السبت، 17 يوليو 2021

شكراً على السلام!

شكراً على السلام!

رأيته يمشي مكبّاً على وجهه، لا يلوي على شيء، (قد سئم تكاليف الحياة) ومَللها ومِللها، وخللها وعللها، وعنتها وعنائها، فهو قد بلغ السبعين أو ما حولها، ولم يتزوج بعد!


أتيته مسلّماً، فرد السلام بأحسن، وسأل كل منا عن الآخر وعن أحواله، وعن هذه الحياة الكليفة وتكاليفها المكلفة!

ثم قال لي: (شكراً على السلام)! تعجبت جداً من هذه الكلمة.. أوَصَلنا في هذه الأيام، أن نشكر بعضنا على السلام؟!


كأني بهذا الشيخ الخلي، وقد صار وحيداً فريداً، وافتقد كل قرب وقريب وقرابة، حتى السلام، افتقده!


سبحان الله، آلسلام، يبخل به، وفيه أجر وفضل، و(الله هو السلام)؟!

أي جهد في إلقائه  .. وأي عناء في إبدائه؟!

ليس هناك أي جهد أو جهاد في إفشائه، ولكن: القلوب قد ضاقت، والصدور قد حرجت، فعجزت وتعاجزت!


فيا أيها الناس: (أفشوا السلام بينكم) "وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها".


وحقيقة، تشعر بالأمان، وتحس بالمحبة، تجاه من ألقى إليك السلام، كيف لا، وهو يلقي إليك السلم والسلام والسلامة، ويدعو لك بذلك؟!


بل إن في السلام، علوّاً لصاحبه.. عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفشوا السلام؛ كي تعلوا).

رواه الطبراني.


قال المناوي، في (الفيض: ٢/ ٣٠): "أي: يرتفع شأنكم؛ فإنكم إذا أفشيتموه، تحاببتم، فاجتمعت كلمتكم، فقهرتم عدوكم وعلوتم عليه. وأراد الرفعة عند الله".


فاعجب، ممن زهد عن العلو والرفعة، في الدنيا والآخرة!


والمسلِّم؛ أولى الناس بالله تعالى.. عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أَوْلى الناس بالله، مَن بدأهم بالسلام).

رواه أبو داود والترمذي.


قال في (عون المعبود: ١٤/ ٧٠): "قال الطيبي: أي: أقرب الناس من المتلاقيين إلى رحمة الله، مَن بدأ بالسلام"!


فاعجب، إلى المُتوانين عن هاته الفضيلة الجليلة!


فسلِّموا على أنفسكم، وعلى أهليكم، وعلى غيركم "تحية من عند الله مباركة طيبة".. تسلموا وتغنموا وتنعموا.

وسلام السلام عليكم.



وكتب: وليد أبو نعيم.

١٤٤٢/١٢/٦


الرِّحلة النبوية لحجِّ بيت رب البرية

 الرِّحلة النبوية لحجِّ بيت رب البرية


بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على نبيه وعبده، وعلى آله وصحبه وجنده.

وبعد:


فإنني في هذه المقالة، أردت لنفسي تشريفاً، ولغيري تعريفاً، بـ (رحلة نبينا عليه الصلاة والسلام، إلى بيت الله الحرام)؛ لتكون لنا رائداً ومحتدى، وقائداً ومقتدى.


وقد جرّدت مقالتي من كل شيء، سوى ذكره عليه الصلاة والسلام؛ لينسجم قارئها، فيمتع لبه، ويريح قلبه، بأعظم رحلة في التاريخ.


وأنا في هذا مرتشف من معين العلماء، ومحتذٍ فقه الفقهاء، فليس لي فيها إلا الرصف، ولكم الرشف.

وعلى الله قصد السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.


وها كم بدء الرحلة:

خرج عليه الصلاة والسلام، من مقامه في المدينة، بجميع نسائه، وطاف عليهن ليلته تلك، ومعه جمع غفير من الصحب الكرام.


