الأحد، 31 مايو 2020

شهران في الحجْر!

شهران في الحجْر!

قضى الله وقدّر، وله سبحانه وتعالى، الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، التي تعجز عن إدراك كنهها، عقول البشر، أو تطالها أفكارهم!

قضى ربي سبحانه وتعالى.. أن أغادر بلدي الحبيب الحسيب التعيب النهيب السليب، لبلاد كريمة، أفاء الله عليها من خيراته، وأفاض إليها من بركاته، إنها مهبط الرسالة، ومحط الإيالة، إنها مكة المكرمة..

بدَت لي أعلام بيت الهدى ***
بمكة والنور بادٍ عليهِ

فأحرمت شوقاً له بالهوى *** وأهديت قلبي هدياً إليهِ


وطئت أرضها الوثيرة، وأممت نحو حرمها وكعبتها، وسرحت طرفي بين تيك المشاهد الفخيمة التي تذكر بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه الكرام رضي الله عنهم جميعاً.
ولكن، الفرحة لم تكتمل؛ لأن الحجر، كان قد بدأ يطل برأسه من شرفة عالية، فلم أتمكن من الاقتراب المعتاد!
ولكن: (وعن البحر، اجتزاء بالوشل)! 

يا كعبة الحسن الممنع، لا يكن *** بيني وبينك للجفاء حجازُ

حاشا لها من قامة ألفية *** يثني لقاها كاشح همَّازُ


أقمت في مكة، والأخبار المشؤومة تتقاذف الصحف، وتتبدى على صفحات التواصل -وما أقل خيره وأنزره؛ إذ أن الشؤم، عليه يغلب، والهذر، فيه يسف، والوقح، إليه يحن، وغيرها من تيك القواذف والشقاذف!

وبعد أيام، زرت بعض أقاربي الكرام، وبينا أنا أتهيأ للانصراف، -وكان الوقت بعد صلاة الظهر، في العاشر من شعبان تقريباً-؛ إذ بي أفجأ، بإعلان الحجر المنزلي العام، على سكان مكة المكرمة؛ فأسقط في يدي، ولم أحر كلاماً، أو أسطع مقاما!

ولكن، القوم الأقرباء، كانوا من ذوي النبل الظاهر، والشهامة النادرة؛ فجعلوني واحداً من أفرادهم، بل كالكبير فيهم، والإمام لهم، والمتحدث إليهم! جزاهم الله خيراً؛ كفاء صنيعهم، وجميل صنعتهم:

إن الكرام، وإن ضاقت معيشتهم *** دامت فضيلتهم، والأصل غلّابُ

ولا زلت على حالي تلك الحبيسة، التي لم أخرج فيها من محيطي الصغير، وكوخي الأثير.. والنفي هنا، على الحقيقة الحاقة، بكل ما تفهم من كلمة "لم أخرج" بل لم أخطو حتى خطوة واحدة من باب بيتي (المجازي)، ناهيك عن الحوم والعوم في الشوارع والطرق!

وكنت -والحمد لله- دائماً، في فأل وأمل، وحسن ظن وعمل، وأواسي من لاذ بي، ومن هاتفني أو واصلني:

توقّع صنع ربك سوف يأتي *** بما تهواه من فرج قريبِ

ولا تيأس إِذا ما ناب خطب *** فكم في الغيب من عجب عجيبِ


لم تكن هذه المدة الممتدة، مؤلمة لي، أو مبرحة بي؛ لأن خروجي من البيت، في الأصل والعادة؛ لم يكن كثيراً، بل كان نزراً لماما؛ لحاجة الإنسان، -والحمد لله-، وإن كنت حرمت -في الحجر- من أمور وخيور، ولكن، "وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيرا"، وقد جعل ذلك، سبحانه وتعالى. 

الله عودك الجميل *** فقس على ما قد مضى! 


وتذكرت، كم هي نعمة العافية والحركة، وغيرها من نِعم تعدّ ولا تحصى..
فكم من مقعد في بيته منذ شهور، بل سنوات! نعم -والله- سنوات، وهم في حالهم يفرحون ويبتهجون، وبقضاء الله راضون، فـ (ما شاء الله، كان، وما لم يشأ، لم يكن، وما أخطأك، لم يكن ليصيبك، وما أصابك، لم يكن ليخطئك)!
تذكرت، كم نحن، في تفريط ونسيان، لكثير النعم وجليلها، "بل هم عنها عمون"!

وحينها، تذكرت، اختباء العلامة طاهر الجزائري، مائة يوم ونيف، في بيته؛ خوفاً من بطش الجبارين، وكذا، تلميذه العلامة جمال الدين القاسمي ونحوهم، من أهل العلم والفضل!

ولا أخفيكم -والله- على الرغم، من الألم السائط؛ لفراق الأهل والولد، إلا أني استمتعت بالخلوة عن الجلوة، (وفي الترك، راحة) للقلب، عن الاختلاط العام!

أقسِّمُ جسمي في جسوم كثيرةٍ *** وأحسو قراح الماء، والماء باردُ

ولا أريد هنا، تَعداد مزايا العزلة والانعزال.. فقد سبقني إلى ذلك، أئمة طوال، كـ ابن أبي الدنيا، والخطابي، وابن الوزير الصنعاني ونحوهم، في كتب وأجزاء خاصة في هذه العبادة المهجورة، لمن أحسن اهتبالها!

ولا أريد أيضاً، تحساب، ما استفدته في عزلتي هذه، من: ارتواء وامتلاء واحتواء وارتقاء وانتقاء..

وإنما، هي خاطرة سنحت بفكري العليل، وعقلي الكليل، فلم أرد إضاعتها، فسارعت بكتبها على علاتها -وقاني الله وإياكم العلات والقلات والحلات، والزلات والفلات، ويسرني وإياكم لليسرى، وجنبنا العسرى، ورزقني وإياكم الحسنى وزيادة-.
وسلام السلام عليكم..


وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي.
١٤٤١/١٠/٨



الخميس، 28 مايو 2020

دار الكتب العلمية.. وعبثها بالتراث!

دار الكتب العلمية.. وعبثها بالتراث!

