الاثنين، 2 مارس 2020

الدَّهْرُ قُلّب!

الدَّهْرُ قُلّب!
أناس في دول مستقرة الحال، مرتاحة البال.. يسمعون أخباراً وشكايات.. من مسلمين في دول أخرى -في نظرهم لا يؤبه لها-!
مثل: ليس في بيتي غاز .. أو: لم أجد ما آكله اليوم .. أو: مات فلان ولم نجد له علاجا، ونحو ذا.

أقول لهم باختصار: إن النعم التي عندكم الآن، كانت عندهم في زمان، وربما أفضل منكم وأكثر وأوفر.. فاحمدوا الله تعالى، واشكروه سبحانه، وحافظوا على النعم، بالاعتراف والطاعة، وإلا، "فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون".

إن للدهر صولة فاحذرنها *** لا تبيتن قد أمنت الدهورا
قد يبيت الفتى معافىً فَيَرْدَى *** ولقد كان آمناً مسرورا

وليد أبو نعيم.
١٤٤١/٧/٦

الخميس، 27 فبراير 2020

تنبيه على نقلٍ فيه تصرّف.. أدّى إلى تحرّف!

تنبيه على نقلٍ فيه تصرّف.. أدّى إلى تحرّف!

قد يتصرف الناهل والناقل، -أحياناً- في نقل كلام؛ لينزله على واقع، أو يستدل به على مواضع!

وقد يكون هذا التصرف؛ مُخلاً بالقول، مخالفاً لمراد المنقول!

وهذا تصرف (أو قل تحريف وتزييف) غير نظيف؛ لأنه يعزو قولاً لشيخ، لم يقله، أو يتصرف في معنى لعالِم، لم يرده!

والتصرف الجائز في النقل: أن يتصرف الناقل في كلام المنقول عنه، من حذف ليس له فيه مرام، أو زيادة موصلة للكلام، أو تقديم وتأخير، ونحوه، وشرطه: أن لا يتغير معنى الكلام، ولا يؤثر على الانسجام.

ومن هذا النقل المبتسر المتصرف فيه، المقوِّل لمؤرخ لم يفهه فوه.. ما رأيته متداولاً عبر بعض مواقع التواصل، من نقل كلام للحافظ ابن كثير -سيأتيك-؛ وقد قذف في روعي، لوهلتها: أن في الكلام، اصطناعاً، وفي تنزيل النتيجة عليها، إخضاعاً، فعدَلت عن هذا القذف؛ لأن الناقل كان من أهل العلم والفضل، وممن عركته السنين، وبلغ من السن مبلغاً، وقد أثبت مصدره بالجزء والصفحة!
فخطأت حدسي، ووهمت نفسي، وجاوزته!

(كأني لم أقرأ، ولم يقل)!

والليلة، أرسلت إلي زوجي -عمرها الله-، بكلام قريب مما رأيته أولاً، ويتفق معه في الفحوى.. فعاد ما كنت حدسته، وحار ما كنت حبسته.. ولجأت إلى الفلي والبحث، فوافق الخُبر الخَبر! "والحمد لله رب العالمين".

وهاك نقلهم، وإن شيت، قلت: قولهم!:
"علاج فيروس كورونا! قال ابن كثير -رحمه الله-: "كثرت الأمراض بالحمى والطاعون بالعراق والحجاز والشام، وماتت الوحوش في البراري، ثم تلاها موت البهائم، وهاجت ريح سوداء، وتساقطت الأشجار، ووقعت الصواعق!
ثم أمر الخليفة: المقتدي بأمر الله.. بتجديد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وکسر آلات الملاهي، ثم انجلى ذلك".

قلت: هذا النص المنقول، عن ابن كثير، في (بدايته)، المتصرف فيه، والمبتسر له..
وواضح معناه، هو: أن العقوبات التي نزلت بذلك العصر، لم ترفع إلا بعد أن أمر الخليفة، بإزالة المنكرات!

هذا -باختصار- معنى الكلام المنقول عن ابن كثير!

وفي الحقيقة: إن ابن كثير، لم يقل هذا الكلام بهذا المعنى المركب والملفق، ولم يرتب الكشف والفرج، على ما وقع ونزل من الأمراض والطواعين؛ بتغيير المنكرات.. بل ذكر -رحمه الله- أن الكشف، كان من الله سبحانه وتعالى، دون مقابلة من الخلق بتغيير أو إزالة.

وهاك كلامه -رحمه الله-:
قال ابن كثير: "ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، في المحرم منها: زلزلت أرجان؛ فهلك خلق كثير من الروم ومواشيهم.

وفيها: كثرت الأمراض بالحمى والطاعون- بالعراق، والحجاز، والشام، وأعقب ذلك، موت الفجأة، ثم ماتت الوحوش في البراري، ثم تلاها موت البهائم، حتى عزّت الألبان واللحمان.. ومع هذا كله، وقعت فتنة عظيمة بين الروافض والسنة؛ فقتل خلق كثير فيها.

وفي ربيع الأول: هاجت ريح سوداء، وسفت رملاً، وتساقطت أشجار كثيرة من النخل وغيرها، ووقعت صواعق في البلاد حتى ظن بعض الناس: أن القيامة قد قامت، ثم انجلى ذلك -ولله الحمد-.

وفيها: ولد للخليفة، ولده أبو عبد الله الحسين، وزينت بغداد، وضربت الطبول والبوقات، وكثرت الصدقات.

وفيها: استولى فخر الدولة ابن جهير، على بلاد كثيرة، منها: آمد، وميافارقين، وجزيرة ابن عمر، وانقرضت دولة بني مروان، على يده في هذه السنة.

وفي ثاني عشر رمضان، منها: قلد أبو بكر محمد بن مظفر الشامي، قضاء القضاة ببغداد، بعد وفاة أبي عبد الله الدامغاني، وخلع عليه في الديوان، وحج بالناس جنفل التركي، وزار النبي صلى الله عليه وسلم، ذاهباً وآيباً، قال: أظن أنها آخر حجتي؛ وكان كذلك!. 

وفيها: خرج توقيع الخليفة المقتدي بأمر الله؛ بتجديد الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر في كل محلة، وإلزام أهل الذمة بلبس الغيار، وكسر آلات الملاهي، وإراقة الخمور، وإخراج أهل الفساد من البلاد، -أثابه الله ورحمه-".

