الأحد، 5 أبريل 2020

السخرية والاستهزاء بالمرض والوباء!


السخرية والاستهزاء بالمرض والوباء!

"بسم الله الرحمن الرحيم"
الحمد لله ذي الجلال، والصلاة والسلام على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ذي الجمال.

وبعد:
فإن الناظر في نصوص الوحيين؛ يرى أنها قاضية بتحريم السخرية والاستهزاء والاستهتار؛ لما في ذلك من الاستخفاف والاحتقار والاستصغار.


والاستهزاء بالمؤمنين له ثلاث حالات:
الأولى: الاستهزاء والسخرية بالمؤمنين- بذواتهم أو صفاتهم، من خَلق أو خُلق.. وهو محرم بالإجماع، قال ابن حجر الهيتمي: "وقد قام الإجماع، على تحريم ذلك".
(الزواجر: ٢/ ٣٣).

الثانية: الاستهزاء بالمؤمنين، بسبب تمسكهم بالإسلام، وهذه ردة عن الإسلام، إن توفر شرط القصد، وانتفى مانع الجهل، قال تعالى: "قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم".

وهم -في الحقيقة- لم يستهزؤوا بالله ورسوله وآياته، ولكنهم لما استهزؤوا بإيمان المؤمنين، كان استهزاء بالآمر بالإيمان، وهو الله سبحانه وتعالى؛ فاستحقوا الكفر والإبعاد.

قال شيخ الإسلام: "الاستهزاء بالعلماء والصالحين؛ لأجل ما هم عليه من العلم الشرعي، واتباعهم- للقرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة، هو في حقيقته استهزاء بآيات الله تعالى، وسخرية بشرائع دين الله عز وجل، ولا شك أن هذا الاستهزاء كفر يناقض الإيمان، يقول الله تعالى: "وإذا علم من آياتنا شيئاً اتخذها هزواً أولئك لهم عذاب مهين"، ولم يجئ إعداد العذاب المهين، إلا في حق الكفار".
(الصارم المسلول: ٥٢).

الثالثة: الاستهزاء بالمؤمنين، بما يحلّ بهم من نوازل وكوارث ومآس وأمراض، وهو محرم؛ لعموم الأدلة في ذلك.
وليس هذا فحسب، بل لا يجوز، حتى السخرية والاستهزاء بالأمراض والأوبئة النازلة بالكفار؛ لأنها أقدار كونية، قدرها الله وقضاها.
أما السخرية منهم، في أفعالهم الشنيعة، وأقوالهم الفظيعة؛ فجائز؛ لأنه استهزاء بشيء يملكونه، ويفعلونه عن اختيار ومشيئة!

بل إن سخرية الإنسان ممن يَسخر منه.. جائزة؛ لقوله تعالى: "وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به" إلى غيرها من الآيات، في هذا المعنى، وهو: المقاصاة والمجازاة، وإن كان الصبر، وترك ذلك أولى؛ لأن الله تعالى، قال بعدها: "ولئن صبرتم لهو خير للصابرين".


ولا بد هنا، من التفريق، بين الاستهزاء بما يحل بالكفار من كوارث ونوازل، وبين الفرح بذلك؟
فالاستهزاء، لا يجوز؛ لأن من شأنه، التنقيص والتبخيس، لأمر لا يد لهم في جلبه أو دفعه، فيعود ذلك إلى المقدر سبحانه وتعالى.
وأما الفرح؛ فواجب؛ لأنه يظهر فيه معنى الولاء والبراء، وفيه شفاء لصدور المؤمنين، "ويشف صدور قوم مؤمنين".
ومن أراد الاستزادة، فليراجع هذا الرابط:
(الفرح والسرور بهلاك أهل الكفر والشرور):

https://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?p=2342555#post2342555


ثم إن هناك أمراً زائداً، وهو: أن المستهزئ بالأمراض والأوبئة؛ رجل ناقص المروءة، ضعيف الشعور، غليظ القلب، منزوع الرحمة، خسيس النفس، حديد الطبع؛ وذلك لأن الواجب، في حالات الضعف؛ هو المواساة والاسترحام والاستعطاف، لا السخرية والاستهزاء والاستخفاف.


وإن الساخر من الأوبئة والكوارث الكونية، لا يخلو -والله أعلم- من حالين:
-إما أن يريد الاستهزاء بمن حل عليه الوباء لا بنفس الوباء، وهذا معلوم تحريمه في القرآن والسنة، قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم" وفي البخاري: قال عليه الصلاة والسلام، لأبي ذر -لمن عيره بأمه، وليس هو بلال-: يا ابن السوداء؟- (أعيرته بأمه؛ إنك امرؤ فيك جاهلية).

-وإما أن يقصد الاستهزاء بالوباء نفسه.. وهذا استهزاء من قضاء الله وقدره، وفيه ما فيه؛ إذ هو في الحقيقة، استهزاء برب البلاء، ولكن بطريقة غير مباشرة أو مقصودة.

وإن الإنسان العاقل، ينأى بنفسه عن ما يعرضه في الموبقات، فرب كلمة، أوبقت عليه دينه وأخراه.
وعن أبي هريرة، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها؛ يزل بها إلى النار، أبعد مما بين المشرق والمغرب) متفق عليه.


وقد يقول قائل: أنا لم أرد هذا، ولا ذاك، ولكن، من باب الظرف والطرف لا غير؟!
أقول له: إن الظرافة والطرافة، تكون فيما أباحه الله لنا (وهو كثير جداً) وفي الحديث، عند الدارمي عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل شيء يلهو به الرجل باطل؛ إلا رمي الرجل بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله.. فإنهن من الحق).

ففي الحياة، متسع ومتفسح، في اللهو واللعب والمزاح، ولكن دون المساس بأصول ثابتة، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إني لأمزح ولا أقول إلا حقا) وحديث (لا يأخذ أحدكم متاع أخيه جاداً ولا مازحا).
ولا يباح المحرم، إلا لمصالح خالصة أو راجحة، مثل: الكذب من أجل الإصلاح ونحوه من المصالح المتحققة، أما المزاح في الكذب، فلا يحل بحال من الأحوال.

ولا أدري، أي ظرافة وطرافة، في السخرية من الوباء، وفيه: إدخال الشحناء، وبث البغضاء، والكراهية والبلاء.
وأكثر حياة الناس اليوم.. ظرف وطرف! فلم يجدوا مجالاً إلا في أقدار الله الكونية؟!

وأخيراً، أقول لك -كما قال الأول-:
احفظ لسانك أن تقول فتبتلى *** إن البلاء موكل بالمنطقِ!

رفع الله عنا البلاء والوباء، والزنا والربا، والقلاقل والزلازل والمشاكل، والفتن والمحن والإحن، ما ظهر منها وما بطن.

والله تعالى أعلى وأعلم وأجل وأحلم.


وكتب: وليد بن عبده الوصابي.
١٤٤١/٨/٦




إيضاح وبيان عن ليلة النصف من شعبان:

إيضاح وبيان عن ليلة النصف من شعبان:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد:

فإن شعبان، هو الشهر الذي يقدُم رمضان، وله مزية: أن النبي عليه الصلاة والسلام، كان يكثر الصوم فيه -كما روت ذلك زوجه عائشة رضي الله عنها- قالت: (كان رسول الله يصوم، حتى نقول لا يفطر، ويفطر، حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله، استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صياماً منه في شعبان).
رواه البخاري ومسلم.

وليلة النصف من شعبان؛ قد  اضطربت فيها أقوال الناس وأحوالهم.

وهذا تعليق مختصر معتصر، أسأل الله أن يكون خالصاً صواباً، وأن يجعل فيه الهمع والنفع، فأقول -مستعيناً بالمعين، وعليه المتكل، وهو المستعان-:

أما فضلها:
فقد ورد فيه عدة أحاديث، منها: ما هو صالح للاحتجاج، ومنها: ما هو ضعيف لا يحتج به، ومنها: ما هو موضوع باطل.

فمما هو صالح للاحتجاج: ما جاء عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان ليلة النصف من شعبان؛ اطلع الله إلى خلقه، فيغفر للمؤمنين، ويملي للكافرين، ويدَع أهل الحقد بحقدهم حتى يدَعوه).
رواه البيهقي، والطبراني، وحسنه الألباني، في (صحيح الجامع، برقم: ٧٧٣) ووافقه الشيخ مقبل الوادعي، في (الأجوبة السنية على الأسئلة التنزانية). 

وقد روي نحوه؛ عن عدد من الصحابة، وهم: أبو بكر الصديق، وأبو هريرة، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن عمرو، وأبو موسى الأشعري، وعوف بن مالك، وعائشة -رضي الله عنهم-.