أتميز غيظاً، وأتكبد حنقاً.. حين أرى عنواناً، حبيباً إلى قلبي، وأثيراً على لبي؛ ولكن طبعته: دار الكتب العلمية، وليس له، إلا طبعتهم الشوهاء المخدوجة!

أفتح مطبوعتهم، على مضض، فإذا بي أرى كمّاً من الأخطاء: النصية والإملائية واللغوية، وربما، صحف وتحريف، وبتر وتحذيف.. فأقفله؛ أسفاً حسفاً كسفاً!
ثم تعنّ لي إليه حاجة.. فأعاود فتحه، فأصاب بالدوار!
أليست هذه جناية على العلم والمعرفة؟! 

ويصدق -عليها، وعلى مثيلاتها- وصف "حمالة الحطب"! على إطلاق الإمام يحيى بن معين، في حكمه، على بعض الضعفاء!

قال العقيلي: "حدثني أحمد بن محمد الهروي، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: قلت ليحيى بن معين، النضر بن منصور العنزي.. تعرفه-
يروي عن أبي الجنوب، عن علي، من هؤلاء؟
قال: هؤلاء حمالة الحطب"! 
(الضعفاء: ٤/ ١٤١٩)

فاحذر، من دار الكتب العلمية (الهدمية الخرمية).. وفر منها فرارك من الأسد؛ فقد عبثوا بالتراث، وتناولوه بالتراث!
والجل، قد حذر منها ووجل، والحمد لله.

وقد سمعت، ممن زار دارهم، ونحوها من دور الزور- أنه رأى الأهوال من الدار والمحقق والمخرج والمزور! رب لطفك.
هذا هو الأصل في طبعاتهم.


قلت: وما وجد في بعضها، من إتقان، فهو عائد إلى أحوال:
-أن تأتي الدار، على طبعات قديمة مصورة، متقنة الإخراج، وهي المصورة عن دور أخرى رائدة، كالبابي، وبولاق ونحوهما، من قديم الطبعات وأتقنها.

قلت: وهذا ظلم وهضم، وقاسمة وقاصمة، لأصحاب تيك الدور الأخرى، وذلك؛ لأن أصحاب هاته المكتبات- يتعبون في النسخ والتحقيق والمقابلة، فيأتي الساطي، ويأخذ جهودهم: مادياً، وعلمياً، وذاتياً، وفكرياً؛ فيصوره كما وجده، ويبيعه بثمن بخس؛ لأنه لم يتعب فيه، ولا سعى إليه، فيقبل الناس على الطبعة الرخيصة -وهي متقنة، تبعاً لأصلها- مما سبب ويسبب خسائر فادحة، لأصحاب المطابع الأولى!
وهذا -كما علمت- سبب خسارة فادحة، لبعض تيك المطبعات، بل اضطر بعضهم؛ لقفلها، كمطبعة البابي.
والله المستعان.

-أن يعتني محقق أو مؤلف ما، بكتابه، ويبحث عن دار؛ لطبع كتابه، فلا يجد (في ظل تحكم بعض الدور) أمامه، إلا محمد علي بيضون، فيظل واجماً؛ أيسلمه إليه، أم يدسه في الجراب!
وبعد تحاور وتشاور.. يدفعه إليه (مكره أخاك لا بطل)! 
وممن طبع عندهم، من العلماء: الشيخ محمد عمرو بن عبد اللطيف، والشيخ أبو إسحاق الحويني، وربما لا يسلموا أيضاً، من التشويه والعور، كما فعلوا ببعض تحاقيق الشيخ أبي إسحاق الحويني!

-وبعضهم: يقيّد الجيد من دار الكتب العلمية، بتاريخ معين، ولم يبن هذا التاريخ، ولا أظن ذلك، ينضبط؛ لتعدد الطبعات، وتبدل التواريخ! فالله أعلم.

وعلى كلٍ: فهي خيانة وجناية، على العلم والتراث، لا يجوز أن تصدر ممن يخاف الله، والدار الآخرة.


وكتب: وليد بن عبده الوصابي.
١٤٣٧/٧/١٩


الثلاثاء، 26 مايو 2020

صبّ العذاب على رأس عدّاب!

صبّ العذاب على رأس عدّاب!

(يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك)
وقفت قبل سنوات على كتاب بعنوان: (ثعلبة بن حاطب: الصحابي المفترى عليه)
وهو من تأليف الشيخ عداب محمود الحمش، عام ١٤٠٦ه‍.

أجاد فيه وأفاد، وبين المقصود والمراد، ودافع عن الصحابة الأمجاد، ورد على أهل الثلب والعناد، والزيع والإلحاد.
وبيّن في كتابه هذا؛ عدالة الصحابة جميعهم، بدون استثناء..

ومما قال فيه: "أما الذين يشككون بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويطعنون بهم؛ فهم من فِرق الروافض، والخوارج، والزنادقة، وأما أهل السنة: فقد قطعوا بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسكتوا عما جرى بينهم".
(ثعلبة بن حاطب: الصحابي المفترى عليه: ٢٤).

قلت: هذا ما فاهه، وخطته أنامله في كتابه هذا، وانظروا اليوم ماذا يقول عن بعض الصحابة؟
وكيف تجرأ على بعضهم، بحجة الدفاع عن آل البيت؟!
فبأي تعليق أعلّق، وبأي دفاع أدفع؟!

يا عداب: ها هي بنانك قد خطت، ولسانك قد نطقت، وقلبك قد شهد، بالحق وللحق وفي الحق، وقد أوردتَ النصوص الكثيرة على ذلك!

واليوم، ماذا جرى لك؟ ولماذا انقلبت على عقبيك؟ وكيف صرت صفاً مع فرق الروافض والخوارج والزندقة -بحكمك أنت في كتابك-؟!

يا عداب: ألعرِض الصحابة -الذين لم نبلغ مُدّ أحدهم، ولا نصيفه، ولو أنفقنا مثل أُحْد ذهباً- تشتم؟
ألحديثهم تتهم؟!
يا هذا، أتدري من تناولت؟ وبأي لسان تطاولت؟!