ينظر: (البداية والنهاية: ١٦/ ٩٣) طبعة هجر، و (١٢/ ١٥٦) طبعة إحياء التراث، و (١٢/ ١٢٧) طبعة دار الفكر.

انتهى النقل عن ابن كثير بحروفه، من ثلاث طبعات، اتفقت على ما سقته لك من الأحداث، وفيها بعض الاختلاف في كلمات يسيرة، في غير ما عنه نتحدث.

وفيما نقلت.. يضح للعيان، أن ابن كثير، لم يرتب نتيجة رفع العذاب، على تغيير المنكرات، وكسر الرباب، بل يفهم من قيله: أن الكشف كان محض رحمة من الله تعالى وفضله.

وقد استعار النقلة -عفا الله عنهم-، جملة "ثم انجلى ذلك" ووضعها، بعد نقله هذا: "ثم أمر الخليفة: المقتدي بأمر الله بتجديد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وکسر آلات الملاهي".. فكانت كالنتيجة لها.

بينما، نجد ابن كثير، يضع "ثم انجلى ذلك" بعد قوله: "وفي ربيع الأول: هاجت ريح سوداء، وسفت رملاً، وتساقطت أشجار كثيرة من النخل وغيرها، ووقعت صواعق في البلاد حتى ظن بعض الناس أن القيامة قد قامت"، فكان الانجلاء، محض فضل الله ورحمته.

وبين المعنيين والنتيجتين.. بون شاسع، وبينٌ ناصع، وفرق واضح، وبُعد فاضح!

ولي وقفات خمس:
الأولى: يجب على الناقل.. أن يكون أميناً في نقله، ولا يجوز له تحريف الكلام، أو ليّ الحديث؛ ليوافق ما يشتهي ويبتغي، وإن كان قصده نصرة الدين، أو ترغيب أو ترهيب المسلمين، فليست هذه بدعوة صائبة، بل هي دعوى خائبة!

ويذكرني هذا الصنيع، بصنيع ذاك الوضاع.. وهو ميسرة بن عبد ربه (الأكول الشهير) عندما سئل، عن سبب وضعه حديثاً، في فضائل سور القرآن؟

قال: رأيت الناس، انصرفوا عن القرآن، فوضعتها، أرغّب الناس فيها!
ومثله: نوح بن أبي مريم.

قال السيوطي، في (ألفية الحديث):
والوضع في الترغيب ذو ابتداعِ *** جوّزه مخالف الإجماعِ!

الثانية: إن ما ينزل بالناس من بلاء ووباء، لا يجوز الجزم، بأنه عقوبة محضة؛ لأن ذلك علم غيب استأثر الله به، ولكن نقول: قد يكون عقوبة للكافر، وابتلاء للمسلم، فالأول: تعفير، والثاني: تكفير.

وبعد هذا وذاك: الواجب علينا، مدافعة البلاء، بالأمور الحسية والمعنوية المشروعة، ومن ذلك: التوبة والرجوع، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

الثالثة: إن ما ينزله الله تعالى من رجز وعقوبات، قد يرفعه سبحانه وتعالى، محض منٍّ منه ورحمة، وفضل ونعمة، وهذا هو الأصل؛ إذ أن الناس، مهما جهدوا في العمل؛ فإنه لا يفي بشكر نعم الله تعالى، فضلاً عن رفع المصائب والبلاء، ولا بد مع هذا، من التضرع والرجوع، ولكن لا يرفعه إلا رحمة من الله الواسعة، "ورحمتي وسعت كل شيء".

الرابعة: يجب على الناس دائماً وأبداً.. التوبة الصادقة، والرجوع الجازم إلى الله تعالى؛ لأن الإنسان لا يخلو من ظلم وهضم، وإن كان يتأكد ذلك عند نزول البلاء، وانتشار الوباء، ولكن ليس ذلك شرط رفع وانكشاف.

الخامسة: يجب على الناس الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مع مراعاة توفر الشروط، وانتفاء الموانع؛ لأن عدمه؛ سبب في نزول العذاب، وغشيان الذل والمصاب.

ونحن نضرع إلى الله سبحانه.. أن يوفق قادة المسلمين؛ لإعلاء الحق وأهله، وإرفاع الطاعات، وإرفاق الحسنات، وإنفاع السابلات.
وفي المقابل: إخضاع الباطل وأهله، وإزالة المنكرات، وإطاحة المسكرات، وإخضاع المفقرات.

هذا ما أردت سطره وزبره؛ لأجل البيان والإيضاح، ووجوب أمانة النقل، والنصح للمسلمين، وأرجو الله أن أكون وفقت لما أردت تنبيهه، وأصبت ما رمت تنويهه.
تولانا الله بعنايته، وكلأنا برعايته.


وكتب: أو نعيم وليد الوصابي.
١٤٤١/٧/٤
ليلة الجمعة، بـ ح ي المأنوسة المحروسة.



وفاة الشيخ المقرئ المسند عبد الحميد شانوحة:


وفاة الشيخ المقرئ المسند عبد الحميد شانوحة:
#وفاة_علم

توفي اليوم الخميس ١٤٤١/٧/٣، مجيزنا فضيلة الشيخ المقرئ عبد الحميد منير شانوحة(١) -رحمه الله تعالى، وغفر له، وتجاوز عنه، وأحسن إليه، وأسكنه فسيح جناته-.

وشيخنا من مواليد سنة ١٣٦٦، بمدينة بيروت.
ودرس المرحلة الابتدائية والثانيوية، في جمعية المقاصدالإسلامية.(٢)

وقد درس المذاهب الأربعة: الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي- درس كل مذهب، عند أهله المختصين.

ودرس الحديث، والنحو، والأصول وبقية الفنون، على أهل العلم والمعرفة.

وحضر في مكة المكرمة، دروس (صحيح البخاري)، و(سنن أبي داوود) على الشيخ المسند محمد ياسين بن عيسى الفاداني المكي، وأجازه بجميع مروياته المعقولة والمنقولة.

وقرأ (سنن ابن ماجة) وغيرها من كتب الحديث، على الشيخ إسماعيل عثمان زين اليمني المكي، وأجازه بمروياته.

وقرأ القراءات العشر وأتقنها، واختبره فيها: الشيخ سعيد العبد الله، والشيخ محمد نبهان المصري وأجازه بالقراءات العشر.