ثم توجهوا إلى ميقات المدينة (ذي الحليفة)، فأَهَلّ من ميقاتها ما بين الظهرين، وصلى بها العصر ركعتين، وذلك بعد أن اغتسل عليه الصلاة والسلام؛ وتطيّب لحله قبل حرمه، طيّبته زوجه عائشة رضي الله عنها، وباتوا ليلتهم بذي الحليفة.


ثم أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم، في مصلاه، فأهّل بالتوحيد: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك). 


ثم ركب عليه الصلاة والسلام، ناقته القصواء، ولبّى، ثم رقى البيداء؛ وأهلّ -متابعاً- بالتوحيد، وتابع التلبية، ولم يزل يُلَبِّي حتى استلم الحَجَر.


وأمر أصحابه أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية، حينما بلغوا فَجّ الرَّوْحاء حتى بُحّت أصواتهم -وفَجّ الرَّوْحاء: يبعد عن المدينة نحواً من سبعين كيلاً-.


ثم انطلق عليه الصلاة والسلام، حتى إذا أتى سَرِف، وهو: وادٍ قبل مكة -ويسمى اليوم بـ (النوارية)- حاضت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وبكت؛ فطمأنها الرسول عليه الصلاة والسلام.


ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى نَزَلَ بـ (ذي طُوَى) ويقال لها: (آبار الزاهر) فباتَ بها ليلة الأحد لأربعٍ خلون من ذي الحجة، وصلى بها الصبح، ثم اغتسل من يومه، ودخل مكة نهاراً من أعلاها من الثنية العُلْيا- التي تشرف على الحجون.


وأول ما ابتدأ به عليه الصلاة والسلام، حين دخل المسجد هو: طوافه بالبيت، ولم يركع تحية المسجد؛ لأن تحية البيت؛ الطواف.


ولما حاذى الحجر الأسود؛ استلمه ولم يزاحم عليه، ولم يذكر له ذكراً خاصاً به.


فطاف عليه الصلاة والسلام، السبعة الأشواط، مبتدئاً باستلام الحَجَر، ثم اضطبع، ورمل الأشواط الثلاثة الأُوَل، ومشى الأربعة الباقية، وكان يقرأ بين الركنين: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار".


ثم إنه صلى الله عليه وسلم، كان كلما حاذى الحجر الأسود؛ أشار إليه أو استلمه بمحجنه، وقبّل المحجن، وقال: الله أكبر.

(والمحجن: عصاً محنية الرأس).


وأما الركن اليماني؛ فإنه كان عليه الصلاة والسلام، يستلمه، ولم يثبت عنه أنه كان يقبّله، ولم يقبّل يده عند استلامه.


وبعد أن فرغ عليه الصلاة والسلام، من طوافه بالبيت؛ أتى المقام، وجعله بينه وبين الكعبة، ثم تلا الآية: "واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى". ثم كبر، فصلى عليه الصلاة والسلام، ركعتين، قرأ في الأولى: بسورة (الكافرون) وفي الثانية: بسورة (الإخلاص).


ثم أتى زمزم؛ فشرب منها، ثم رجع وقبّل الحجر، ثم انطلق إلى الصفا، فتلا الآيات قبل أن يرقى جبل الصفا: "إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم"، ثم قال: (أبدا بما بدأ الله به).


ثم رقى الصفا، حتى رأى البيت؛ فاستقبله، فكبّر الله عز وجل ثلاث تكبيرات، ثم قال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، نصر عبده، وأنجز وعده، وهزم الأحزاب وحده).


ثم دعا عليه الصلاة والسلام، ثم رجع مرة ثانية، وكبر ثلاث مرات، ثم هلل مرتين، ثم دعا، ثم رجع مرة ثالثة، فكبر ثلاثاً، وهلل مرتين ودعا، وابتدأ سعيه ماشياً، ثم ختمه راكباً؛ لازدحام الناس عليه.