إنك برجلك العرجاء، ويدك القصيرة، وفمك اللجج- لم ولن تصل إلى النجوم والكواكب والأقمار والشموس، بل دون ذلك مهايع، ستظل في طريق الغفلة، وتتيه في بيداء النفاق، وتضيع في دروب الضلال، بل ستتجاذبك الأشواك، وتتخطفك الكلاليب، وتتقاذفك الشهب= فستسقط، وتدمى، ثم تدمدم، وتصاب بمقتل!
وأي مقتل أخطر من تناول قطعيات الإسلام، وثوابت الدين؟!

ناشدتك الله، أما قلته وسطرته في كتابك الآنف: أكان حقاً، والآن باطلا؟!
كيف يكون ذلك.. وأنت قد دللت واستدللت وبرهنت، بأدلة قطعية، وبراهين جدلية؟! 

أجاءك برهان قاطع، أو دليل ساطع، فاتجهتَ إليه، وتركت السنة ظهرياً، وظهرك عرياً؟!


قلت: ومن مثالبه: تصريحه بالطعن في (صحيح البخاري)؛ زاعماً تطبيق قواعد الجرح والتعديل على الصحابة!

ومنها: تكلمه وقدحه في أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، على وجه الخصوص، بكلام قبيح، وأنه لم يكن شجاعاً أو مبارزاً.. إلى آخر هذيانه.

ومنها: كتبه قصيدة، تناول فيها أمّنا -نحن المسلمين- عائشة رضي الله عنها.

ومنها: هذيانه عن لطيمة وظلمية الحسين بن علي رضي الله عنهم، بعبارات مزوقة، وروايات ملفقة، يموه بها على من لا يعلم!

فكتبت -حينها- تعليقاً عليه دون حيف أو جنف، فرد علي بعنف!
فطلبت منه الترفق بنا نحن كأبنائه، فما كان منه إلا أن أعطاني حظراً من التعليق!

أليس الواثق بعلمه، يترك المجال للردود عليه، ويرد عليهم، حتى يغلب الباطل ويندحر.
والله المستعان.

اللهم إنا نسألك الثبات، على دينك حتى الممات.
(اللهم يا ولي الإسلام وأهله، مسِّكنا بالإسلام، حتى نلقاك به)

وأخبرت: أنه سوري الأصل، ولعله من حماة، ثم سافر إلى السعودية، ومنها إلى العراق، فدرس في جامعة صدام (حالياً الجامعة العراقية) وكان يخطب في جامع المثنى (في بغداد/ حي القاهرة).


وأخبرت: أنه لما كان في العراق، قدم الدكتوراة.. فلم تقبل مناقشتها من قبل الشيخ صبحي السامرائي، والشيخ بشار عواد، والشيخ حارث الضاري؛ لما فيها من الطعونات بالصحيحين وغيرها، وردوا الرسالة، ولم يستطع مناقشة رسالته آنذاك، ومُدِّدت لست أشهر، ثم أجيزت -مع الأسف- من كلية العلوم الإسلامية، بجامعة بغداد في تسعينات القرن الماضي.
وقيل: أنها لم تجز من العراق، فخرج منها، وقدمها في مكان آخر!
والله أعلم.

والحقيقة: إن هذا الرجل عنده تشيع واضح، إن لم يكن الآن قد ترفض.

وإلى لقاء تحت ظل عدالةٍ *** قدسية الأحكام والميزانِ


وكتب: وليد بن عبده الوصابي،،

١٤٣٦/١/٢٨
١٤٣٧/١/٢٨
١٤٤١/٦/٢٤


الأحد، 24 مايو 2020

المَقَامَة العِيْدِية!

المقامة العيدية!

قال حمد العيدي: التقيت أحمد المعيدي، في يوم عيد، وهو بهج سعيد.

سلّمت عليه وحيّيته، وهششْت له وبييته.
وقلت له: تقبل الله منا ومنكم، وأحاله علينا وعليكم.

فردّ علي: من العايدين السالمين، والغانمين الفايزين.

ثم كرّ المعيدي، قائلاً: هل ثبتت التهنئة عن رسولنا الأكرم، ونبينا الأفخم، صلى الله عليه وسلم؟

فأجابه العيدي: جاءت في أحاديث ضعاف، في كواغد وصحاف، ولكنها ثبتت عن الصحب العظام، والقوم الفخام، ولم يعلم لهم من الصحابة مخالِف، بل كان لهم مؤالف موالف.
وقد كتب فيها أحدهم، مقالاً، وسمه، بـ "إثمد العينين في جواز التهنئة بالعيدين".

هزّ المعيدي رأسه، وقال: والمصافحة أو المعانقة.. هل هي مخالفة أو موافقة؟

رد العيدي: هذه كأختها، يا ابن بجدتها، وأبو عذرتها، فهي من باب العادات، لا العبادات، فمن فعلها فلا تثريب، ومن تركها فلا تأنيب؛ بشرط أن لا تؤدي إلى الصرم والمباغضة، وتودي إلى الصلم والمناقضة؛ لأن ديننا حثّنا على التآلف، ونهانا عن التخالف، وهذه من أمور العادات، فلا تكن سبباً إلى الاختلاف في العبادات.

وقد قرر أنها من العادات، جمع من أهل العلم الثقات، كـ حسنة الأيام، شيخ الإسلام، والسيوطي، مفيد الأنام، والسعدي، مفتي الأقوام، وغيرهم من أهل كل قرن وعام.

وراجع -إن شئت- رسالة: "وصول الأماني بأصول التهاني"، للحافظ جلال الدين السيوطي المسموطي.
و"جزء في التهنئة في الأعياد وغيرها"، لابن حجر البحر.
و"رسالة في التهنئة بالأعياد"، للشيخ عبد الله بن درويش الركابي السكري الشيبي الدمشقي الحنفي، وغيرهم من أهل العلم والفهم.
وأما الأجزاء التي أُلّفت في العيدين؛ فهي كثيرة وفيرة.

قال المعيدي: أصبت قولاً -يا عيدي-، وأحسنت صولاً، ولكني رأيت -من بعض الأغمار، والطغمة الصغار-، أفعالاً شيّنة، وسمعت منهم أقوالاً حيّنة!