قال الشافعي: "وبلغنا، أنه كان يقال: إن الدعاء يستجاب في خمس ليال: في ليلة الجمعة، وليلة الأضحى، وليلة الفطر، وأول ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان".
(الأم: ١/ ٢٦٤)

وقال المباركفوري: "اعلم أنه قد ورد في فضيلة ليلة النصف من شعبان، عدة أحاديث- مجموعها: يدل على أن لها أصلاً".
ثم أورد مجموعة أحاديث..
ثم قال: "فهذه الأحاديث بمجموعها؛ حجة على من زعم أنه لم يثبت في فضيلة ليلة النصف من شعبان شيء، والله تعالى أعلم".
(تحفة الأحوذي: ٣/ ٣٦٥ - ٣٦٧)

قلت: وأما ما ورد فيها، من أحاديث ضعيفة وموضوعة؛ فكثيرة، تطفح بها الكتب والمواقع والمنتديات!
ولا حاجة بي إلى ذكرها.

تنبيه: ذكر بعض العلماء.. أن ليلة النصف من شعبان، هي المرادة، في قوله تعالى: "إنا أنزلناه في ليلة مباركة" وقوله تعالى، بعدها: "فيها يفرق كل أمر حكيم".. وحكى الإمام الطبري، القولين، ورجح أنها: ليلة القدر.
ينظر: (جامع البيان: ٢٢/ ٩)

وقال ابن كثير: "ومن قال: إنها ليلة النصف من شعبان -كما روي عن عكرمة-؛ فقد أبعد النجعة؛ فإن نص القرآن، أنها في رمضان.
والحديث الذي رواه عبد الله بن صالح، عن الليث، عن عقيل عن الزهري أخبرني عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتى إن الرجل لينكح ويولد له، وقد أخرج اسمه في الموتى)؛ فهو حديث مرسل، ومثله لا يعارض به النصوص".
(تفسير القرآن العظيم: ٧/ ٢٤٦)

"ثم إن هؤلاء القائلين بهذا القول.. زعموا: أن ليلة النصف من شعبان، لها أربعة أسماء: الليلة المباركة، وليلة البراءة، وليلة الصك، وليلة الرحمة".
(مفاتيح الغيب: ٢٧/ ٦٥٣)

وأما قيامها:
فقد استحب بعض العلماء والفقهاء.. قيام هذه الليلة؛ لتعرُّض المؤمن إلى رحمة الله تعالى ومغفرته.

وقد سئل شيخ الإسلام، عن صلاة نصف شعبان؟
فأجاب: "إذا صلى الإنسان ليلة النصف وحده، أو في جماعة خاصة، كما كان يفعل طوائف من السلف، فهو أحسن.
وأما الاجتماع في المساجد على صلاة مقدّرة، كالاجتماع على مائة ركعة، بقراءة ألف: "قل هو الله أحد"، دائماً.. فهذا بدعة، لم يستحبها أحد من الأئمة، والله أعلم".
(مجموع الفتاوى: ٢٣/ ١٣١)

وقال شيخ الإسلام أيضاً: "ومن هذا الباب: ليلة النصف من شعبان، فقد روي في فضلها من الأحاديث المرفوعة والآثار- ما يقتضي أنها ليلة مفضلة، وأن من السلف من كان يخصها بالصلاة فيها".
(اقتضاء الصراط المستقيم: ٢/ ٢٣٦).

وقال الشيخ الألباني: "أما إحياء الإنسان، لهذه الليلة وحده بالعبادة المطلقة، في جملة ما تيسر له إحياؤه من ليال؛ رجاء أن يكون لها في استجابة الدعاء، وقبول العبادة.. المزية التي وردت في أحاديث فضلها؛ فليس فيه من بأس.
وهذه الأحاديث.. تكفي داعياً للإقبال فيها على العبادة، وتنفي أن يكون قيام الرجل فيها -بشيء من العبادة المطلقة عن التقييد بعدد معين، أو هيئة مخصوصة-.. بدعة، وإن لم تبلغ هذه الأحاديث درجة الصحيح.
وعلى هذا.. ليس على المسلم من حرج في إحياء هذه الليلة، منفرداً مع ربه -بمختلف أنواع العبادة- من صلاة، وذكر، وقراءة قرآن، ودعاء الأدعية المأثورة الصحيحة -؛ فإن ذلك أرجى للقبول".
(رسالة فيما قرره الثقات الأثبات في ليلة النصف من شعبان: ٦٤) لجماعة من علماء الأزهر، خرج أحاديثها: الشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني. 

قلت: وهذا يدخل في الفضل العام، لا خصّها بصلاة مخصوصة، وكيفية مخصوصة، وإنما المقصود: أن يكون الإنسان أقرب إلى الله تعالى، في تجلِّيه تبارك وتقدس، في تلك الليلة، وخير حال تصادفه، وهو في صلاة؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد، فأكثروا الدعاء).
أخرجه مسلم.

وقد علمت؛ أنه قد صلاها طوائف من السلف -كما تقدم آنفاً، عن شيخ الإسلام-.

وإنْ ترك الإنسان قيامها؛ ذرء استحباب شيئ، لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ فله ذلك، لكن دون إنكار على غيره، ولا تبديع أو هجر وتفسيق.
والله أعلم.

وأما ما يفعله كثير من المسلمين، من إحداث صلاة فيها، بعدد مخصوص، وقراءة مخصوصة؛ فهو بدعة محدثة.

يقول النووي: "الصلاة المعروفة، بصلاة الرغائب، وهي: ثنتا عشرة ركعة، تصلى بين المغرب والعشاء، ليلة أول جمعة في رجب، وصلاة ليلة نصف شعبان، مائة ركعة، وهاتان الصلاتان بدعتان، ومنكران قبيحتان، ولا يغتر بذكرهما في كتاب (قوت القلوب) و(إحياء علوم الدين) ولا بالحديث المذكور فيهما، فإن كل ذلك باطل، ولا يغتر ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمة، فصنف ورقات في استحبابهما؛ فإنه غالط في ذلك.
وقد صنف الشيخ الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي، كتاباً نفيساً في إبطالهما، فأحسن فيه وأجاد -رحمه الله-".
(المجموع: ٣/ ٥٤٨)

قلت: والحديث الذي أشار إليه النووي -رحمه الله- هو ما يروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (من صلى في هذه الليلة، خمس عشرة من شعبان؛ مائة ركعة؛ أرسل الله إليه مائة ملك، ثلاثون يبشرونه بالجنة، وثلاثون يؤمِّنونه من عذاب النار، وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا، وعشرة يدفعون عنه مكائد الشيطان).
رواه الإمام أبو الفضل محمد بن ناصر السلامي في كتاب "فضائل شعبان".
ينظر: (تخريج أحاديث الكشاف: ٣/ ٢٦١) للزيلعي.

وهو حديث باطل موضوع، كما قال الإمام النووي -رحمه الله- قبلاً.

ولم يثبت في تخصيص هذه الليلة.. صلاة معينة، أو دعاء معيناً، في شيء من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من أصحابه الكرام رضي الله عنهم.

وأول ظهور ذلك: كان من بعض التابعين.

قال ابن رجب: "وليلة النصف من شعبان، كان التابعون من أهل الشام، كـ خالد بن معدان، ومكحول، ولقمان بن عامر وغيرهم.. يعظمونها ويجتهدون فيها في العبادة، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها.
وقد قيل: أنه بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية، فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان، اختلف الناس في ذلك، فمنهم: من قبله منهم ووافقهم على تعظيمها، منهم: طائفة من عباد أهل البصرة وغيرهم، وأنكر ذلك أكثر علماء الحجاز، منهم: عطاء، وابن أبي مليكة، ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم، وقالوا: ذلك كله بدعة".
(لطائف المعارف: ١٣٧)

وقال ابن تيمية: "وأما ليلة النصف من شعبان؛ ففيها فضل، وكان في السلف من يصلي فيها، لكن الاجتماع فيها لإحيائها في المساجد.. بدعة".
(الفتاوى الكبرى: ٤/ ٤٢٨)

وأما صيام يومها:
ففيه تفصيل وبيان: فإن صِيم، على أنه يوم من أيام البيض الثلاثة، وهي: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، وليس منفرداً عنها؛ فحسن؛ للفضل العام الوارد في أيام البيض.

وإن صيم، على أنه يوم النصف من شعبان؛ فلا؛ لأن حديث الصيام المخصص له؛ حديث موضوع، فلا يصلح الاحتجاج به، والبناء عليه.