وكان الشيخ -رحمه الله- مكثراً من التحقيق، فقد حقق ما يربو على عشرين كتاباً، وصنف أشياء أخر، منها في القراءات (جامع القراءات العشر) في ثمانية أجزاء. 

وقد رزق الله الشيخ عبد الحميد، ذرية صالحة، قرّت بها عينه، وفرح بها قلبه؛ فقد درس عليه أبناؤه وبناته، القرآن والقراءات وغيرها من علوم الشريعة.

سُمع على الشيخ مجموعة من الكتب، وكان مما سمعته عليه عبر البث: بعضاً من (عمل اليوم والليلة) لابن السني، وسمعت مجلس ختم قراءة كتاب (الشمائل المحمدية) للإمام الترمذي، و(أحكام الاختلاف في هلال ذي الحجة) لابن رجب، و(فضل يوم عرفة) لابن ناصر الدين، في يوم عرفة.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

وقد جمع أسانيد الشيخ -رحمه الله- الأستاذ يحيى وسام أحمد حمزة، بعنوان: (الفانيد في أسانيد الشيخ عبد الحميد). 

رحم الله شيخنا، وبلّ بوابل الرحمة ثراه، وأحسن منقلبه ومثواه، وأخلف على أهله وأولاده وذويه خيراً وفضلاً.

اقتبست بعض الترجمة من مدونة الشيخ -رحمه الله- واستنبطت أشياء أخر.


وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي.
١٤٤١/٧/٣

ح............... 
وشانوحة: أسرة عربية، استوطنت الشام ومصر، وتوجد منطقة في جنوب لبنان، اسمها: شانوح.
ومعنى شانوحة.. قال الأزهري: الليث الشَّناحِي: ينعت به الجمل في تمام خَلْقه، وأنشد:
أعدُّوا كل يَعْمَلة ذَمُولٍ *** وأعْيَس بازل قَطِمٍ شَناحِي

(٢) جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية‌: جمعية خيرية إسلامية، أسست سنة ١٢٩٦هـ، في بيروت، تقدّم خدمات متعلقة بـ: التعليم، والصحة، والشؤون الاجتماعية.
ينظر: مقال (عمل عظيم) للأستاذ محمد بك كرد علي، في مجلة الرسالة.


الأربعاء، 26 فبراير 2020

بين الكتاب الورقي والإلكتروني!

بين الكتاب الورقي والإلكتروني!

الكتاب الورقي.. لم يمت، ولن يموت، بل له المستقبل الزاهر، والحاضر الباهر؛ وذلك لأن التكنولوجيا هي مرحلة زمنية فحسب، ذاهبة آيبة، والمجد والسؤدد؛ للورق والكاغد، بل لا أبعد -لا بعدتم- إذا قلت: ستعود اللخاف والسعاف، والرقاع والخفاف ونحوها من الأعتاق.

الكتاب الورقي.. سيظل شامخاً على أرفف المكتبات، وملموساً بالجارحات، ومنظوراً بالباصرات.

ما أجملك، وشباتك بين شناترك، تسقي بها مواطن القحط، وتتبع بها مواطن القطر، وتحوط بها مواقع الغلط، وتؤود بها أماكن اللغط.

تداعبه في حجرك، وتناظره من محجرك، وتضمه بلطف وعطف بين يديك.
وأحياناً، تتأبطه تحت إبطيك، أو في كميك، (كانت، ولم تكن الآن) وتارة تجعله بين أصبعيك؛ لتستكين أو تستعين.

الكتاب الورقي.. حبيب قريب، وأريب أديب، لا تخش انطفاء الكهرباء، ولا تعطل الجهاز، ولا تفرمت الذاكرة، ولا الانمحاء والانمحاش، ولا العزلة والإيحاش:

لنا جلساء ما نملّ حديثهم *** ألبّاء مأمونون غيباً ومشهدا

يفيدوننا من علمهم، علم ما مضى *** وعقلاً وتأديباً ورأياً مسددا

بلا فتنة تخشى، ولا سوء عشرة *** ولا يتقى منهم لساناً ولا يدا

فإن قلت: أموات، فلا أنت كاذب *** وإن قلت: أحياء، فلست مفندا

الكتاب الورقي.. لا يستغنى عنه، ولا يستعاض به، ولا يمل منه، ولكنا أحياناً كثيرة، لا نستطيع الوصول إليه، والتملك له؛ إما لعدم وجوده، وإما لغلاء نقوده!
فحينئذ:
إذا لم تكن إلا الأسنة مركباً *** فما حيلة المضطر إلا ركوبها! 

الكتاب الورقي.. له متعته وميزته، وعليه حلاوته وطلاوته، ولكن الحق يقال: أن الكتاب الإلكتروني؛ سهّل كثيراً، ويسّر كبيراً، لا سيما في البلاد التي ليس فيها الكهرباء، أو هي كثيرة الانطفاء، تجلس إليه توصوص، وعليه تنونص!

وهنا، تذكرت ما نقله ابن الجزري، في (المصعد الأحمد: ٣٩) عن الحافظ ابن كثير، عن كتابه (جامع المسانيد): قال: "ولا زلت أكتب فيه، في الليل، والسراج ينونص.. حتى ذهب بصري معه، ولعل الله أن يقيض له من يكمله"!
رحم الله ابن الجزري وابن كثير، ومتعنا بالخير الكثير، والفضل الوفير.

فحين زيارة الكرى، ومداعبة النوم؛ أداعب الكتاب حتى يغلبني، فأطبقه، وأنا صبٌ مستهام، والحمد لله على الفضل والإنعام.
وأحياناً، لا تستيقظ، إلا والكتاب على صدرك، إن لم تنقلب، وإلا وجدته متشحطاً!

وأما الكتاب الإلكتروني (المبدأف) أو (المنورق)!
فأقول: إن ما نشهده اليوم من إقبال كبير، وتسارع منقطع النظير، إلى تصوير الكتب، وبذلها للآخرين.. لهو مؤذن خير، ومؤشر يقظة، وباعث همة، وناهض عزيمة.

وإليكم يا أصحاب الدور والمكتبات، أقول: لا تخشوا على نقصكم الثراء، أو كساد سوق الشراء.. فإن الناس وإن اقتنوا الكتاب المنورق، فإن ذلك لسبب وعذر، يزول بزواله، ولكم أن تشبهوها، بالتيمم حين فقد الماء، أو العجز عن استعماله، أو قلته، أو بعدته، والقاعدة تقول: إذا حضر الماء؛ بطل التيمم!