قال العيدي: خيراً رأيت، وعن شر نأيت.

قال المعيدي: بل ضيراً ونيراً.. رأيتهم، يدفعون من أتى لمعانقتهم، ويفوهون له: ليس هذا من سنة أبي القاسم؟! (صلى الله عليه وسلم) 

فلحالهم أسيت، ولصاحبي واسيت، وقلت له: لا يضيرك ما فاهوه، ولا يضررك ما نالوه؛ فإنك أنت المأجور، وهو المأزور.

تنهّد العيدي، وقال: صدق الشافعي الألمعي في قيله: يفسد الناس: نصف عالم، ونصف طبيب!
فهؤلاء يا أريب: أنصاف المتعلمين، وأقذاف المتحيرين، لا حُيّوا، ولا بُيّوا، فإنهم لا يعرفون خَيّو ولا بَيّو!

ثم سأل العيدي، قائلاً: يا معيدي، أما ترى ما أرى؟
قال: وما ترى أيها الفتى الأورى، والصديق الأروى؟
قال: أرى نسناساً لا ناساً، وذئاباً لا أحباباً، ونحساً وبوساً!

قال المعيدي: هوّن عليك، واحمد نعمة الله إليك، فإنك في نِعَم، وغيرك في نقَم!

قال العيدي: هذا ما أريد، وعنه -بإذن الله- لا أحيد، وفقني وإياك الحميد المجيد.

ثم انتقل المعيدي، إلى خلق بعض الأنانية، ولؤم شق من الإنسانية، وكيف أنهم يكتفون، أن يكونوا في مأكل ومشرب ومنكح، وغيرهم في جوع وظمأ ومذبح!

وهذا -كما تعلم- منافٍ لـ (الآداب الشرعية، والمنح المرعية) وهذا عنوان كتاب منجح، زبره يراع ابن مفلح المفلح؛ فأتى فيه بالبديع المبدع، والرصين المقنع، والخطاب المسمع، وهو ماضٍ في كتابه مزمع، لا يلوي على المهوش والمقذع، واستمر في ماخوره، حتى أتى على آخوره، فإذا هو نفيسة عالية، ودرة غالية.
ولكن أين منه، مَن في أخلاقه دخل، وفي آدابه دغل- عديم الوفاق، ومؤذي الرفاق، ومن همّه الأرفاق، ومتكأه الارتفاق؟!

وأضاف المعيدي: اُعذرني، -يا فاضل، ومن في أخلاقه، ليس بخاتل- أطلت عليك، ولكن الأمر أعظم مما نبذته إليك، بل هو أعم وأعظم، وأصم وأقصم، فإلى الله المشتكى، وإليه الملتجى.

أجاب العيدي: أصبت المحز -يا معيدي- والحز: فإنّ هؤلاء هم أبناء الدنيا، وطلاب خسيس الأشيا، "ذلك مبلغهم من العلم" وذاك حظهم من الحلم، فخلّهم وشأنهم، وذرهم ونأيهم، فإنهم لا يعيشون إلا لأنفسهم فحسب، وليس لديهم نسب أو حسب، بل هم لقطاء في مهيع الفضيلة، ونزلاء في مرتع الرذيلة!

أضاف المعيدي: كلامك في الصميم، وخيرك عليّ، وغيري، عميم.
ولكن: إن هذه شريحة قد اعشوشبت حتى اورورقت، فنخشى من استفحالها، والأمة كلها في حالها- لا يأمرون بمعروف، ولا ينهون عن مقروف، بل ربما كان منهم العكس، حتى أيدوا صاحب المكس!

ثم تابع المعيدي: مَن للضعفاء والمعوزين، والفقراء والمجهزين، والبؤساء المبلسين؟ إني -وربي- أذكرهم، فأبكيهم، وأنظرهم، فأنعيهم، فهم في خصاص، والناس عنهم في ملاص!

قال العيدي: لا يجد الفذّ منهم قوت يومه كأمسه، حتى تمنى أن يدخل في عومه ورمسه؛ حياء أن يكون سآّلاً، أو يكون مسآلا، ويحفظ في ذلك حديث الأفخم، صلى الله عليه وسلم: (من سأل الناس من غير ما حاجة؛ جاء يوم القيامة، وليس على وجهه مزعة لحم) وهكذا هو حافظ لدينه، وارد كريم معينه، ويحمد الله ويشكره، ويتوب إليه ويستغفره، فلله دره، وعلى الله شكره.

وعلى الله قصد السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم، ونتوب إليه، إنه هو البر الرحيم.
وصل اللهم وسلم على محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، وكبروا الله تكبيرا.


وكتب: أبو نعيم وليد بن عبده الوصابي.
١٤٣٧/١٢/١١
١٤٤٠/١/١
١٤٤١/١٠/١



السبت، 23 مايو 2020

تسلية لك، وتهنئة إليك!

تسلية لك، وتهنئة إليك!
أبارك لك العيد، رغم الأسى والألم، ورغم القسى والجلم!

قائلاً: (تقبل الله: مني ومنك؛ صالح الأعمال)

آملاً، أن يعود علينا، ونحن في أمنٍ وأمان، وإسلام واطمئنان، وتمكين وإعلان.

عيد، بأي عيد عدت يا عيدُ *** بالهنا، أم بالغنا والتغاريد؟! 

ليكن، ما أراده الله، فلن أعمل إلا مايرضيه جلّ وعز.

فلن تراني يا عيد -بإذن الحميد المجيد-، فيك كئيباً، أو حزيناً، أو تعيساً..

فإنك، لم تزرنا إلا غباً، وليس من الأدب والإحسان، أن أقابلك بالأتراح والأحزان!

صحيح، أني أتألم وأتعلقم، وأجتوي وألتوي..

لكن..
واجبي نحوك: حسن الضيافة، وجميل القرى، (والجود، من الموجود)!
هذا واجبي نحوك أيها العيد الكريم..

وأما غيري: فلا أدري -والله- كيف يكون استقباله لك؟! 
فهم، ما بين: 
كسير وشريد.. 
وأليم وطريد.. 
ونازح عن بلده..
وفاقد فلذة كبده..