قلت: والحديث، هو ما جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (إذا كان ليلة النصف من شعبان؛ فقوموا ليلتها، وصوموا يومها، فإن الله تبارك وتعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا، فيقول: ألا من مستغفر فأغفر له، ألا من مسترزق فأرزقه، ألا من مبتلٍ فأعافيه، ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر).
رواه ابن ماجه، وفي سنده أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة القرشي العامري، رموه بالوضع.

ينظر: (الكاشف: ٢/ ٤١١)، و (ميزان الاعتدال)، و (تخريج الإحياء: ١ /١٦٤)، و (تذكرة الموضوعات: ١ /٣١٢)، و(ضعيف ابن ماجة، برقم: ٢٩٤)، و (السلسلة الضعيفة، برقم:٢١٣٢) و (مشكاة المصابيح، برقم: ١٣٠٨)، و (ضعيف الترغيب، برقم: ٦٢٣).

وللفائدة، فقد وقفت على أجزاء ورسائل، في فضل شعبان، منها:

- جزء (فضائل شعبان) وهو جزء حديثي، للحافظ أبي محمد عبد العزيز بن الأخضر، تـ٦١١.

- (فضائل شعبان)، للإمام أبي الفضل محمد بن ناصر السلامي، تـ٥٥٠.

- ما وضح واستبان في فضائل شهر شعبان، للإمام أبي الخطاب عمر بن حسن الأندلسي الشهير بابن دحية الكلبي، تـ٦٣٣.

- الكفاية في الرد على من أنكر صلاتي رجب وشعبان، للإمام أبي القاسم بن أحمد بن إبراهيم ابن مطير اليمني التهامي، تـ٨٤٤.

- مختصر في فضل ليلة النصف من شهر شعبان، للشيخ محمد أبو السرور البكري الصديقي، تـ١٠٠٧، وهي من كتاب (النبذة) لجده الشيخ أبي الحسن وشرحه، وسماه: (فيض المنان بشرح مختصر نبذة ليلة النصف من شعبان).
ينظر: (نتائج السفر: ١/ ٦١).

- نصيحة أهل الإيمان في فضل ليلة النصف من شعبان، للشيخ رجب بن محمد العمراني، فرغ منها، سنة ١١١٩.

ولا أدري، ما الذي ذكروه في مصنفاتهم، أو أثبتوه في مؤلفاتهم؟

فإن كان استحباب صلاة أو صيام.. فقد تقدم معك كلام الإمام النووي، في (المجموع: ٣/ ٥٤٨): "ولا يغتر ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمة، فصنف ورقات في استحبابهما؛ فإنه غالط في ذلك".

وقبل أن أختم: أدعو نفسي، وبني جنسي؛ أن نمحو ونزيل، ونغفر ونغسل- ما علق بقلوبنا من أدران وأضغان، وشحناء وبغضاء، وتهاجر وتدابر؛ حتى تدركنا مغفرة الله تعالى في هذه الليلة الفضيلة، بل وفي جميع الليالي والأيام.

وهذا هو الواجب على المسلمين.. أن يكونوا "رحماء بينهم" فلا غل ولا حقد، ولا كراهية ولا حسد، بل "أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين".

وهذا سبيل النصر والتمكين: التوحيد والتوحّد، وعدم الاختلاف والتنازع: "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين".

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً *** وإذا انفردن تكسرت آحادا

هذا ما تطلّب تحريره وتحبيره وتقريره؛ بياناً للعالَمين، وتذكرة وتبصرة للعالِمين.

والله أعلى وأولى، وأعلم وأحكم، وأجمل وأكمل.


وكتب: وليد بن عبده الوصابي.

ليلة النصف من شعبان، لعام ١٤٣٧
١٤٤١/٨/١١



الاثنين، 30 مارس 2020

المَقَامَةُ الكُوْرُوْنِية! (فيروس كورونا)!


المقامة الكورونية! (الوبائية)

قال لوين بن جوين: فتحت هاتفي ذات مساء، فألفيت رسالة همساء، من شيخ همام، وأستاذ أُمام، يلمح لي، بصنع مقامة كورونية، وما أحدثته من أحداث كونية.

فتبطّأت، وعن ذلك تلكّأت؛ لقصور باعي، وشدة التياعي، ونأيي عن الأهل والولد، وبعدي عن الصحب والبلد، لكني بعد تشاور مع نفسي، وتخابر مع بني جنسي.
أقدمت على الكتْب القادح، عن ذلك الخطب الفادح.

فأقول -ومن ذي الطول، أستمد الحول-:

بينا نحن ذات يوم، في جمع من القوم، نتجاذب أطراف الحديث، ونتجابذ الأدب القديم والحديث؛ إذ نطق أحد الحضور، بخبر خطير مفطور!
وكان في الجالسين، أحد الدارسين، فحملق في الناطق وحذلق، وقال: من تكون أيها الأحذق؟!
قال: أنا كرين بن برين، العربي الثمين- أحد بني قحطان، العرب القرمان.

وأنت من تكون أيها الأذلق، الجميل الأبلق؟
قال: أنا لوين بن جوين، العربي القمين، أحد بني عدنان، العرب الشجعان.

قال لوين بن جوين: يا أخا العرب، حدثنا، ما هو الخطب؟

قال كرين بن برين: إن هناك وباء تخطى القرونا، يسمى: فيروس كورونا، نشأ من دولة الصين، آكلي  القذر والنتين، أرْداهم صرعى، وتركهم قفعى!

ففغرنا الأفواه، واحتارت الأنباه، وبقينا مدهوشين، ولِما سمعنا، مشدوهين!

وتابع كرين بن برين.. يقال: إن هذا الفيروس، مزروع ومغروس، وهو سريع الانتشار، شديد الانشطار!

قال لوين بن جوين: يبعد أن يكون هذا الفيروس، من صنع أهل الصين أو الغرب أو الروس!
وإن كان؛ فهو بأمر الله جل جلاله، وتقدس جماله وكماله.
ولعله لنا خير، وعليهم شر وضير.. وأين نحن من تيك الدولة، التي بيننا وبينها مليون جولة!

قال كرين بن برين: ولكنه معدٍ، وللأنفس مقذٍ.. إنه ينتقل عن طريق اللمس والحس والجس، ناهيك عن الضم واللثم والقضم!

رد لوين بن جوين -ببرود وجمود-: دعك من الضم والشم، واللثم والقضم.. صف لي أعراضه، وما هي أحراضه؟

فأجاب كرين بن برين: إنه يشلّ العظام والمفاصل، ويفلّ الصدر والكلاكل، ويأخذ الرأس بالصداع، والأعضاء بالانصداع، ويسربل الجسد بالحمى، والروح بالغمى، ويضيق الأنفاس، على الناس!

قال لوين بن جوين: عجيبة هذه الأوصاف، وغريبة هذه الأرصاف.. وكأنك تتحدث عن الكرفس، ولا أعني: نبتة الكرفس! لا، بل هو مرض وحرَض، زار مدينة الحديدة المجيدة، وهذه هي أعراضه، وأوصابه وأنقاضه!

قال كرين بن برين: ولكنه وباء أصاب العالم، وغيّر المنار والمعالم، وهو الآن، قد دار على الكرة الأرضية، فجعلهم في حالة مرَضية، سوى بلاد اليمن السعيد، الذي يعيش الفقر الشديد!

رد لوين بن جوين: ما شاء الله، وسبحان الله، والحمد لله، كل شيء بقضاء وقدر، ولا يغني حذر من قدر، ولعلها رحمة من الله سبحانه، بتلك البلاد المزدانه.

مسكينة هي اليمن، بلاد الفقه والحكمة والإيمان واليمن.. فلا زالت ترزح تحت نير الحرب، والقصف والضرب، مع معاناتها المرض والسقم، والفقر والعدم، ولكن، "إن الله لطيف بالعباد" أهل الحضر والبواد.

قال كرين بن برين: حمداً للحميد، وشكراً للمجيد؛ فإن هذا الوباء، على المسلمين خفيف، لكنه على الكافرين عنيف، فالأعداد في ازدياد، والأرقام في ارتياد!

قال لوين بن جوين: إن الله عدل حكيم، وإن عذابه شديد أليم؛ فإن دول الغرب الكافرة، قد تجبرت وقهرت، وها هي تدور عليها الدائرة!

بل إنهم تحدوا الجبار، وتعدوا على القهار، فها هو يقصمهم، ويفل قوتهم ويقسمهم (إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته) فلا يقاوِم!

وقد ظهرت دول الغرب الكافرة، على حقيقتهم الماكرة؛ فإنهم يتشدقون بحقوق الإنسان، ويتفيهقون بتحرير النسوان!
وها هم، يميطون اللثام عن وجوههم القبيحة، ويكشفون الحجاب عن أخلاقهم الوقيحة؛ فقد تخلوا عن إنقاذ النفوس، في سبيل الكؤوس والفلوس!