أيها الناشرون: اعلموا، أن هناك جماعة من الناس، وسّع الله عليهم دنياهم؛ فلا يبغوا بالورقي سبيلا، ولو كلفهم الغالي والنفيس!

ولكم نصيحة: خففوا في قيمة الكتاب على الطلبة ما استطعتم، دون ضرر أو إضرار، "هو أقرب للتقوى" واحتسبوا الأجر، وإن تقاضيتم عليها أجرا!

والحقيقة: إنه لا يخشى على الكتاب الورقي من الهجران أو الانصرام، بل هو تجاف حبيب، وتمنع صبيب، لا يراد إلا العودة إليه بشغف أكبر، والحنو عليه بحدب أكثر، وليست هي جفوة دهرية، أو قطيعة أبدية..

فبالله عليكم..
حدثوني، من ذا الذي لا تستهويه حفيف الورق، ولا تعتريه نشوة العتق؟!

خبروني، من ذا الذي لا يحب الضم والشم والقبل.. إلا أن يكون أعن، لا يتأثر بالأغن!

علموني، من ذا الذي لا يسلو بالنظر إلى خرائدها، ولا يلتذ بافتضاض أبكارها؟!

إلا أن تكون أنفه زكمت عن زكي الأنفاس، أو أن نفسه نفست عن جلو الأعراس.. فقطب الجبين، وقطع الحنين، وعاد كالجنين!

حاشا ذات القِلّة من الجلّة، الذين (حبسهم العذر) عن شراء الكتاب وإحرازه، فحجبوا وعجزوا عن اقتنائه وإبرازه، فلجؤوا إلى الكتاب الإلكتروني؛ ليجدوا فيه لهم متنفساً، ولأفئدتهم متنسماً، فعبّوا منه، وكرعوا، ونهلوا حتى علّوا، مع حسرة بادية؛ إذ (استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو أولى) ولكن (ما لا يدرك كله، لا يترك جله) (ولله في خلقه شؤون) والحديث ذو شجون، "ولكن أكثر الناس لا يشكرون"! 

وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي.
١٤٤٠/٣/١٧
١٤٤١/٧/١


ضرر المطر لبعض البشر!

ضرر المطر لبعض البشر!

مُطرنا بفضل الله ورحمته، فابتلّت الأرض، و "اهتزت وربت"، وأخرجت أثقالها ونبت، وأبدت مَخباها ومُخباها.. فنتنت وأنتنت، وأزكمت الأنوف، وأضرت الأجساد، وعكرت الأجواء، وأفسدت الطرق، فلا تمشي إلا وأنت مشمر ثوبك عن ساقيك حتى لا يصيبه الأذى، وما رفعته من ثوبك، تضعه على أنفك حتى لا يصيبك الصنن والزكم!

لا أقول هذا، سخطاً أو غلطاً، بل إنا لنفرح بالمطر، ولكنا نشكو ما يصيبنا من الكدر والضرر، وتعكر المزاج، وتشويش الفكر.

والمطر لقوم.. نعمة ونماء، يبتهجون بنزوله، وينشرحون لقدومه، وذلك لأنهم لا يتضررون منه حين نزوله؛ لوفر بيوتهم، ولا يتأذون بعد نزوله؛ لتصريف ما عنه ينتج من تجمع الوحل، فيصيب بالأمراض..

والمطر لآخرين.. نقمة وشقاء، يكسفون لنزوله، ويضجرون بقدومه؛ وذلك لأنهم يتضررون منه حين نزوله؛ لخواء بيوتهم وضعفها، فينزل على رؤوسهم وأطفالهم ومواشيهم، ويبل أمتعتهم من فرش وحضائر، ويتأذون بعد نزوله؛ لوهاء بلادهم، فيتحقل في أماكن سيرهم، فيقطع عليهم معايشهم ومساجدهم ومدارسهم، ويمكث تجمع المياه، الأيام وربما الأسابيع، وتارة بالأشهر، فيسبب الأمراض والأوبئة التي لا قِبل للمساكين بها!

قال الزمخشري: "وقيل: يخاف المطر، من له فيه ضرر، كالمسافر، ومن له في جرينه التمر والزبيب، ومن له بيت يكف"!
(الكشاف: ٢/ ٥١٨).

وفي (روح البيان: ٤/ ٣٥٢): "والمطر يكون، لبعض الأشياء ضرراً، ولبعضها رحمة.. فيخاف منه المسافر، ومن فى خزينته التمر والزبيب، ومن له بيت لا يكف.
ويطمع فيه المقيم، وأهل الزرع والبساتين.
ومن البلاد ما لا ينتفع أهله بالمطر، كأهل مصر؛ فإن انتفاعهم إنما هو بالنيل، وبالمطر يحصل الوطر".

قال الشافعي والأصحاب: "وإذا كثرت الأمطار وتضرر الناس به؛ فالسنة أن يدعو برفعها: "اللهم حوالينا ولا علينا".
قال الشافعي في "الأم" والأصحاب: ولا يشرع لذلك صلاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يصل لذلك، ودليل هذه المسألة حديث أنس قال: دخل رجل المسجد يوم جمعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، قائم يخطب، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل؛ فادع الله يغيثنا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه، ثم قال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا. قال أنس: والله وما نرى في السماء من سحاب، ولا قزعة، ولا بيننا وبين سلع، يعني: الجبل المعروف بقرب المدينة، من بيت، ولا دار، فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء؛ انتشرت، ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس سبتاً، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل؛ فادع الله أن يمسكها علينا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه، فقال: اللهم حوالينا، ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر، فانقطعت، وخرجنا نمشي في الشمس). رواه البخاري ومسلم".
ينظر: (المجموع شرح المهذب: ٥/ ٨٦).