ولكني: أصبرهم جميعاً، وأقول لهم: ثقوا: أن الصبح قريب، وقد بدت تباشير الفرج، لائحة.. "ألا إن نصر الله قريب".

فاصبروا، وأمّلوا، واستبشروا، وأحسنوا الظن بربكم، فوالله، ما عُبد الله، بأحسن من حسن الظن، وهو القائل في الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ماشاء"!

ياالله ويالله ووالله، كم أفرح وأطمئن وأستبشر، عندما أقرأ وأنعم وأمعن النظر فيه!
-يسلو خاطري..
-تبرق أساريري..
-يرتاح ضميري..

اعذرني، فقد طالت التهنئة، وعذري: أنها تهنئة وتهدئة، وتسلية وتعزية..

وسلام الله عليك بدءاً وختما،،


مهنئك: أبو نعيم وليد الوصابي.
عيد أضحى ١٤٣٦ُ
عيد فطر ١٤٤١


إثمد العينين في جواز التهنئة بالعيدين!


إثمد العينين في جواز التهنئة بالعيدين:

التهنئة: خلاف التعزية، تقول: هنأه بالأمر والولاية، تهنئة وتهنيئاً، وهنأه هنْأ، إذا قال له: ليهنك وليهنئك.

والتهاني -من حيث الأصل- من باب العادات، و(الأصل في العادات الإباحة)، حتى يأتي دليل يخصّه، فينقل حكمها من الإباحة إلى حكم آخر.

والعادة: هي كل ما اعتادته الفطر السليمة، من المعاملات، ولم يأت فيه نص، بالحل، أو الحرمة. 

ودليلها: ما أخرجه مسلم -في قصة تأبير النخل-، وفيه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنتم، أعلم بأمر دنياكم).

وقال الشيخ عبد الرحمن ابن سعدي في (منظومة القواعد):

والأصلُ في عاداتنا الإباحهْ *** حتى يجيءَ صارفُ الإباحهْ

وليس مشروعاً من الأمور *** غير الذي في شرعنا مذكور 

قال -رحمه الله- معلقاً على ذلك: 
"وهذان الأصلان العظيمان، ذكرهما شيخ الإسلام -رحمه الله- في كتبه.
وذكر: أن الأصل، الذي بنى عليه الإمام أحمد مذهبه: أن العادات، الأصل فيها الإباحة، فلا يحرم منها إلاّ ما ورد تحريمه ... فالعادات: هي ما اعتاد الناس من المآكل، والمشارب، وأصناف الملابس، والذهاب، والمجيء وسائر التصرفات المعتادة، فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله، إما نصّاً صريحاً، أو يدخل في عموم، أو قياس صحيح، وإلا، فسائر العادات حلال، والدليل على حلها، قوله تعالى: "هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا" فهذا، يدل على أنه خلق لنا ما في الأرض جميعه؛ لننتفع به على أي وجه من وجوه الانتفاع".
(المجموعة الكاملة لمؤلفات الشيخ عبد الرحمن السعدي: ١/ ١٤٣).
وينظر: (الموافقات: ٢/ ١١٢- ٢٤٦) ففيه مزيد علم في المسألة.


قال أبو نعيم: فإذا علم، معنى العادات، وتقرر، أن: التهاني من بابها؛ فإنه لا ينكر منها، إلا ما أنكره الشارع، ولذا: مرّر الإسلام جملة من العادات- التي كانت عند العرب، بل رغّب في بعضها، كصلة الأرحام ونحوها، وحرّم بعضها، كالسجود للتحية وغيرها.

والتهنئة بالعيدين؛ هو من باب الفرح بهذا اليوم المبارك، ولإتمام الصيام والقيام، وفعل ذلك.. ليس حدثاً، أو بِدعاً، بل قد فعله الصحابة الكرام رضي الله عنهم، ولم يعلم لهم مخالف، فكان كالإجماع.

عن محمد بن زياد قال: كنت مع أبي أمامة الباهلي وغيره، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا إذا رجعوا من العيد، يقول بعضهم لبعض: (تقبل الله منا ومنكم).
قال أحمد: إسناد حديث أبي أمامة جيد.
ينظر: (الجوهر النقي: ٣/ ٣٢٠)
وقال السيوطي في، (الحاوي: ١/ ٨١): "إسناده حسن".

وكذلك ذكره ابن حجر، واحتج على مشروعية ذلك، بهذه الرواية التي رواها البيهقي.
قال البيهقي: (باب ما روي في قول الناس بعضهم لبعض في يوم العيد: تقبل الله منا ومنك).
وحسنه الألباني في (تمام المنة: ١/ ٣٥٤).

وأخرج أبو أحمد الفرضي، في (مشيخته) والمحاملي، في (صلاة العيدين) عن جبير بن نفير قال: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: (تقبل الله منا ومنك).
وحسن إسناده، ابن حجر.
ينظر: (فتح الباري: ٢/ ٤٤٦)

وأخرج الأصبهاني في (الترغيب والترهيب) عن صفوان بن عمرو السكسكي قال: سمعت عبد الله بن بُسر، وعبد الرحمن بن عائذ، وجبير بن نفير، وخالد بن معدان، يقال لهم في أيام الأعياد: (تقبل الله منا ومنكم) ويقولون ذلك لغيرهم.

وأخرج الطبراني في (الدعاء) قال شعبة: لقيني يونس بن عبيد في يوم عيد، فقال: (تقبل الله منا ومنك). وهذا سند مسلسل بالحفاظ المكثرين، والمعمري تُكُلِّم فيه بكلام لا يضره هنا.
ينظر: (الحاوي: ١/ ٩٤)


ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، شيء في التهنئة بالعيدين.. 
وقد ورد في ذلك حديثان: أحدهما: يبيح، والآخر: يحظر!

أما المبيح.. فعن خالد بن معدان قال: لقيت واثلة بن الأسقع، يوم عيد، فقلت: تقبل الله منا ومنك، فقال: نعم، تقبل الله منا ومنك، لقيت رسول الله عليه الصلاة والسلام، في يوم عيد، فقال: (تقبل الله منا ومنك).
وهو ضعيف جداً، ففي إسناده: محمد بن إبراهيم الشامي، وهو ضعيف، وقد تفرد به مرفوعاً، وخولف فيه.
ينظر: (كوثر المعاني الدراري: ١٠/ ٢٢٥) للشيخ محمد الخضر الشنقيطي.