بل خرج من يصول ويجول، ويقول: ماذا.. حتى لو مات الملايين، في سبيل الرسماليين!
إلى غير ذا، من السخف والهذاء، الذي ينم عن الأثرة والجشع، ويشي بالوأد البشع!

قال كرين بن برين: وذلك على عكس الدول الإسلامية، فإنهم أظهروا الرابطة الإخوانية، والرحمة النفسانية، وأوعزوا إلى شعوبهم، الاهتمام بشؤونهم.
وأمروهم، بالحجر، للمصح؛ عملاً، بحديث: (لا يورد ممرض على مصح) مع الأخذ بالأسباب الشرعية، والاعتماد على رب البرية.

قال لوين بن جوين: ولكن العجب من بعض العرب، فهم مثل الجرب..
أعني: بني عَلمان والأذناب، من يلصقون الإسلام بالإرهاب؛ لا زالوا في غيهم يعمهون، فهم لا يعلمون ولا يفقهون، بل ربما كان النصارى، واليهود الحيارى؛ أقوم منهم قيلا، وأهدى سبيلا!

قال كرين بن برين: ما بال هذه الخشارة، وما شأن تيك الخثارة؟! فإني أعلمهم، "يسارعون فيهم" للتغريب، ويسعون نحوهم، في طمس التعريب!
"وما هم بضارِّين به من أحد" وإن سعوا للأبد "إنهم يكيدون كيدا * وأكيد كيدا * فمهل الكافرين أمهلهم رويدا" ولن ينفعهم التعلمن أو التحدث، ولا التبرلل ولا الهويدا!

قال لوين بن جوين: لا زالوا يعلقون رفع الوباء بالماديات، مشككين في قدرة رب البريات!
وليتهم، عملوا بالمادة، مع سير الجادة، في رد الأسباب إلى المسبب، الراحم وحده والمعذب؟!

قال كرين بن برين: دعك وشأنهم، فهذا هو ديدنهم، لكن "إن ربك لبالمرصاد" "وعد الله لا يخلف الله الميعاد".

قال لوين بن جوين: ولو ترى، إلى فدح الخسارات، وإلى حجم الانهيارات.. إنه شيء مهول، وكأنها كارثة التتر والمغول، وإن كانت هذه أبعد زماناً، لكنها أوسع مكاناً!

قال كرين بن برين: بل، لو رأيت، كيف أعلنوا العجز، وتواصوا بالحجر والحجز؛ للحد من انتشاره، والسد عن انتصاره!

قال لوين بن جوين: وقد لزم الناس البيوت، ولاذوا بالصمت والسكوت، وأقفلت المساجد والمآذن، وغلقت المسارح والمواطن، وسكرت الأسواق والسهرات، والحفلات والسمرات، ولاذ الناس إلى الجبار، ورفعوا أصواتهم بالجُآر!

قال كرين بن برين: ولو رأيتني أنتشي، وأنا في طريقي نحو الحرم وأفتشي؛ لأداء العمرة؛ وطرد الغمرة- وقد أعلنوا منع الطواف؛ حفظاً لأرواح الطُوّاف؛ لرأيت الدمع واكفاً، والقلب على الوصب عاكفاً..

وتلمظت بزورته، والدرور بدورته، ذات ليلة جمعة مباركة، ولكنه كان خلواً من الجمعة والمحاركة!
فلا إله إلا الله، ولا بلاغ إلا بالله، إليه المرجع وإليه المآب، و"إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب".

قال لوين بن جوين: ولو سمعت، المؤذن، وهو يصدح في الأذان باكياً، ويتلعثم في الإعلان راجياً، لا يستطيع إكماله، ولا يريد إهماله!
قائلاً: صلوا في رحالكم .. صلوا في رحالكم!
والصالحون حين سماع هاته الكلمة، كأنهم في كَلمة، تشتبك دموعهم، ويتذكرون جموعهم وخشوعهم!
حتى النساء في المنازل، تفطرت قلوبهن لهذه النوازل!

قال كرين بن برين: ولو نظرت إلى رواد الجوامع، وقاصدي بيوت الله الرواكع، والناس هواجع.. كيف تقرحت منهم الأكباد والقلوب، وسالت دموعهم حتى بلّت الجيوب!

قال لوين بن جوين: لا عجب في ذلك، ولا غرابة فيما هنالك؛ فإن النبي الأعظم، محمد صلى الله عليه وسلم، قد أخبر عن أمثالهم، وحدث عن أشباههم، فقال: (ورجل قلبه معلق بالمساجد) وهذا حال الموفقين الأماجد.

قال كرين بن برين: ولو نظرت إلى حالي، وأنا في مكان عن الناس خالـ(ـي).. لا أخرج إلا لِماما، وإذا خرجت؛ أكون لابساً الجوارب والكمامـ(ـا)!

قال لوين بن جوين: إن العزلة، خير لك بالجملة وفي الجملة، وفي الأثر: (العزلة؛ خير من جليس السوء) وأكثر الناس، اليوم في ندوب ونتوء، وقد حذِر الناس السلام، بل حتى الكلام؛ خشية الإصابة، وحفظاً للإطابة!
وهم في هرج ومرج، ولا دخول ولا خرج.
عاكفون على الأخبار، وهاربون من الأخطار، وواقون أنفسهم عن الأضرار!

قال كرين بن برين: ولكن، للأسف، لقد أظهر هذا الفيروس الحقير، تعلق الكبير والصغير، بالأسباب المادية، وضعف الاستناد إلى رب البرية!

قال لوين بن جوين: لكن في الله الأمل، مع حسن الظن والعمل، والله لا يعذب الأحباب، وهو سبحانه غني عن التعذيب والعذاب، ولكن الباطل قد كثر حتى أزبد وأرعد، والحق انحسر حتى أبعد وأقعد!

قال كرين بن برين: صدقت، وبالحق نطقت؛ وإن بوادر الانحسار في الأفق لائحة، وسوانح الشفاء في الخلق واضحة.

قال لوين بن جوين: نسأل الله العافية والشفاء، ورفع الضر والوباء.
ونرجوا، أن تكون في هذه البلايا، رجوع البرايا، إلى القاهر القهار، القادر الجبار.

ونرجو، أن يكون فيما نزل؛ سبباً في صلاح القول، وإصلاح العمل، وبعداً عن الزلل، ونأياً عن الخطل، وحذراً من المطل.

ونرجوا، أن يكون سبيلاً لترك الصغائر والكبائر، وقلع الفواقر والبواقر، وقفل دور السينما والاختلاط، وغلق زور اللغط والانحطاط.


وأختم داعياً وشاكياً وراجياً: (اللهم إنه قد عظُمَ الخطْب، واشتدّ الكرب، وتفاقم الشر، وتراكم الضر، ولا إلٰه إلا أنت، بك المشتكى، وإليك الملتجى، وعليك المرتجى، وأنت المستعان، وعليك التكلان، ولاحول ولا قوة إلا بك العزيز الحكيم، العلي العظيم).

(اللهم لا راد لقضائك، ولا سخط على بلائك- أمرت فأطعنا، وابتليت فرضينا، فأمطرنا غيث إحسانك، وأذقنا برد رحمتك، وألهمنا جميل صبرك، وثبت قلوبنا على طاعتك، فلا عون إلا بك، ولا ملجأ إلا إليك، إنك أرحم الراحمين، وأعدل الحاكمين).

"إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين"، وألقاكم في عفو وعافية إلى يوم الدين، وسلام الله عليكم في الأولين والآخرين.


وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي.

١٤٤١/٨/٦
يوم الاثنين (الأهون الأوهد)، بمكة المكرمة -حفظها الله وسائر ديار المسلمين من كل مغرمة-.

السبت، 21 مارس 2020

قراءة في سيرة الطبيب الحكيم: حسني سبح!

قراءة في سيرة الطبيب الحكيم: حسني سبح!


قرأت في سيرة هذا الرجل العصامي: حسني بن يحيى سبح.. مما جمعه تلميذه الطبيب صادق فرعون..

فوجدت فيها خصالاً مجيدة، ومواقف مفيدة.. تصلح أن تكون مُثلاً للشادين، ومثلاً للجادين.

وهذا ما سجلته بعد قراءتي سيرته، في جلسة واحدة، فصلتْ بينها صلاة المغرب -في البيت، بسبب فيروس كورونا، نسأله سبحانه اللطف والعطف-، فخذها دون ترتيب أو تشذيب.
أقول: لمست وحسست في سيرته، ما يلي:

-النشاط العجيب، ونفض الفراش عن جسده، وإزالة الوسن عن عينيه؛ ليصافح النجوم، ويتربع على معاقد العز!
والعجب، أن يدرس الطب وهو في الثالثة عشر من عمره الطويل المبارك. وكان يتقن خمس لغات: العربية، والإنكليزية، والفرنسية، والألمانية، والتركية!