ولما فرغ من دعائه عليه الصلاة والسلام؛ نزل الوادي، وخبَّ وسعى واشتد سعيه، والرداء يدور على ركبته من شدة سعيه.

وقال وهو يسعى: (أيها الناس: إن الله كتب عليكم السعي؛ فاسعوا).


ثم رقى المروة؛ وصنع عليها مثل ما صنع على الصفا، واحتسب سبعة أشواط، مبتدئاً بالصفا، ومنتهياً بالمروة.


وكان يُصلي مدة مقامه بمكة، وهي أربعة أيام، الأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء، إلى يوم التروية بمنزله، بظاهر مكة، بالمسلمين، يَقْصُر الصلاة.


فلما كان اليوم الثامن -وهو يوم التروية- وهو يوم الخميس، توجّه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى مِنى، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، وكان بياته عليه الصلاة والسلام فيها، وكانت ليلة الجمعة.


ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد صلاة الفجر إلى عرفات من طريق ضب -وهو الطريق الذي بأسفل جمرة العقبة- فلما وصل عرفات؛ نزل بـ نمرة، بعد صلاة الظهر والعصر -ونمرة هو: المنبسط الفسيح الذي بين حدود الحرم، ووادي عُرَنة، وهو يقرب من خمسائه متر، وليست من عرفة-؛ ضُربت له القبّة في ذلك الموضع؛ فنزل فيه، ولما زالت الشمس، حرّك ناقته القصواء، وأتى وادي عرنة، وخطب الناس خطبته المشهورة الفردة، التي تعرف بخطبة (حجة الوداع) وقد أحاط فيها بمقاصد الإسلام، وأوصى بالنساء والذِّمام، وحرّم انتهاك الأعراض والأموال والدِّماء.


واجتمع له فيها؛ قرابة مائة وعشرين ألف من الصحابة.

ومما قال فيها عليه الصلاة والسلام: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم؛ عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا.. ألا هل بلغت؛ اللهم فاشهد) وكان يرفع أصبعه، ثم ينكتها على الصحابة، قائلاً: (اللهم فاشهد).


وبيّن فيها عليه الصلاة والسلام، عظيم الحرمات، قائلاً: (إن رِبا الجاهلية موضوع، وأول رباً أضعه، ربا عمي العباس بن عبد المطلب).


ثم استقبل القبلة، وجعل حبل المشاة بين يديه، ثم رفع يديه، وما زال يتضرع ويدعو؛ حتى غابت الشمس.


فلما أتمَّ الخطبة؛ أمَر بلالاً فأذَّن، ثم أقام الصلاة، فصلَّى الظهر ركعتين أسَرَّ فيهما بالقراءة -وكان يوم الجمعة- ثم أقام، فصلى العصر ركعتين، ومعه أهل مكة، ولم يأمرهم بالإتمام، ولا بترك الجمع.


وكان يكثر أن يقول: (خير الدعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) وحثّ الناس على ذلك.


ثم مشى إلى عرفة، ووقف في ذيل الجبل عند الصخرات، ووقف بها، وقال: (وقفت هاهنا، وجَمْع كلها موقف).


فكان نزوله بـ نمرة، وخطبته بـ عرَنة، ووقوفه بـ عرفة، وهذا مفرق دقيق، يغيب عن البعض ويعزب.


وفي عرفة؛ نزلت آخر آية، من القرآن: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا" وكأن فيها إشارة؛ إلى أن الحج كان متمماً للإسلام، فلما قضي أهم أركانه، وهو: الوقوف بعرفة؛ كان الإكمال والتمام والرضى -فلك اللهم الحمد والمنة-.


وبعد أن فرغ من الدعاء؛ انتظر حتى غابت الشمس، ثم دفع إلى مزدلفة، بعد مغيب الشمس وذهاب الصفرة التي تلي المغيب، وهو يسير العَنَق -وهو السير الذي بين الإبطاء والإسراع- فإذا وجد فجوة؛ نص -والنص: فوق العنق-.


