فيه لليلة القدر، واجعلها خيراً لي من ألف شهر).
رواه الطبراني في (الدعاء، رقم: ٩١٤)

وعن أبي عقيل عن جده عبد الله بن هشام رضي الله عنه قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتعلمون هذا الدعاء، كما يتعلمون القرآن، إذا دخل الشهر أو السنة: (اللهم أدخله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، وجوار من الشيطان، ورضوان من الرحمن).
ينظر: (معجم الصحابة: ٣/ ٥٤٣) للبغوي، و(الترغيب والترهيب: ٢/ ١٢٨) لقوام السنة.

وصححه الحافظ ابن حجر، في (الإصابة: ٤/ ٢١٨) في ترجمة عبد الله بن هشام، قال بعد ذكره الحديث: "وهذا موقوف على شرط الصحيح".

قلت: وهذا إن كان موقوفاً، إلا أنه في حكم المرفوع؛ لفعل الصحابة له، أو أكثرهم، وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم لهم، ولم ينكر عليهم.

وعن قتادة، أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان إذا رأى الهلال؛ كبر ثلاثاً، ثم هلل كثيراً، ثم قال: هلال خير ورشد ثلاثاً، ثم قال: آمنت بالذي خلقك ثلاثاً، ثم يقول: الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا وكذا، وجاء بشهر كذا وكذا).
رواه عبد الرزاق، في (الجامع: ٢٠٣٣٨)

وجاء عن قتادة، بلفظ: أنه بلغه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إذا رأى الهلال، قال: (هلال خير ورشد، آمنت بالذي خلقك، ثلاث مرات، ثم يقول: الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا، وجاء بشهر كذا)
رواه أبو داوود، رقم: ٥٠٩٢) و (المراسيل، رقم: ٥٢٧) وقال: روي متصلاً، ولا يصح.
وضعفه الألباني، في (ضعيف أبو داوود: ٥٠٩٢)

وقال محققو سنن أبي داوود: "حديث حسن لغيره، وهذا إسناد رجاله ثقات لكنه مرسل. وهو عند المصنف في (المراسيل: ٥٢٧).
وأخرجه عبد الرزاق (٧٣٥٣)، ومن طريقه أخرجه البغوي في (شرح السنة: ١٣٣٦) عن معمر قال: عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان إذا رأى الهلال، كبر ثلاثاً، ثم قال: هلال خير ورشد، ثلاثاً، ثم قال: آمنت بالذي خلقك، ثلاثاً، ثم يقول: الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا وكذا، وجاء بشهر كذا وكذا.
وله شاهد من حديث رافع بن خديج عند الطبراني برقم (٤٤٠٩) قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا رأى الهلال قال: (هلال خير ورشد، اللهم إني أسألك من خير هذا الشهر وخير القدر، وأعوذ بك من شره) ثلاث مرات. وإسناده ضعيف.
وعن عبادة بن الصامت عند أحمد (٢٢٧٩١) وسنده ضعيف.
وفي الباب عن طلحة بن عبيد الله عند أحمد (١٣٩٧)، والترمذي (٣٧٥٣)، والدارمي (١٦٨٨). وقال الترمذي: حديث حسن غريب. ولفظه: كان إذا رأى الهلال قال: (اللهم أهله علينا باليمن والإيمان، والسلامة والإسلام- ربي وربك الله)
وله شاهد يصح به من حديث ابن عمر عند ابن حبان (٨٨٨)، والدارمي (١٦٨٧).
ينظر: (سنن أبي داوود: ٧/ ٤٢٣)


وقال محمد بن نصر المروزي: "قال الجريري: (كانوا إذا حضر شهر رمضان؛ يقولون: اللهم سلِّمنا لرمضان، وسلِّم رمضان لنا، وسلِّم منا شهر رمضان، وتقبله منا)".
(مختصر قيام الليل وقيام رمضان وكتاب الوتر: ٢٣٥).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -بعد ذكره مجموعة أحاديث في الموضوع-: "فإذا جمع بين هذا كله؛ كبر ثلاثاً، ثم هلل ثلاثاً، ثم قال: هلال خير ورشد، ثلاثاً، ثم قال: آمنت بالذي خلقك فسواك فعدلك، ثلاثاً، ثم قال: الحمد لله الذي جاء بشهر كذا، وذهب بشهر كذا، اللهم أهله علينا باليمن والإيمان، والسلامة والإسلام).
(شرح العمدة: ٣/ ١٧)

قلت: وإن زاد في جمعه: (اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب ربنا وترضى، ربنا وربك الله.
اللهم سلِّمنا لرمضان، وسلِّم رمضان لنا، وسلِّم منا شهر رمضان، وتقبله منا.
اللهم أدخله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، وجوارٍ من الشيطان، ورضوانٍ من الرحمن)

والله تعالى أعلى وأعلم، وأولى وأكرم، وأعز وأحكم.


أبو نعيم،
وليد بن عبده الوصابي.
١٤٣٧/٩/١
١٤٤١/٨/٢٩