-حب العمل، والسعي الدؤوب.. فقد خدم حكومته وشعبه، خمساً وستين سنة، وهو في سلك التدريس والتطبيب والكلية والجامعة والمجمع.

-العمل بصمت مع الخفاء، والبعد عن الأضواء!
ولعمري، إن هذا آية إخلاص.

-الرفق بالآخرين، والإحسان إليهم، والشعور بهم، ومعالجتهم دون نظر إلى مال أو رياش -وهكذا هي وصيته الرائعة لخرّيجيه- التي يقول فيها: "أنهيتم دروسكم الطبية... وخرجتم إلى ميدان العمل- إنكم تخطئون إذا ظننتم، أنكم أنهيتم التحصيل، وأغلقتم باب الدرس- إنكم قد أنهيتم تحصيلكم في هذه المدرسة، وبدأتم الدرس في مدرسة ثانية، -أعني: مدرسة العالَم-، وأمامكم الآن، فحوص أخرى، وليس الفاحص أستاذكم، بل المريض الذي يأتيكم مستشفياً، وستدوم هذه المدرسة ما دامت الحياة، والخُطا الواسعة التي يرغب كل واحد منكم أن يخطوها تكون بما أعدّه لها من عدة، وما هذه العدة إلا بأمرين: الأخلاق الحميدة، والعلم الصحيح، وقد قدمت الأخلاق على العلم؛ لأن العلم لا يجدي الطبيب نفعاً، إذا كان خلواً من الأخلاق، غير متحلٍ بالفضيلة.
فعليكم أولاً: أن تتمسكوا بالفضيلة، وتتحلوا بالأخلاق الحميدة، وتجعلوا نصب عيونكم؛ خدمة الإنسانية المتألمة، بدون تفريق بين الشعوب والأديان!، لا تكونوا ماديين، ولا تسعوا إلى المادة- ساعدوا الفقير جهد طاقتكم- ارفقوا بالضعيف، ولا تردوا طلب بائس.
إنكم تعلمتم، ولا شك، الشيء الكثير، فإذا لم تثابروا على العلم؛ جفت معارفكم، ونضب معين علمكم. علیکم بالاختصاص؛ فهو سر النجاح.
انبذوا الكبرياء جانباً، ولا تأنفوا من السؤال والاستفادة، بل عدّوا أنفسكم دائماً تلامذة، و اسألوا من كان أوسع منكم علماً، واعلموا أن فوق كل ذي علم عليم، (وقل ربي زدني علما).

"أيها المجازون -في هذه السنة-: بعد قليل، ستتسلمون شهاداتكم المشعرة بانتهاء دراستكم، وقد برحتم مقاعد الدرس إلى أمكنتكم في معترك الحياة.
ها إن حياة العمل، تفتح لكم بابها على مصراعيه، فادخلوها آمنين، بعد أن أعددتم لها هذه العدة، وتزودتم بهذا الزاد، ولا يغرنكم ما أصبحتم حامليه من لقب، ولا تأخذنكم الخيلاء بما وصلتم إليه من مرتبة، فحياة العمل تتطلب جهداً متواصلاً وإقداماً، والجمع ما بين العلم والعمل.
وعما قريب، ستقطفون ثمار جهدكم في ربيع الحياة- والثمر يعود بعضه على أشخاصكم، وعلى أسركم، ويعود بعضه الآخر، -وهو الأهم-، على وطنكم الذي يتلهف إلى رؤية أمثالكم؛ ليخدموه بعلم وإخلاص، وعلى أمتكم التي ترنو إليكم بعين ملؤها الأمل والرجاء...".

-الوفاء بالوعد، حتى وهو على فراش مرضه الذي مات فيه!
يدخل عليه تلميده، الدكتور صادق فرعون، في مرض موته، فيبادره بقوله: "أن يسرع، فيتصل بالأستاذ شوكة القنواتي، ويذكر له ويبلغه، أن زميله الأستاذ سبح، ما يستطيع أن يذهب لزيارته التي وعده بها؛ لأنهم أتوا به فجأة إلى هذا المستشفى وهو في طريقه إلى مجمع اللغة العربية"!
وكان بينهما لقاء كل خميس.

وفي مقدمة الجزء الأخير، من معلمته الطبية، يقول: "إني بإقدامي على طبع هذا الجزء السابع والأخير من سلسلة (علم الأمراض الباطنة)، وإخراجه إلى حيز الوجود.. أفي بوعد مسبق لي أن قطعته عام ١٩٣٥، عندما أصدرت الحلقة الأولى من السلسلة، ذاك الوعد الذي طالما طالبني بإنجازه طلاب كلية الطب في الأمس، وزملائي اليوم.
وعلى ذلك، فقد انقضى بين الوعد وتحقيقه.. اثنتان وعشرون سنة، تحكمتْ في خلالها عوامل عدّة لم يكن بالإمكان، اجتناب أثرها".

وكان لشدة حرصه على الوفاء بالوعد؛ أن جعل له جدولاً بأعماله اليومية المختلفة، يؤديها في أوقاتها دون تخلف، وكان يحدث أصحابه ببركة هذا الالتزام!
قلت: وهذا خلق مضيّع في زمننا، لدى الكثير والكثير من الناس، بله من طلبة العلم!

-حسن العهد، فلا يلمّ بأحد مرض، فيعالجه، إلا انتظمت زيارات الدكتور له على غير العادة، حتى يطمئن على شفائه؛ ذاكراً حديث: (إن حسن العهد؛ من الإيمان).

-أمانة المهنة؛ فلم يكن همه المال، أو الشهرة، أو الظهور، بل كان قصده: بذل ما يمكنه لشفاء الآخرين، دون استكثار من الأدوية -كما هو صنيع بعضهم-؛ لغرض المتاجرة بأرواح الناس، بالاتفاق مع العيادات والمستشفيات.

وقد أرجأ إبرام عقد، لشراء أجهزة طبية؛ لاستغلال الشركة البائعة لمن قبله، وذلك لجهله بقيمتها، حتى أرجع ثلاثين ألفاً إلى الكلية!

-أمانة الكلمة، فحينما قرأ تعريب (معجم كليرفيل) الطبي.. رأى فيه بعض الهنات والملاحظات، فكتب نظراته حوله، في سبع وستين مقالة، على مدى ثلاثة وعشرين عاماً، نشرها، في (مجمع اللغة العربية)، ثم جمعها في كتاب ناف الألف!

-الاعتزاز بلغته العربية، بل وجعلها هي لغة الطب، الذي عزّ أن تكون كلية طبيه بالعربية سواها، وكان ذلك بهمته القعساء!

يقول في مؤتمر القاهرة الطبي: "واللغة... ومن ورائها وحدة الثقافة-؛ هما الأساس المكين الذي ينبغي أن يبنى عليه صرح الوحدة العربية المنشودة، وإذا تركنا نحن معاشر الأطباء- أمر تحقيق هذه الأمنية الغالية (أي: الوحدة العربية)، إلى الزمن، وإلى رجال السياسة، فعلينا واجب تمهيدي، نكون مسؤولين أمام الله، والتاريخ، والأجيال المقبلة إذا لم نشمر عن ساعد الجد لتحقيقه، أعني: به توحيد الثقافة، وإحلال لغتنا العزيزة المكان اللائق بها، والناطقون بالعربية قوم واحد، مهما اختلفوا في المنشأ والسلالة ومسقط الرأس".

وقد أرسل إليه رئیس جامعة عربية في قُطر شقيق، رسالة في أمر هام، أرسلها باللغة الإنكليزية، فامتعض، ورد إليه هذا في الجواب: "أنت عربي، من قطر عربي، وفي جامعة لغتها الرسمية- هي العربية، وأنا كذلك؛ فتفضل واكتب إلي بالعربية- لغة بلادك وبلادي، في حكم الدستور"!

-تشجيع طلبته، والأخذ بأيديهم؛ ليكونوا غداً زملاءه، بعد أن كانوا بالأمس طلابه، بل صرح بهذا الخلق النادر!
وهو لا يجد في ذلك غضاضة، كما يجدها بعض صغار النفوس!

-الأناة والتؤدة؛ لأن همه الكيف لا الكم، وربما جمعهما؛ لإتقانه لهما..
فهو يصنف معلمته الطبية، في (علم الأمراض الباطنة)، في عويصها وحزونها، في سبعة مجلدات= وقد مكث فيها نحو ٢٢ عاماً! من سنة ١٣٥٤هـ إلى سنة ١٣٧٦هـ.