وقال ابن حجر الهيتمي: "(ولو تضرروا بكثرة المطر) وهي ضد القلة مثلثة الكاف (فالسنة أن يسألوا الله) تعالى (رفعه) بأن يقولوا ندباً ما قاله صلى الله عليه وسلم، لما شكي إليه ذلك (اللهم) اجعل المطر (حوالينا) في الأودية والمراعي (ولا) تجعله (علينا) في الأبنية والدور.
وأفادت الواو؛ أن طلب المطر حوالينا؛ القصد منه بالذات: وقاية أذاه، ففيها معنى التعليل، أي: اجعله حوالينا، ولئلا يكون علينا.
وفيه: تعليمنا أدب الدعاء حيث لم يدع برفعه مطلقاً؛ لأنه قد يحتاج لاستمراره بالنسبة لبعض الأودية والمزارع، فطلب منع ضرره، وبقاء نفعه، وإعلامنا بأنه ينبغي لمن وصلت إليه نعمة من ربه، أن لا يتسخط لعارض قارنها، بل يسأل الله تعالى رفعه وإبقاءها، وبأن الدعاء برفع المطر، لا ينافي التوكل والتفويض "اللهم على الآكام والظراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر"".
(نهاية المحتاج: ٢/ ٤٢٨).

وإلا، فما أجمل الأمطار، التي تنعش القلوب، تبعاً لإحياء الأم (الأرض)، وتبتهج برؤيته النفوس، وتأنس القلوب، ويسرح الطرف يمنة ويسرة، إلى بديع صنع الله وخلقه، لا إلى الأوانس والعوانس!، "صنع الله الذي أتقن كل شيء" "فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحيي الأرض بعد موتها".

تأمل في نبات الأرض، وانظر *** إلى آثار ما صنع المليكُ

عيونٌ من لجينٍ شاخصات *** بأبصار هي الذهب السبيكُ

على قضب الزبرجد شاهدات *** بأن الله ليس له شريكُ


وما ذاك النتن الحاصل بعد ذلك المطر النازل، إلا؛ لعدم الحفاظ على البلاد التي استودعنا الله غرسها وفلحها، وعَمرها، فلم نحسن إليها، وهي أمنا، (والإحسان إلى الأم؛ واجب) قال تعالى: "منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى".
فهي الأم التي لا غنى لنا عنها، لا قبل ولا بعد!

بعد ما أصابني من العكر والضجر.. أمسكت بخلي وصاحبي ونديمي وأنيسي وجليسي وونيسي؛ لأقرأه وأناجيه، وأُسمعه وأناغيه.

ولعمري، إن الكتاب المختار؛ لهو خير صديق!
رزقنا الله الاستكثار منه. وأما الخلق؛ فلا يستكثرن من الصحاب!

جعلت كتبي أنيسي *** من دون كل أنيسِ
لأنني لست أرضى *** إلا بكل نفيسِ

وإذا تملكك حب الكتاب، واستولاك واستهواك؛ لم تعد تطيق فرقاه، أو تقوى على هجراه، بل تفرق من الخلق، وتنأى عن الإنسان:

قال أحمد الصافي النجفي:
أطالع ما استطعت وجوه كتب *** فراراً من مطالعة الوجوهِ!


تشبثت كتابي، عند تنزل الرحمات.. أبثه أحزاني وأشجاني، فيعطيني الطمأنينة والانشراح.
أعرض عليه عويص المسائل، فيغمرني ريّ الجداول، وظل الخمائل.

ولكني لم أطق، ولم أستطع المواصلة، بعد الحول والمحاولة؛ لسوء ما أرى، ونتن ما أشم، وصك ما أسمع!
فاعتذرت إليه؛ لأنه طاهر، فلا يليق به إلا الطهر والنقاء والصفاء، ووعدته على أمل اللقيّ في وقت قريب؛ فإني لا أقوى على فراقه، ولا بد كل لحظة من لقائه.

شعرت بعد طرح خدني، بفراغ، لكني ملأته بكتب هذه الكلمات، التي أرجو أن يكون فيها تسلية لنفسي، وعزاء لجنسي.

وفيها نداء للجميع: أن نحسن إلى الأرض، بإزالة الأذى، وإماطة القذى: الحسي والجسي؛ لننعم بروحها وريحها.

فلنتكاتف ونتعاطف، ولو في قرانا وحوارينا، أو قل (حوافينا)، حتى ينعم الكل، ويأنس الخل، ويحلو الخروج والسمر، والمناجاة على ضوء القمر، بصحبة الحِبين، ومنادمة الصدوقين الصديقين: الكعاب، والكتاب!

رزقني الله وإياكم كل خير، وجنبني وإياكم الشر والضير.

محبكم: وليد بن عبده الوصابي،،
١٤٣٧/٣/١٥
١٤٤١/٧/٢

الثلاثاء، 25 فبراير 2020

تنبيه على بطلان قصة راويها كذاب!

تنبيه على بطلان قصة، راويها كذاب!

وقع نظري، على هاته القصة: ذكر ابن بشكوال بسنده إلى (أحمد) (محمد)(١) بن عمر بن يونس اليمامي(٢) قال: كنت بصنعاء، فرأيت رجلاً، والناس حوله مجتمعون عليه، فقلت: ما هذا؟ قالوا: هذا رجل، كان يؤم بنا في شهر رمضان، وكان حسن الصوت بالقرآن.. فلما بلغ: "إن الله وملائكته يصلون على النبي" قال: إن الله وملائكته يصلون على (عَلِي) النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما.. فخرِس، وجذِم، وبرِص، وعمي، وأقعد مكانه.

وعند قراءتي لها؛ قذف في روعي، وضعها واختلاقها، ليس اعتباطاً ولا كشفاً، وإنما نظراً إلى كبير الجرم، وجليل الوقح، وضعف السبك، وغمز الراوي! 
لكني، لم أجعل هذا دليلاً وحكماً، وإنما عدت إلى النبش والنكش..

أولاً: ذهبت إلى، (الصلة في تاريخ أئمة الأندلس)، للإمام أبي القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال، تـ٥٧٨.. فلم أجد ذكراً للقصة، أو راويها (محمد بن أحمد بن عمر)!

و(الصلة)؛ أشهر تواليف ابن بشكوال، وهو مظنتها، ولا أدري، إن كانت القصة، ذكرت في غير (الصلة)؟
أقول: وإن ذكرت؛ فلا يخرجها عن وضعها؛ لما ستعلمه في هذا الرقيم.

ثانياً: ذهبت أبحث عن مصادر ذِكرها.. فوجدت كلاً من:
-الإمام السخاوي، في (الإعلان بالتوبيخ: ١٠٣)، وفي (القول البديع: ٣٦)،
-والحطاب، في (مواهب الجليل: ٦/ ٢٨٦)،(٣)
-والمجلسي الشنقيطي، في (لوامع الدرر في هتك أستار المختصر: ١٣/ ٣٨٤)،
-والزرقاني، في (شرح خليل والبناني: ٨/ ١٢٥).