وأما المحظر.. فقد أخرج ابن عساكر، من حديث عبادة بن الصامت قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن قول الناس في العيدين: تقبل الله منا ومنكم؟ فقال: (كذلك فعل أهل الكتابين) وكرهه.
وهو موضوع، ففي إسناده عبد الخالق بن خالد بن زيد بن واقد الدمشقي، قال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: ضعيف، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال الدارقطني: متروك، وقال أبو نعيم: لا شيء.
ينظر: (الحاوي: ١/ ٩٤)


وإليك مذاهب أهل الحديث، والفقه، والنظر.. في حكم التهنئة في العيدين:

-أهل الحديث:
قال ابن بطة العكبري في (الإبانة الكبرى: ١/ ٨٧١): "وكذلك يتلاقى الناس، عند انقضاء شهر رمضان، فيقول بعضهم لبعض: (تقبل الله منا ومنك) بهذا مضت سنة المسلمين، وعليه جرت عاداتهم، وأخذه خلفهم عن سلفهم".

وتأمل وقوله: (مضت سنة المسلمين)؛ فهو كإجماع منهم خلفاً عن سلف -كما سلف-. 

-المذهب الحنفي:
قال الطحطاوي: "والتهنئة بقوله: تقبل الله منا ومنكم، لا تنكر بل مستحبة؛ لورود الأثر بها ... والمتعامل به في البلاد الشامية والمصرية، قول الرجل لصاحبه: عيد مبارك عليك ونحوه، ويمكن أن يلحق هذا اللفظ بذلك، في الجواز الحسن واستحبابه؛ لما بينهما من التلازم".
(حاشيته على المراقي: ٢/ ٥٢٧)

-المذهب المالكي:
سئل مالك: أيكره للرجل أن يقول لأخيه، إذا انصرف من العيد: تقبل الله منا ومنك، وغفر الله لنا ولك. ويرد عليه أخوه مثل ذلك؟
قال: لا يكره.
(المنتقى: ١/ ٣٢٢).

وأخرج ابن حبان في (الثقات) عن علي بن ثابت قال: سألت مالكاً عن قول الناس في العيد: تقبل الله منا منك؟ فقال: ما زال الأمر عندنا كذلك.

وقال علي بن ثابت: سألت مالك بن أنس منذ خمس وثلاثين سنة، وقال: لم يزل يعرف هذا بالمدينة.
ينظر: (الحاوي: ١/ ٩٤)

-المذهب الشافعي:
قال الشربيني: "قال القمولي: لم أر لأحد من أصحابنا، كلاماً في التهنئة بالعيد، والأعوام، والأشهر كما يفعله الناس، لكن نقل الحافظ المنذري عن الحافظ المقدسي: أنه أجاب عن ذلك؛ بأن الناس، لم يزالوا مختلفين فيه، والذي أراه، أنه: مباح، لا سنة فيه ولا بدعة".
(مغني المحتاج: ١/ ٣١٤).

وفي (حاشية الجمل: ٣/ ٧٠): "ويجوز، أن تطلب التهنئة، في أيام التشريق، وما بعد الفطر؛ لعدم المانع؛ ولأن المقصود منها التودد وإظهار السرور ... ويدخل وقت التهنئة بدخول الفجر، لا بليلة العيد".

-المذهب الحنبلي:
جاء في (سؤالات أبي داوود: ٦١) قال أبو داود: سمعت أحمد، سئل عن قوم، قيل لهم يوم العيد: تقبل الله منا ومنكم؟ قال: أرجو أن لايكون به بأس.

-أهل النظر:
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: هل التهنئة في العيد وما يجري على ألسنة الناس‏:‏ ‏(‏عيدك مبارك‏)‏ وما أشبهه، هل له أصل في الشريعة أم لا؟‏ وإذا كان له أصل في الشريعة، فما الذي يقال‏؟‏ أفتونا مأجورين.
فأجاب:‏ أما التهنئة يوم العيد، يقول بعضهم لبعض -إذا لقيه بعد صلاة العيد‏-: تقبل الله منا ومنكم، وأحاله الله عليك، ونحو ذلك‏.‏. فهذا قد روي عن طائفة من الصحابة، أنهم كانوا يفعلونه، ورخص فيه الأئمة، كأحمد وغيره. 
لكن قال أحمد:‏ أنا لا أبتدئ أحداً، فإن ابتدأني أحد، أجبته؛ وذلك لأن جواب التحية، واجب، وأما الابتداء بالتهنئة، فليس سنة مأموراً بها، ولا هو -أيضاًـ مما نهى عنه، فمن فعله، فله قدوة، ومن تركه، فله قدوة، والله أعلم‏". 
(مجموع الفتاوى: ٢٤/ ٢٥٣) و (الفتاوى الكبرى: ٢/ ٢٢٨).

وقال الشيخ ابن عثيمين: "التهنئة بالعيد، قد وقعت من بعض الصحابة رضي الله عنهم، وعلى فرض أنها لم تقع؛ فإنها الآن من الأمور العادية، التي اعتادها الناس، يهنىء بعضهم بعضاً ببلوغ العيد، واستكمال الصوم والقيام". 
(مجموع فتاوى ابن عثيمين: ١٦/ ٢٠٨).

تنبيه: لا بأس بالتهنئة، قبل العيد، وذلك؛ لأن القصد منها، التودد، وإظهار السرور، وإدخال الفرح، واستباق البر.
أما القول، بأن ذلك بدعة؛ فغريب؛ إذ أن أصل المسألة، ليست عبادية، حتى تدخلها البدعة، والبدعة، مختصة بالعبادات، لا العادات -على القول الصحيح الرجيح-.

قال شيخنا عبد الرحمن البراك -كما في موقعه-:
(التهنئة بالعيد، قبل صلاة العيد.. الأمر فيها واسع، فلا ينبغي التشديد في ذلك، والتهنئة عادة حسنة، ولا يقال: إنها سنة). 