وحينما قرأ تعريب (معجم كليرفيل) الطبي.. رأى فيه بعض الهنات والملاحظات، فكتب نظراته حوله، في سبع وستين مقالة، نشرها، في (مجمع اللغة العربية)، على مدى ثلاثة وعشرين سنة، بدأها سنة ١٩٥٩م إلى ١٩٨٢م، ثم جمعها في كتاب ناف الألف!
بالإضافة إلى تواليف أخرى، ونحواً من (١٥٧) مقالاً!


-وأخيراً.. فقد كان الرجل مثال الدقة والترتيب في حياته!
وسبحان الله، عندما نظرت إلى تواريخ في حياته؛ وجدتها تشي بدقة وترتيب، دون إرادة منه وقصد!
فمثلاً:
*ولد سنة ١٣١٧هـ /١٩٠٠م وتوفي ٢٩ ربيع الثاني ١٤٠٧هـ/ ٣١ كانون الأول ١٩٨٦م

*تولى رئاسة المجمع عام ١٩٦٨م حتى وفاته عام ١٩٨٦م.

*انتسب في النادي العربي، في (١٠ جمادى الأولى ١٣٣٧هـ /١٠ شباط ١٩١٩م).

*قضى سبعين عاماً في وظائفه لا يتخلف عنها.

*توفي في ١٩٨٦/١٢/٣١م.


هذه بعض قطف قراءتي، لكتاب (الأستاذ الدكتور حسني سبح.. أحد أساطين تعريب العلوم الطبية)، تأليف تلميذه الدكتور صادق فرعون.

أرجو أن يكون فيها إشارة إلى وميض من حياته الصادقة، ومواقفه الصادعة، وأرجو أن نكون متبعين خطى الأسلاف في شتى ينابيع المعرفة، ومرابع العلوم.

وكتب: وليد أبو نعيم.
١٤٤١/٧/٢٦


الجمعة، 20 مارس 2020

تاريخ ابن الساعي.. والاضطراب في اسمه، والزيادة على رسمه!


تاريخ ابن الساعي.. والاضطراب في اسمه، والزيادة على رسمه!


الإمام المؤرخ البارع: تاج الدين، أبو طالب، علي بن أنجب بن عبد الله بن عمار بن عبد الله ابن الساعي البغدادي السلامي الشافعي.

ولد سنة ٥٩٣، كان إماماً حافظاً، فقيهاً بارعاً، مبرزاً على أقرانه، قارئاً بالسبع مؤرخاً شهيراً، متضلعاً في علم الحديث.
هذه خلاصة بعض أوصاف العلماء لابن الساعي.

تسلّم ابن الساعي، وظيفة الخازن في خزانة دار الكتب بالمدرسة المستنصرية، والمدرسة النظامية؛ ولذلك عرف، بـ الخازن.

وكان من نتاج هذه المهنة المهمة؛ أن أخرج لنا تراثاً ضخماً فخماً، في التراجم والسير والأخبار والحوادث.

وبعد حياة حافلة بالعلم والتأليف؛ ألقى عصا التسيار، وفارق دنيا الأغيار، عن إحدى وثمانين سنة، في رمضان المعظم، سنة ٦٧٤، ودفن في مقبر الشونيزي، بالجانب الغربي من بغداد، وهي المقبرة التي كتب عنها مؤلفاً، بعنوان: (

ومما استوقفني من تواليفه، هو تاريخه المهم، الملقب، بـ تاريخ ابن الساعي؛ وذلك للاضطراب في اسمه، والدس فيه، والزيادة عليه، فأردت الإدلاء برشفة من شفة، لعل مليئاً، يدلي بدلاء وطيبة.

وهو تاريخ مهم -كما يذكر القدحات، في تحقيقه له-؛ وذلك لأن مصنفه كان شاهد عيان، لما كانت عليه بغداد قبيل الغزو المغولي وبعده، بل يكاد يكون المصدر الوحيد لكثير من المعلومات، عن الحوادث التاريخية، التي مرّت بها الخلافة العباسية في هذه الحقبة العصيبة من تاريخها، وقد كان مصدراً هاماً، بل يكاد يكون الوحيد الذي استقى جميع المؤرخين الذين جاءوا بعده مادتهم منه، أمثال صاحب، كتاب "الحوادث الجامعة" (وليس هو ابن الفوطي)، والأشرف الغساني، الذي اعتمد اعتماداً كبيراً على تاريخ ابن الساعي في تصنيف كتابه (العسجد المسبوك والجوهر المحكوك في طبقات الخلفاء والملوك).

وتاريخ ابن الساعي؛ هو ذيل، لـ (تاريخ بغداد)، للإمام أبي سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني المروزي، تـ٥٦٢.

وذيّل على تاريخ ابن الساعي؛ علي بن محمد الكازروني، تـ٦٩٧.

وذيل عليه أيضاً؛ بنحو من ثمانين مجلدة.. تلميذه كمال الدين أبو الفضل عبد الرزاق بن أحمد بن محمد الصابوني، المعروف، بـ ابن الفوطي، تـ٧٢٣، عمله لـ الصاحب علاء الدين عطا ملك الجويني.
ينظر: (شذرات الذهب: ٦/ ٦١).


أقول: وقفت لهذا الكتاب، على أربع نشرات:
الأولى: هي نشرة المطبعة الأميرية ببولاق، سنة ١٣٠٩، وسموه (مختصر أخبار الخلفاء).

وهذا المختصر؛ لا يثبت لابن الساعي، بل هو لرجل من أهل القرن الثامن للهجرة، وليس هو ابن الساعي، -كما ذكر مصطفى جواد، في مقدمة (الجامع المختصر: ف).

ومما يقوي هذا؛ أن محققا كتاب "الدر الثمين في أسماء المصنفين" للمصنف، (أحمد شوقي بنبين - ومحمد سعيد حنشي) لم يذكرا ضمن تصانيفه، التي بلغت عندهم ٦٤ مصنفاً، هذا العنوان (مختصر تاريخ الخلفاء) بل ذكرا (أخبار الخلفاء) وقالا: نسبه إليه حاجي خليفة، فقال: "وهو كبير في ثلاثة مجلدات"، وذكره أيضاً، بعنوان: (مناقب الخلفاء).


وهناك مقال، للأستاذ يوسف الهادي، بعنوان: هل من صلة بين كتاب مختصر أخبار الخلفاء وابن الساعي؟
نشره في (مجلة العرب)، سنة ٢٠١٠.

ويتنبه؛ إلى أن غرضه من هذا المقال؛ إبطال اتصال ابن العلقمي بالمغول!
وقد أثبتت في كتب أخرى.

وذكرت (المختصر) هنا، أنه طبعة من طبعات (تاريخ ابن الساعي)؛ لأني وجدت بعضهم، يعدهما كتاباً واحداً، مثل إليان سركيس، فقد قال: "مختصر أخبار الخلفاء، ويعرف، بتاريخ ابن الساعي، وهو يتضمن تاريخ الخلفاء العباسيين فقط"!
(معجم المطبوعات العربية
والمعربة: ١/ ١١٥).

وقد فرق بين (مختصر أخبار الخلفاء)، و (الجامع المختصر)؛ كرد علي، في (مجلة الرسالة، العدد: ١٣٣).

قلت: وهي مع هذا الوهم؛ فإنها طبعة لا يعتمد عليها؛ فإن أبا الهدى الصيادي المعري، تـ١٣٢٨، قد دَسّ فيها ما يخدم أربه، لا سيما ما يتعلق بـ أحمد الرفاعي، والأنساب، وليس عبثه في هذا الكتاب فحسب، بل طال غيره من الكتب.. مما حدا بالعلامة راغب الطباخ، أن يجعل هذا الكتاب من وضع الصيادي!(١)

وللزيادة، ينظر: (جناية الصيادي على التاريخ: ٦١) وما بعدها، للشيخ عبد الرحمن بن سليمان الشايع.. ففيه فضحه، وكشف زيفه، بأدلة وبراهين.


الثانية: نشر، باسم: (الجامع المختصر في عنوان التواريخ وعيون السير)، نشرها العلامة مصطفى جواد، سنة ١٣٥٣، عن المطبعة السريانية الكاثوليكية في بغداد، على نفقة الأب أنستاس الكرملي.
وزبر على طرته: المجلد التاسع.

وقدم مقدمة، بعنوان (نظم الدولة العباسية)، فاشتملت مقدمته للكتاب ٤٢ صفحة.
ولعل هذه التسمية؛ هي جادة الأمر وأنهجه؛ لما سيأتي.

تنبيه: نسب بعضهم التحقيق، للعلامة جواد علي!
ولا أعلمه حققه، فلعله وهم منهم؛ لتشابه الأسماء.
والله أعلم.