والثلاثة الأُول، عزوها إلى ابن بشكوال، إلا أن الحطاب، زاد عزوها، إلى كتاب (كنز الراغبين العفاة في الرمز إلى المولد والوفاة) قال: "ولم أقف على اسم المصنف"!
وأما الزرقاني.. فقال: قال بعضهم! 

ثالثاً: ذهبت إلى راوي القصة؛ فرأيت اضطراباً فيه.. فسماه السخاوي: أحمد بن محمد بن عمر اليماني، تـ٢٦٠. (الابن) 
وسماه الحطاب، والمجلسي: محمد بن عمر بن يونس. (الأب) 

قلت بداهة: لعل الابن (أحمد) رواها عن والده (محمد) فرواها السخاوي إلى الابن، والحطاب إلى الأب! 

لكني، لم أجد ترجمة للأب "محمد بن عمر بن يونس"(٤)، ثم رأيت شيخنا المحدث مقبل الوادعي -سقى الله جدثه- يصرح أنه لم يجد ترجمة للأب (محمد)، فاسمعه يقول:
"تنبيه: في "المستدرك" أن شيخ أحمد، هو أبوه، يرويه عن جده عمر بن يونس.
وفي كتب التراجم: أن أحمد، يروي عن جده عمر بن يونس، ففي (تهذيب الكمال) ذكر أحمد من الرواة عن جده، ولم يذكر محمداً من الرواة عن أبيه عمر.
فالظاهر أن قوله في (المستدرك): عن أبيه؛ عنى به جده عمر، وأن "ثنا" بين "أبي" و "عمر" مقحمة، أو هي من أوهام الحاكم، أو هي من كذب "أحمد" الكذاب، والله أعلم.
ثم إني بحثت في بعض المراجع؛ فلم أجد ترجمة لمحمد".
(رجال الحاكم في المستدرك: ١/ ١٨٧).

رابعاً: عدت إلى ترجمة رواي القصة (أحمد).. فوجدته يتقلب بين الضعف، والترك، والكذب، وهاك التفصيل:
-قال عبد الرحمن بن أبى حاتم: سألت أبي عنه؟ فقال: قدم علينا، وكان كذاباً، وكتبت عنه، ولا أحدث عنه بشيء".
(الجرح والتعديل: ١/ ٧١).

-وقال ابن المديني -عن جده عمر بن يونس بن القاسم اليمامي-: كان ثقة ثبتاً، ووثقه أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائي، والبزار.
وقال ابن حبان: يتقى حديثه من رواية أحمد بن محمد بن عمر بن يونس؛ لأنه يقلب الأخبار.
ينظر: (الثقات: ٨/ ٤٤٥) لابن حبان.

وقال ابن حبان: "يروي عن عبد الرزاق، وعمر بن يونس وغيرهما؛ أشياء مقلوبة، لا يعجبنا الاحتجاج بخبره إذا انفرد".
(المجروحين: ١/ ١٤٣)

-وفي (تاريخ بغداد: ٥/ ٦٦): كان سلمة بن شبيب.. يكذبه. 

-وقال الخطيب:" وكان غير ثقة". 
(تاريخ بغداد: ٦/ ٦٥).

-وقال الخطيب: "قرأت بخط أبي الحسن الدارقطني- وحدثنيه أحمد بن أبي جعفر القطيعي عنه، قال: أحمد بن محمد بن عمر بن يونس بن القاسم اليمامي.. متروك الحديث".
(تاريخ بغداد: ٥/ ٦٦). 

-وفي (ديوان الضعفاء: ٨) للذهبي. قال ابن صاعد: كذاب.

-وفي (ميزان الاعتدال: ١/ ١٤٣) للذهبي أيضاً، قال: "كذبه أبو حاتم، وابن صاعد". 

-وعن أبي نصر بن ماكولا قال: أما الجرشي، بضم الجيم وفتح الراء وكسر السين المعجمة.. عمر بن يونس بن القاسم الجرشي اليمامي، وهو جد أحمد بن محمد بن عمر بن يونس.. أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي نا إسماعيل بن مسعدة أنا حمزة بن يوسف أنا أبو أحمد بن عدي أخبرني إسحاق بن إبراهيم قال: ذكرت اليمامي(٥) هذا لعبيد
الكشوري (نسبة إلى قرية من قرى صنعاء اليمن) فقال: هو فينا، كالواقدي فيكم! 
(الإكمال: ٢/ ٢٣٤).

-وقال ابن عدي: أحمد بن محمد بن عمر بن يونس اليمامي.. حدث بأحاديث مناكير عن الثقات، وحدث بنسخ عن الثقات بعجائب، وتكثُر عجائب اليمامي.
(الكامل في الضعفاء: ١/ ١٧٨). 

خامساً: ذهبت إلى رواية القصة، فوجدت اضطراباً فيها.. ففي بعض المصادر: أن راوي القصة (على الاضطراب في اسمه) هو الذي شاهد القصة، وروى تعليلها.
وفي بعضها: أنه هو الذي شاهد القصة، ولكنه لا علم له بالسبب والتعليل!

قال أبو نعيم: وبعد هذا التطواف.. نكون قد وصلنا إلى بطلان هذه القصة، التي تحكي أمراً كبّاراً، "تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّا" وهو تحريف آية من كتاب الله العظيم، الذي "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه".
وذلك لأمور خمسة تقدم معك تفصيلها، وهاك الإجمال، مع زيادة خلال:
-أنها أُوردت دون خطام ولا زمام، وإنما توارد في النقل دون محص وفحص.
-الاضطراب في راويها.
-الاضطراب في روايتها.
-جهل مصدرها وأسانيدها.
-أن فيها تكفيراً لرجل مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويؤمن أن القرآن حق لا زيادة فيه ولا نقصان -على البراءة الأصلية-، وإن لم تثبت عينه، لكن حكاية القول، دليل على قائل!
-أن فيها إلماحاً إلى اتهام فرقة أو بلدة، بالاستهانة بكتاب الله المجيد؛ إذ وجد فيهم من ينال من قدسية القرآن الكريم، ولا رادع له أو زاجر، بل قعدوا ينظرون إليه مشفقين!
-أن فيها نزع ثقة الناس، من قراء القرآن وحملته؛ إذ أنهم يزيدون ما أرادوا، وينقصون ما شاؤوا! 