وقال الشرواني الشافعي: "ويؤخذ من قوله (في يوم العيد): أنها لا تطلب، في أيام التشريق، وما بعد يوم عيد الفطر، لكن جرت عادة الناس بالتهنئة في هذه الأيام، ولا مانع منه؛ لأن المقصود منه: التودد، وإظهار السرور.
ويؤخذ من قوله (يوم العيد) أيضاً؛ أن وقت التهنئة، يدخل بالفجر، لا بليلة العيد، خلافاً لما في بعض الهوامش.
وقد يقال: لا مانع منه أيضاً، إذا جرت العادة بذلك؛ لما ذكره من أن المقصود منه: التودد، وإظهار السرور، ويؤيده، ندب التكبير في ليلة العيد".
حواشي الشرواني والعبادي على تحفة المحتاج: ٣/ ٥٦)

تنبيه آخر: ليس للتهنئة، كلمات مخصوصة، لا يجوز تعدّيها، ويحظر غيرها.. بل تكون بكل ما اعتاد الناس، من كلمات الدعاء، وعبارات الصفاء، فلا تأنيب أو تثريب!
وإن اقتصر، على ما اقتصر عليه الصحابة رضي الله عنهم، من قول: تقبل الله منا ومنكم؛ فحسن، ولكن، دون منع سواها.


وراجع -إن شئت- رسالة: "وصول الأماني بأصول التهاني"، للحافظ جلال الدين السيوطي السموطي، وهو مطبوع ومطرز.
و "جزء في التهنئة في الأعياد وغيرها"، لابن حجر البحر، وهو مطبوع ومطرز.
و"نيل الأماني في شرح التهاني"، للحسن اليوسي.
و"رسالة في التهنئة بالأعياد"، للشيخ عبد الله بن درويش الركابي السكري الشيبي الدمشقي الحنفي، وغيرهم من أهل العلم والفهم.

وأما الأجزاء التي أُلّفت في العيدين؛ فهي كثيرة وفيرة.


هذا ما تمّ نقله من كلام أهل العلم، وهو واضح بجلاء؛ أن التهنئة بالعيدين، مشروعية مباحة، من حيث الجملة، وقد صحت من فعل السلف.
ولكن، إذا صاحب العادات، بعض المقاصد الحسنة؛ أوصلها إلى الأجر والزلفى.

وعليه؛ فلا ينكر على من فعله، ولا يشنع عليه، بل هو مأجور -إذا احتسب تهنئته-؛ لدعائه؛ وإدخاله السرور على قلوب المهنَئين؛ ولأن المباح يدور مع الأحكام الشرعية، إذا احتفّت به قرائن.

فأقول للجميع: تقبل الله منا ومنكم، وأحاله علينا وعليكم، وكل عام وأنتم بخير، وفي أمن وأمان، وسلامة وسلام..
وسلام السلام عليكم.


وكتب: أبو نعيم وليد بن عبده الوصابي.
١٤٣٩/٩/٢٨
١٤٤٠/١/١
١٤٤١/٩/٣٠

 

العيد.. ومأساة الفقير!


العيد.. ومأساة الفقير!

العيد: كلمة محبوبة، ولفظة مرغوبة، تعشقها الآذان، وتذلقها اللسان، ويعبقها الجنان!

العيد: رمز الفرحة والإخاء، والصدق والنقاء، والبذل والوفاء.

العيد: زائر حبيب، وضيف قريب، ونازل مهيب.

في العيد، نشتري الملابس الجديدة، ونأكل الحلوى اللذيذة، وننسى الأيام الشديدة، ونغضي عن الناس العنيدة! 


والناس في العيد، بين فارحٍ وكادح، ولا أتحدث عن الفارحين؛ لأن المحامين عنهم كثر، بعكس الكادحين؛ فإن الذابين عنهم نُزر!

دعوني -إذن- أتحدث عن هؤلاء الكرام الفخام؛ لأطفئ جمرة لاهبة في فؤادي، وأبل صدى عطشي، وأرضي أنب ضميري، بالحديث عنهم ومنهم، وإليهم وعليهم:


يأت العيد على طائفة من الناس؛ ثقلاً وهماً، وعبئاً وغماً!
نعم.
ينظر أحدهم، إلى الأسواق مزدحمة، والمعارض ممتلئة، والطرقات مكتظة.. والناس، معهم فلذات أكبادهم، قد ارتسمت الفرحة على محيّاهم، وهم في فرح ومرح، بملابسهم الجديدة، الذي جعلت لهم من العيد، أعيادا.. 

ينظر المسكين، إلى هؤلاء الصغار، وقلبه يحترق، وفؤاده يمتزق، ثم يسارق النظر إلى أكباده الحيّة؛ فتنهمر دموعه سخية، على خديه، فتكون غُنية عن الكلام واكتفاء!
(وعن البحر، اجتزاء بالوشل)!

يتعلق الصغار، بأبيهم: بابا.. بابا.. (وهي فصيحة، وقد بينتها في مقال) اشترِ لنا ملابس العيد، مثل بني فلان؟!
هكذا بكل براءة، وليست -والله- جراءة.

آهٍ، ما أقساه من موقف وأنكاه، وما أشد وطأته وأضناه، على قلب الأب المكلوم، والأم المهمومة! (رب اغنهم بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك).

تُرى، ماذا يقول لهم، وبم يجيبهم، وكيف يقنعهم؟!
إنهم، لا يفهمون، إلا ملابس جديدة، عليها خيط جدتها، مدلاة به بطاقة تشير إلى القياس!
لكنهم، لا يدركون قياساً ولا مقاساً.. ولا يفهمون، إلا الإشارة، إلى أنها جديدة!
فيظهرونه للداتهم؛ ليقولوا لهم: هذه ملابس العيد!

إنهم أطفال، لا يجيدون لغة المال، بل الإزهاء على الأطفال!
لا يعلمون.. أن الملابس، دونها قطع أعناق، وإسالة مآق!

يطوي الأب عنقه، كاشحاً عنهم، لا يلوي على شيء، إلا التفكير في أمر أزغابه وأحبابه!