الثالثة: نشر، بعنوان (تاريخ الخلفاء العباسيين) لابن الساعي، تحقيق: عبد الرحيم يوسف الجمل، نشرته: مكتبة الآداب للطباعة والنشر.

ولا أعلم عنها شيئاً؛ لأني لم أجدها مبدأفة (أو قل: منورقة)!
ولكن من خلال التعريف به؛ حدست أن يكون هو هو.
والله أعلم.


والطبعة الرابعة: هي نشرة الدكتور محمد عبد الله القدحات، بعنوان: (تاريخ ابن الساعي - الجزء التاسع) وبذيله: من الضائع من تاريخ ابن الساعي، عن دار الفاروق بالأردن.

ولعلها -والعلم عند الله-؛ أفضل طبعاته من حيث التحقيق حاشا التسمية، وقد سمعت مدحاً لها، وثناء عليها، وإشادة بها.. من خريت الكتب: الدكتور عبد الله البطاطي، في برنامجه الماتع (الخزانة).

وقد توصل الدكتور قدحات؛ إلى أن هذه القطعة، هي الجزء التاسع من (تاريخ ابن الساعي).

ويشك.. أن يكون لابن الساعي، كتاباً، بعنوان (الجامع المختصر)؛ لأن المؤرخين من القرن السابع والثامن، أمثال: تلميذه ابن الفوطي، والذهبي، وابن رجب؛ لم يذكروا له هذا الكتاب ضمن تواليفه.

ويذكر، أن أول من ذكر (الجامع المختصر)، وأشار إلى عنونته هذه.. هو المؤرخ السخاوي، تـ٩٠٢، في (الإعلان بالتوبيخ: ٢٤٢)، بعد أكثر من مائتي سنة من وفاة المؤلف!

قلت: وتبعه، الحاج خليفة، في (كشف الظنون: ١/ ٢٧٨) والبغدادي، في (هدية العارفين: ٥/ ٧١٣) وغيرهما.

ولكن، مما يبطل هذه الأولية؛ هو أن المصنف نفسه، ذكرها في مقدمة كتابه (الدر الثمين: ١) فقال: "ومن عدا هؤلاء؛ فقد ذكروا في كتاب (التاريخ الجامع المختصر) من الحكماء والأطباء والكتاب والبلغاء وغيرهم".

وتسمية المصنف لكتاب من كتابه؛ حسبك به، وإن هو لم يذكر العنوان كاملاً، إلا أنها إشارة بينة.

وقد عد محققا كتاب "الدر الثمين في أسماء المصنفين" (أحمد شوقي بنبين - محمد سعيد حنشي)، للمصنف، ٦٤ مصنفاً، ولم يذكرا فيها، هاته التسمية: (تاريخ ابن الساعي)!
فلعلها جاءت من قبيل التسامح في العناوين، من نسبة التاريخ إلى جامعه دون تسميته العِلمية العَلمية، وهذا مشتهر جداً، لا سيما، التواريخ والتفاسير، حتى أن التسمية الحقيقة للكتاب؛ قد تغيب عن بعض أهل العلم.
وفي تسمية مصنفه له، بـ (التاريخ الجامع المختصر)؛ ما يلمح إلى هذا الملمح.

وقد فرق الحاج خليفة، بين (تاريخ ابن الساعي)، و (الجامع المختصر).
ينظر: (كشف الظنون: ٢٧٨ - ٥٧٣)! وقد تقدم معك ما ينافيه.

ثم يفترض الدكتور.. بأنه حتى لو أن لابن الساعي، كتاباً بهذا العنوان؛ فإن هذه القطعة ليست منه؛ لأنها، لا تتناسب مع التاريخ، وتتنافى مع الاختصار؛ إذ أن القطعة، تبلغ أوراقها ٣٦٠ ورقة، تغطي الفترة الواقعة، بين ٥٩٥ - ٦٠٦، يعني: عشر سنوات تامة -كما يذكر العلامة محمد كرد علي، في مقاله عن ابن الساعي، في (المقتبس: ٣/ ٩٣)-، وهذا طول في التاريخ، لا يتناسب مع الاختصار!

أقول: ليس شرطاً لازباً، أو قاعدة مطردة- تصلح أن تكون دليلاً قاطعاً، وحكماً فاصلاً؛ لأن هناك مصنفات، لقبت، أنها: مختصرات، وفيها طول بيّن، فمثلاً: (مختصر شرح الروضة) للطوفي، ناف على أصله (روضة الناظر) لابن قدامة، و (سبل السلام) للصنعاني، ناهز أصله (البدر التمام) للمغربي، و (تفسير البغوي) قارب أصله (تفسير الثعلبي) وغيرها كثير.

بل إن قول ابن الساعي: "ومن عدا هؤلاء؛ فقد ذكروا في كتاب (التاريخ الجامع المختصر) من الحكماء والأطباء والكتاب والبلغاء وغيرهم".. إيحاء أنه كتاب كبير؛ لما يحويه من تراجم شتى للحكماء والأطباء والكتاب والبلغاء.. فهذا يدل على شمول.
وكلمة (الجامع) واضحة الدلالة على الكبر والعظم والسعة، ولعل كلمة (المختصر)؛ أنه مختصر بالنسبة لغيره من المطولات، لا سيما تواريخ بغداد وذيولها الكثيرة الغزيرة، -وقد كان مغرى بها-.
أو ان ذلك؛ للتواضع والاعتراف -على عادة بعض العلماء في ذلك-.
والله أعلم.


ويرى الدكتور.. أن العبارة المرسومة على طرة المخطوطة (الجزء التاسع من الجامع المختصر، للخازن)؛ عبارة مقحمة، كتبت بخط مغاير؛ متوقعاً، أن أحد المتملكين هو الذي أقحمها وأدرجها، وهذا ليس بغريب على تراثنا!

أقول: وإن كانت مقحمة، فلا يصح دليلاً، بعد أن عرفت نص المصنف على تسميته بذلك.
ولا يستغرب إقحامها؛ لأن الأصل، أن يكون العنوان في طرة الكتاب، أو في غرة كل مجلد، وقد تكون هناك خروم في أول المجلد، ذهبت بالعنوان، فلما وقف على هذه القطعة، أثبت الناسخ أو غيره، العنوان الحقيقي للكتاب، في أعلى الصفحة.
والله أعلم.

ثم ذكر قدحات.. الأسباب التي دفعته إلى تحقيق الكتاب ونشره، ومنها:
أ) أنه بعد مطالعة المخطوط ومقارنته مع ما طبع؛ وجد كثير من السقط، سواء في الكلمات، وحتى فقرات بكاملها، كما أن هناك كثيراً من التصحيف ورد في النسخة المطبوعة، إضافة إلى ذلك قام الدكتور جواد بإضافة نصوص كثيرة للنص الأصلي، كان هدفه محاولة سد النقص الناجم عن سقوط بعض ورقات من الكتاب، وبعد الاطلاع على هذه النصوص المضافة.. نجد أن غالبها لا داعي لها؛ لأنها ليست من المخطوط، ولا يمكن الركون إلى أنها هي عين ما سقط، أو ما يشبهه، وفي الوقت نفسه: قام الباحث، بإثبات بعضها، وخاصة تلك التي تكمل بعض التراجم بعد مقارنتها بنصوص المصادر الأخرى المعاصرة.

ب) أهمية هذه الفترة من تاريخ الخلافة العباسية، وقلة المصادر التاريخية التي تناولتها؛ كانت دافعاً آخر للباحث؛ ليقوم بتحقيق الكتاب من جديد، خاصة أن النسخة المطبوعة صارت نادرة كنُدْرة مخطوطته، فقد مضى على نشرها أكثر من سبعين عاماً.
ينظر: مقدمة (تاريخ ابن الساعي: ث).

هذا ما أردت تقييده وتعضيده؛ للفائدة والعائدة، وأرجو أن أكون وفقت للصواب، وإلى الله المرجع والمآب.


وكتب: أبو نعيم وليد بن عبده الوصابي.
ليلة الجمعة ١٤٤١/٧/٢٥.



ح...............
(١) تنبيه: أضاف إليه في بعض طبعاته، كتاب (غاية الاختصار في ذكر البيوتات العلوية المحفوظة من الغبار) لـ تاج الدين بن محمد بن حمزة المعروف، بـ ابن زُهرة الفوعي النسابة، تـ٩٢٧.

ونبه بعضهم، فقال: قال المحققون المتثبتون من علماء النسب: إن هذا الكتاب، لا يثبت للمؤلف المذكور، وإنما هو منتحل عليه..
وقد نبّه جمع من الباحثين، والنسابين، والمؤرخين على ذلك، منهم: شيخ حلب وعلامتها الشيخ محمد راغب الطباخ، في كتابه (إعلام النبلاء في تاريخ حلب الشهباء)، وإليان سركيس، في كتابه (معجم المطبوعات العربية)، والعلامة السيد محمد مهدي الموسوي الخرسان النجفي، في مقدمة تحقيقه لـ (منتقلة الطالبية)، والعلامة السيد علاء بن عبد العزيز الموسوي الدمشقي النسابة، في أكثر من موضع.