-وبعد هذا وذاك؛ إن رواي القصة متهوم في ديانته، وموصوم في أمانته، فكيف يقبل قوله في دين الناس وأماناتهم؟!

هذا ما أردت رسمه، دفاعاً عن كتاب الله العزيز، وذباً عن عرض المسلمين، وإماطة أذى عن طريق المؤمنين، وبالمعين سبحانه أستعين، وهو المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.

وكتب: أبو نعيم وليد بن عبده الوصابي.
١٤٤١/٦/١٣، ليلة الجمعة الغراء، بعد آخرة العشاء، بمدينة ح ي كلأها الحافظ.

ح...........
(١) جاء في بعض المصادر: (أحمد بن محمد بن عمر بن يونس) وفي بعضها: (محمد بن عمر بن يونس)!

(٢) لا يذهبن بك، أنه: اليامي، بدل اليمامي، فإنه يماني، ولكن قضى في اليمامة، فنسب إليها.
قلت: وقد ينسب إلى جده، فيقال: أحمد بن عمر بن يونس.
ينظر: (الكامل: ٥/ ١٥٢) لابن عدي. 

(٣) جل من عزاها من المتأخرين، فإنما يعزوها إلى (مواهب الجليل)!

(٤) هناك ثان، هو: أبو الفرج محمد بن عمر بن يونس البزاز، حدث ببغداد.
وثالث: محمد بن عمر بن يونس ابن الجصاص، تـ٤٢٧، سمع أبا علي بن الصواف، وأبا بكر بن خلاد النصيبي، قال الخطيب: كتبنا عنه، وكان ديناً ثقة.
ويتأكد، فلعلهما واحدا.
ينظر: (تاريخ بغداد: ٣/ ٣٧) و (الإكمال: ٣/ ٢٥١) لابن ماكولا، و (الأنساب) و (تاريخ الإسلام: ٩/ ٤٢٨).
ورابع: أبو جعفر، محمد بن عمر بن يونس بن عمر بن دينار النميري السوسي.
(لسان الميزان: ٥/ ٣٢٦).

(٥) قلت: لعله يريد الحفيد (أحمد) لا الجد (عمر)؛ لأن الجد قد وثقه الدارقطني، وأحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائي، والبزار، إلا ما يرويه عنه حفيده (أحمد)؛ فيحذر ويتقى.



السبت، 22 فبراير 2020

قراءة في مقدمة، كتاب "الكنى والأسماء" للإمام مسلم.. تقديم المحقق المدقق: مطاع الطرابيشي:

قراءة في مقدمة، كتاب "الكنى والأسماء" للإمام مسلم.. تقديم المحقق المدقق: مطاع الطرابيشي:

كتاب (الكنى والأسماء) للإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري، تـ٢٦١.. صوّر مخطوطته العتيقة، وقدم لها: المتقن المفن: مطاع الطرابيشي -رحمه الله-.

وكنت أحسب بدءاً، أنه تصوير، فحسب، لكني فُجئت بمقدمة باذخة، وتحقيق بالغ، واستقصاء نادر، وجهد جبار، وعنت شاق، وتحمل مشاق.. بذله المحقق الخريت السبروت، في سبيل تقدمته لهاته المخطوطة العتيقة..

وهي عادة حسنة، من هذا العَلم المغمور، في جميع تواليفه وتحاقيقه -بلّ الله ثراه- فلا يرضى ببذل القليل، بل يجهد حتى العنت؛ لأنها أمانة العلم، التي لم يتحملها كثير من ذوي الأسماء اللامعة، في دنيا التحقيق والتأليف!
فاللهم غفراً.

وهذه بعض التقييدات، لدى قراءتي لمقدمته الرصينة، وتقدمته المتينة، أحببت مشاركتها إخواني؛ للاقتداء، والاحتذاء، والاهتداء، وأن لا ينسوا صاحبها من الثناء والدعاء.. فهاكها مسطورة مزبورة:

-الشكر لأهل الشكر؛ فهو لا يفتأ يولي الجميل، ويحمد القليل والجليل، لكل صغير وكبير، انظره يقول -في تقديمه، للكتاب: "ولقد كان لمجمع اللغة العربية بدمشق، فضل السبق إلى الخير؛ إذ أعان على هذا العمل، بالسماح بتصوير النسخة القيمة، المحفوظة في خزانة المكتبة الظاهرية العامرة، وما أمد به من تشجيع كريم.
ثم لدار الفکر بدمشق، فضل الجهد السخي؛ لإتقان العمل، وإخراج الكتاب في حلة قشيبة من الطباعة والتصوير.
نسأل الله التوفيق لما يرضيه من قول وعمل، "ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم".

-الأمانة التامة في العزو، وإن جلت وقلّت، بل تراه يعزو لمرجع نقل عن مصدر؛ لأنه وجده أولاً هناك!
وهذا غاية، في هذه البابة.

-الاستقصاء الشديد، والمكنة القعيدة؛ فتراه مثلاً: إذا ذكر مصدراً، لا يكتفي بذكر اسم الكتاب ومؤلفه، بل يفيدك بمن نقل عن هذا الكتاب، وقد يحدد الجزء والصفحة، ولا شك أن هذا دليل سعة اطلاع، وطول باع، وجلد على البحث والتحري، ونأي عن القذف والتجري، ومعرفة بخبايا الكتب وفحواها، ومزاياها ومحتواها.

-المعرفة العالية، بالمطبوع والمخطوط، بل والمنشور إذا كان في مجموع أو مجلة، أو سُجل في رسالة علمية، وذلك في طول البلاد وعرضها.
ولا يتأتى هذا التوسع، بعد توفيق الله تعالى، إلا بصبر وجلَد، وهمة قعساء، وحفظ للوقت، وطرد للكسل، وأمل حاد، وتفاؤل شاد.

-التفريق بين المتشابه، في الأعلام والأسماء والكنى والألقاب والبلدان، وضبط كل ذلك، بدليل وتعليل، وترجيح رجيح، لم يأت اعتباطاً أو تخميناً، بل بعد سبر وخبر.