تنظر إليه، زوجه المسكينة، بنظرات حرّى، وقلب مكلوم، ودموع غزار، ووجه خجول، وجسد مضنى، قد أنهكه التعب واللغب!

إنها، تجيد لغة الكلام، ولكنها تعرف حال زوجها الكادح، الذي بالكاد يؤويهم ويبطنهم!
فلا تريد، أن تزيده همّاً فوق همومه، وغماً إلى غمومه!

فترجع هي الأخرى، ناكصة على عكبيها، كسيرة الخاطر، حسيرة الفؤاد، مهيضة الجناح!
لكن عاطفة الأمومة، ينتهشها ويهترشها، ويضربها بسياطٍ من نار! فتنظر، كرة أخرى إلى حبيبها، قائلة:
-أبو فلان؟
-نعم.
-هل تستطيع أن تستلف؛ لأجل الصغار، أما أنا وأنت، فعيدنا، الأطفال؟
-أتمنى، ولكن من سيقرضني؟ لكني سوف أحاول!

يذهب إلى جاره العزيز..
-السلام عليكم.
-عليكم السلام.
-تقبل الله منا ومنكم.
-ومنكم.
-كيف حالكم وأولادكم؟
-الحمد لله على كل حال!

يسمع هذه الكلمة الموحية، فيعلم أنها إشارة من جاره المثقف، إلى عَطَلِه، وأنه في ضيقة وإعواز، فينصرف دون إحراز!

يدخل بيته، وأطفاله، ينتظرون الباب، يحسبون كل حركة، هي طرقة والدهم الأسيف!
لكن الوالد المسكين، يرجع بخفي حنين، بل، حتى خف حنين، لم يجده، فقد أخذه صاحب حنين!

ولم يتنبه الصبية، إلى خلو والدهم، فيهتفون، بصوت جماعي: بابا.. بابا، اشتريت... وقبل أن يكملوا كلمتهم المتكسرة.. تتعثر أقدامهم، حين يرون اليد فارغة!

كيف له، أن يفهمهم.. أنه لا يملك النقود، التي تضع القيود؟ كيف يستطيع تصبيرهم؟! بأي لغة يخاطبهم؟

تنظر الأم إلى يديها، لتجترّ ما فيها؛ لتبيعه!
لكنها خالية.. فالسوار الصغير، قد بيع في أزمة حادة (وما أكثر أزماتهم)!

تتلمس عنقها، فليس فيه قلادة، وترى أن المثل العربي الشهير، (يكفي من القلادة، ما أحاط بالعنق) ليس صحيح المعنى.. فعن أي قلادة يتحدثون؟! إنها لا تعرفها قط في حياتها!

تنحني إلى أصابعها، فلا -والله- لا تجد خاتماً، ولا حتى فَصّاً!

تتحسس أذنيها، فلا تحس قرطاً، أو حتى خيطاً، بل إن خرصتها، كادت اللحم تغطيتها؛ لطول عطلها!

إنها، خلو إلا من: دينها، وعفافها وحيائها، (وما أبهاه وأهناه وأحلاه).
(وأكرم به من متاع)!

لقيتها، ليتني ما كنت ألقاها *** تمشي، وقد أثقل الإملاق ممشاها

أثوابها رثة، والرِّجل حافية *** والدمع تذرفه في الخد عيناها! 


ثم تنظر إلى أولادها، فتقول لهم: سنشتري لكم -إن شاء الله- تعليقاً لا تحقيقا!
فيهدؤون ويسكنون ويسكتون، ولكنه دواء مسكن، له وقت، وينتهي المفعول!

لا أدري، ماذا كان، بعد هاته التهدئة المؤقتة، ولا أعلم، ما فعلوا مع صبيانهم وصبياتهم، لكني رأيتهم: يحمدون، ويشكرون، ويثنون على الكريم سبحانه، أكمل الثناء، بل ويستعذبون حياتهم العذيبة!


وبعد هذا الطواف الحسي؛ لجأ صاحبنا المعدم، إلى التطواف المعنوي، يقلّب كواغده، ويفتش دفاتره؛ فرأى هاتين البيتين:

‏كم تشتكي وتقول إنك معدم *** والأرض ملكك والسما والأنجم!

ولك الحقول وزهرها وأريجها *** ونسيمها والبلبل المترنم!

فقنع بهذا المِلك العظيم، والمُلك العميم!

ثم نبش صفحة أخرى؛ فقرأ هاته الأبيات للإمام الكبير محمد بن علي بن وهب ابن دقيق العيد:

لعمري لقد قاسيتُ بالفقر شدةً *** وقعت بها في حيرة وشتاتِ

فإن بُحت بالشكوى؛ هتكتُ مروءتي *** وإن لم أبحْ بالصبر؛ خِفتُ مماتي

فأعظم به من نازل من مُلمةٍ *** يزيل حيائي، أو يزيل حياتي


ثم نكش أخرى؛ فرأى هاته، وهي لابن دقيق العيد، أيضاً:

وقائلة: مات الكرام، فمن لنا *** إذا عضنا الدهر الشديد بنابهِ؟ 

فقلت لها: من كان غاية قصده *** سؤالاً لمخلوق؛ فليس بنابهِ

إذا مات من يرجى فمقصودنا الذي *** ترجينه باقٍ، فلُوذي ببابهِ


فتسلى، وبالصبر تحلى، وتحمل، وبالجَلد تجمل.

ثم فتش؛ فوجد الشاعر الأميري، يقول:
يقولون لي: عيد سعيد، وإنه؛ *** لَيوم حساب لو نحسّ ونشعرُ!

أعيد سعيد، يا لها من سعادة *** وأوطاننا فيها الشقاء يزمجرُ؟!

ثم أقفل المسكين، قراطيسه، وجمع كراديسه في كرابيسه، وخلا بنفسه، وتمتع بنفَسه، عن بني جنسه!


رب كن لهم، واكسهم، وآوهم، وأطعمهم، وتول أمرهم، فأنت وحدك المؤوي والكافي والمكافي.


وكتب: أبو نعيم وليد بن عبده الوصابي
١٤٣٧/٩/٢٩
١٤٤١/٩/٣٠