الأربعاء، 18 مارس 2020

المدينتان- من الطاعون؛ محفوظتان:


المدينتان- من الطاعون؛ محفوظتان:

عن أبي هريرة مرفوعاً: (المدينة ومكة.. محفوفتان بالملائكة، على كل نقب منهما ملك، لا يدخلهما الدجال ولا الطاعون).
قال الحافظ: أخرجه عمر بن شبة، ورجاله رجال الصحيح.

قلت: وهذا واقع صدق، فلم يدخل الطاعون المدينتين قط، -كما ذكر النووي عن المدائني-.
ينظر: (الأذكار: ١٣٩).
وهو تعريف من الله، وتشريف.

وما جاء.. أنهما دخلهما الطاعون؛ فليس هو بالطاعون، وإنما وباءات مختلفة، اشتبهت واستشكلت؛ فعدوه طاعوناً؛ لخطورته، وسرعة انتشاره.
وهو فحوى كلام الحافظ ابن حجر.
ينظر: (فتح الباري: ١٠/ ١٩١).

قال القسطلاني: "والدليل على أن الطاعون، يغاير الوباء.. أن الطاعون لم يدخل المدينة النبوية، وقد قالت عائشة: دخلنا المدينة، وهي أوبأ أرض الله.
وقال بلال: أخرجونا إلى أرض الوباء".
(المواهب اللدنية: ٣/ ٧٨).

قلت: فدل أن الطاعون لم يدخل المدينة، حاشا الأوبئة، وبينهما عموم وخصوص.

وفي حديث أبي عسيب مرفوعاً: (أتانى جبريل بالحمى والطاعون؛ فأمسكت الحمى بالمدينة، وأرسلت الطاعون إلى الشام).
رواه أحمد، وصححه الألباني، والوادعي.

والحكمة -كما هو فحوى كلام ابن حجر-: أنه صلى الله عليه وسلم، لما دخل المدينة.. كان فى قلة من أصحابه، فخشي الفناء؛ لأن الطاعون يفني، بخلاف الحمى.
ينظر: (فتح الباري: ١٠/ ١٩١).

‏وقال ابن القيم: "ولما كان الطاعون، يكثر في الوباء، وفي البلاد الوبيئة، عبر عنه بالوباء، كما قال الخليل: الوباء: الطاعون. وقيل: هو كل مرض يعم، والتحقيق أن بين الوباء والطاعون عموما وخصوصا، فكل طاعون وباء، وليس كل وباء طاعونا، وكذلك الأمراض العامة أعم من الطاعون، فإنه واحد منها، والطواعين خراجات وقروح وأورام رديئة حادثة في المواضع المتقدم ذكرها.

قلت: هذه القروح، والأورام، والجراحات، هي آثار الطاعون، وليست نفسه، ولكن الأطباء لما لم تدرك منه إلا الأثر الظاهر؛ جعلوه نفس الطاعون".
(الطب النبوي: ٣١). 

وهناك كتاب، بعنوان: (القول المتين في أن الطاعون لا يدخل البلد الأمين)، و(البشارة الهنية بأن الطاعون لا يدخل مكة والمدينة)، للإمام شمس الدين الحطاب الرعيني تـ ٩٥٤. 
ولا أدري، هل هما واحد، أم كتابان مختلفان؟

فتبين -والله أعلم-: أن هناك فرقاً بين الوباء والطاعون من وجوه:

الأول: بينهما عموم وخصوص، فكل طاعون وباء، وليس كل وباء يكون طاعونا.

الثاني: كل مرض شديد الفتك، سريع الانتشار، يطلق عليه وباء، ولكن يخطئ بعض الناس، فيسمونه: طاعوناً؛ وذلك لشدته وسرعة تنقله.
"وأن غير ذلك من الأمراض العامة الناشئة عن فساد الهواء.. يسمى طاعوناً، بطريق المجاز؛ لاشتراكهما في عموم المرض به، أو كثرة الموت".

الثالث: أن الطاعون يسبب بثوراً وقروحاً في المناطق الرخوة في الجسد، كـ الإبط، والمراق -كما ذكر ابن سيناء، ونقله النووي وابن عبد البر وابن حجر وغيرهم-.
ينظر: (فتح الباري: ١٠/ ١٩٠).

والله أعلى وأعلم، وهو أعز وأكرم.

وكتب: وليد أبو نعيم.
١٤٤١/٧/٢٣



الاثنين، 16 مارس 2020

فيروس كورونا ومرض الكرفس!


فيروس كورونا ومرض الكرفس! 

أطلعني أحد إخواني، على مقطع مرئي، لرجل مصري، تعافى من فيروس كورونا- سمعته وهو يحكي قصته مع المرض..

ذَكَر أعراض الفيروس، ومنها:
-تكسر شديد في الجسم.
-سخونة شديدة.
-صداع شديد.

وليس هناك من فرق -حسب وصفه- إلا ضيق التنفس، في كورونا.
وإن كان ضيق التنفس، يصاحب بعض حالات الكرفس أو المكرفس!(١)

أقول: إن هذه الأعراض لكورونا؛ هي نفسها تماماً أعراض مرض الكرفس، الذي أصيب به أهل اليمن منذ أيام، ولا زال حتى الآن في بعض البيوت!

وكان إذا أصيب به فرد من العائلة؛ انتقل إلى جميع الأسرة في الغالب: صغارها وكبارها، إناثها وذكورها!

وكنا نتعامل معه، على أنه مرض عادي، وليس بتلك الخطورة التي نسمعها في الإعلام، سوى أعراضه الشديدة الألم!

يتم علاجه عندنا في أقرب عيادة، أو حتى صيدلية، أو حتى في البيت، كما فعل قريبي بنفسه وبأولاده! إي والله..

علاجه؛ هو أن تعطى مغذية أو اثنتين أو ثلاث على حسب شدة المرض، ومناعة صاحبه، مع مضادات حيوية، وحقن لخفض الحرارة.

مع ضرورة أكل فاكهة الكيوي، والبرتقال، وشراب عصير الحمر (التمر الهندي) والليمون، مع التنبه إلى عدم هبوط صفايح الدم، وهو ما يسمى، بـ رفع فيتامين سي.

وهو الحال، في كورونا، قرأت أن الأطباء يقولون: أهم شيء، أنك تعرف نسبة فيتامين سي! 

يستمر المرض في الغالب، من يوم إلى ثلاثة أيام إلى أسبوع على قدر مناعة الإنسان وقوته ومقاومته.

لم يحتمِ المريض عندنا قط من أي أحد، سواء أهل البيت، أو الطبيب الذي يعالجك دون كمام الوجه، أو قفازات اليد!
وذلك؛ لأن الشائع عندنا: أن هذا المرض ينتقل عبر البعوض لا اللعاب والاحتكاك.

الشيء المزعج في المرض؛ هو شدة ألمه الذي يأخذ بالمفاصل، وأسفل الظهر، وربما الجسد كله.

يتم الشفاء منه بعد أسبوع على الكثير، لكن آلام المفاصل قد تستمر لشهور!

حسب علمي؛ أن المرض انتشر في مدينة الحديدة الساحلية، ولا أدري على وجه الجزم عن بقية مدن اليمن، إلا أني سمعت بعدم الإصابة في غيرها.

نسبة الوفاة منه نادرة جداً، ولا تكون في الغالب بسببه المحض، بل ما يصاحبه من أمراض وأعراض!

أصيب بهذا المرض حتى الأطفال الرضع، ولكنهم يتجاوزوه -والحمد لله-.

وبعد هذا؛ لا أدري، إن كان كرفسنا، هو كورونكم!
لكني أخبرتكم عن تطابق الأعراض، جنبنا الله وإياكم جميع العلل والأمراض.

وكتب: وليد أبو نعيم.
١٤٤١/٧/٢١

ح.........
(١)الكُرْفُس: تسمية محلية، خاصة بنا وأهلنا!
وهي فصيحة، من الكَرْفَسَة: وهي مشيُ المقيَّد؛ لأن المصاب بهذا المرض؛ يصير كالمقيد؛ لعدم قدرته على المشي والحركة.
وتَكَرْفَس الرجل: إِذا دخل بعضه في بعض.
قلت: وهكذا مرض الكرفس؛ يدخل بعضك في بعض، ويجمع جسمك إلى بعضك!
ينظر: (اللسان) و (القاموس) وغيرهما.