-الإكثار من المراجع والمصادر، وليس إكثاراً، فحسب، بل لا يثبت مرجعه إلا بعد فلي وفتش، وربما طالعه كله؛ ليعرف كنهه وخبيّه.

-الاعتماد في الترجيح على أهله، ومن ذلك: اعتماده كثيراً على العلامة عبد الرحمن المعلمي، في حواشيه المؤنقة، وخوافيه المحققة.

-التنكيت العالي على بعض مصنفي الكنى وتصانيفهم، فتراه يعرج؛ لمناسبة داعية، كتعريجه على ذكر قاعدة في معرفة تاريخ نسخ كتاب ما.
وهو تعريج لطيف محبب، لا يخرج عن السمت.

-المحاولة للوصول إلى حاق الأمر وحقيقه، وإن كلفه جهداً ووقتاً؛ وذلك لأنه يرى أن التحقيق نوع من العلم، يحتاج إلى ديانة وأمانة، كجشبه في معرفة ناسخ نسخة الظاهرية، من (الكنى والأسماء)، للإمام مسلم، حتى توصل بأخرة، إلى تمييزه، وهو: أبو الحسن ابن الفرات، تـ٣٨٤، نسخه في سنة ٣٤٧.

-الولوع باكتشاف حقيقة، أو تزييف بهرج، كاكتشافه لتدليس فظيع، كاد أن يطمس هوية نسخة وناسخها!
وليس ذلك لتسجيل أولية، أو تتبع خطية، بل خدمة بحتة للعلم والمعرفة.

-الإظهار للمخبوء، والإبراز للمغمور، كإظهاره لعَلم نساخ مكثر مجود حجة، ولكنه خامل الذكر -مثل مطاع-، وهو أبو الحسن ابن الفرات!

-الاحتجاج لعمل غريب، ليس مألوفاً عند المحققين، كاحتجاجه لعمله هذا، (تصوير المخطوطة) كما هي بخط ناسخها، مشترطاً لها ثلاثة شروط: حسن اختيار المخطوطة، والتقديم لها بمقدمة وافية، وتذييلها بالفهارس المناسبة.
وعمله هذا؛ كان تنفيذاً، لإشارة له، في رسالته العتيدة (في منهج تحقيق المخطوطات).
قلت: وقد عمل بما شرط، بل أوفى وأربى.

-التأدب مع غيره من المؤلفين والمحققين، فهو غاية في الأدب ولو كانوا زملاءه، فتراه يقول: وسها فلان .. وهم فلان، ولكنه لرقته ولطفه؛ يستعمل أسلوب الظنية والترجية..، فيقول: وفي ظني أن الصواب كذا، أو لعل الأصوب كذا، وقد يكون جازماً في توهيمه وتوهينه، ولكنه الأدب العالي!

على أنه مكثر جداً، من التعقيبات والتعليقات على غيره، بل لا تكاد تفتش صفحة إلا رأيت له تنبيهاً أو تنويهاً، كل هذا، بأدب جم، واعتذار نادر، وعبارة عالية، وإشارة غالية.

ويا للأسف، ترى الواحد من الصغار، يوهّم الكبار، ويوهّن الأسفار، لأدنى عبارة، وأوهى إشارة، وربما اعتباطاً أو اغتلاطاً، وبعبارات فجة، وتكهنات مجة، مع تظنن وتجنن.
فاللهم غفراً.

-الهضم للنفس، وكبح الجماح، وعدم الاعتداد بعمله؛ فقد سمى عمله الرفيع هذا، في تقدمته: (محاولة) و(تجربة) و(عمل متواضع).
واسمع إليه في ختم تقدمته الباذخة، يقول: "وخلاصة القول: إنها نسخة محررة معمرة، حجة في خطها، ثقة في ضبطها، غنية بفوائدها، قد تعاهدتها بالعناية.. أقلام علماء أثبات، أتقدم بها إلى القارئ الكريم، مشفوعة بالجهد المتواضع في خدمتها ..."!

-الخفوت، والبعد عن الأضواء الزائفة، فقد رأيته، (ليس مرة) عند عزوه لكتاب من كتبه، يذكره في الحاشية، دون ذكر اسمه، (مطاع) بل يكتفي بالطبعة، وليس ذلك منهجه في ذكر سواه، بل يثبت اسم الكتاب والكاتب!
وهذا لعمري، وإن كان الذكر سائغاً، إلا أن عدمه؛ يشي بنفس كبيرة، وخلق أكبر.

-الدفع لما يتوهم، فقد يظن بعض الأغمار، أن تصوير المخطوطات، هو تخفف من الأعباء، أو تزلف إلى الإعطاء!
وكأنه حدَس إلى هذا الظن الخائب، فقال: "وقد يحسن التنبيه، إلى أن التصوير ليس وسيلة للاتجار الرخيص، أو ذريعة للتخفف من أعباء القراءة والتحقيق، بل هو في حقيقة الأمر: نحوٌ آخر من العمل في المخطوطات، له أهدافه، وعليه أعباؤه.
أنه باختصار: محاولة علمية جادة، للظفر بكل الفوائد التي يمكن أن تقدمها المخطوطات لقرائها.
ومن هنا: وجب اقتران الكتب المصورة، بمقدمات وافية تمهد للناس سبل الانتفاع بها، ثم قراءة الحواشي الدقيقة، وبيان غوامضها".

هذه بعض القراءات السريعة، من تيك التقدمة البديعة، التي تستأهل أن تكون نبراساً للمحققين، ومقباساً للمولفين، في طريقهم اللاحب، في هذا الزمن اللاهب!

وأختم قراءتي، فأقول: رحمك الله أيها المحقق الثقة، والمدقق المقة، فإنك -والحق-، قد عانيت الكثير، وبذلت الوفير، وأعطيتنا الجزل، وجنبتنا الهزل، ولكنها مروءتك الأبية، الملازمة لجميع أعمالك العلية.

ويا مطاع، أجرك عند من وسع سمعه الأسماع، "في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى".
أما الخلق: فقد أهملوك، بل جهلوا اسمك اللامع، فلم يعرفه إلا الخواص، ناهيك عن معرفة كنهك، واكتناه حقيقتك!
وسلام الله عليك في الأولين، وجعل لك لسان صدق في الآخرين.


وكتب: أبو نعيم وليد بن عبده الوصابي.
١٤٤١/٦/٢٧
ح ي