وكان الناس أمامه ووراءه، ويمينه وشماله -عليه الصلاة والسلام- يمدّ بصره، ويقول: (أيها الناس: السكينة السكينة، فإن البِّر ليس بالإيضاع) -والإيضاع: هو تكلف الإسراع في السير-.


وأخَّر المغرب والعشاء إلى مزدلفة،

فلما أتى الشعب -وهو الذي قبل المشعر- دخل عليه الصلاة والسلام، فيه، وقضى حاجته، ثم توضأ وضوءاً خفيفاً، وكان رديفه: أسامة بن زيد رضي الله عنهما.


ثم أمر عليه الصلاة والسلام، بلالاً؛ فأذن، ثم أمره فأقام، فصلّى صلى الله عليه وسلم، بالناس المغرب، ثم انتظر بقدر ما يحط الرَّحل، ثم أمره أن يقيم؛ فصلى بالناس العشاء، ولم يسبّح بينهما، ولا على إثرهما.


ونام حتى أصبح، ثم في صبيحة يوم العيد؛ غَلَّس -عليه الصلاة والسلام- بصلاة الفجر، فصلّى صلاة الفجر في أول وقتها؛ لأجل الدعاء.


وفي طريقه؛ أمَر عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن يَلْقُط له حصى الجمار، سبع حصيات؛ فجعل ينفضهن في كفه، ويقول:(بأمثال هؤلاء؛ فارموا، وإياكم والغلو في الدِّين).


ثم مضى عليه الصلاة والسلام، إلى مِنى، وكان رديفه: الفضل بن العباس رضي الله عنهما، فلما بلغ وادي مُحسِّر؛ أسرع عليه الصلاة والسلام، ولما أتى منى؛ حيّاها برمي جمرة العقبة.


ولم يزل يُلبّي، حتى رمى جمرة العقبة بسبع حصيات راكباً، بعد طلوع الشمس، من بطن الوادي، وجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، يكبّر مع كل حصاة.


ثم رجع منى؛ فخطب الناس خطبةً بليغة، أعلمهم فيها بحرمة يوم النحر وفضله، وحرمة مكة، وأمرهم بالسمع والطاعة لمن قادهم بكتاب الله، وعلّمهم مناسكهم.


وبعد أن رمى عليه الصلاة والسلام؛ نحَر ثلاثاً وستين بدنة بيده الشريفة -بعدد عمره المبارك- ووكَّل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أن ينحر سبعاً وثلاثين بدنة؛ لتتم المائة.

وأمره، أن يتصدق بها في المساكين، وأن لا يعطي الجزار في جِزارتها شيئاً منها.


ثم حلَق رأسه عليه الصلاة والسلام؛ فأعطى الحلاّق شقه الأيمن، ثم شقه الأيسر، ودفع شعره إلى أبي طلحة رضي الله عنه، وقال: (اقسمه بين الناس) ودعا للمحلِّقين بالمغفرة ثلاثاً، وللمقصِّرين مرة، وطيّبته عائشة رضي الله عنها، قبل أن يحل.

وتحلل التحلل الأول؛ فباح به وله كل شيء، إلا النساء.


وبعدها: وقف عليه الصلاة والسلام، للناس يسألونه؛ فخففّ عليهم ويسّر، ثم مضى إلى البيت، وطاف يوم النحر طواف الإفاضة، راكباً؛ ليبرز للناس، فيروا ما يفعله -عليه الصلاة والسلام- في مناسكه، وهو القائل: (لتأخذوا عني مناسككم).

ولم يطفْ غيره، ولم يسعَ معه، ولم يرمل فيه، ولا في طواف الوداع، وإنما رمل في القدوم فقط.


ثم جاء سقاية بني العباس؛ فشرب منها -عليه الصلاة والسلام- ثم انطلق إلى منى، وصلى بها الظهر والعصر، وبات بها ليلة الحادي عشر، فمكث حتى إذا زالت الشمس؛ بدأ بالجمرة الصغرى التي تلي مسجد الخيف، فرماها بسبع حصوات، ثم أسهل جهة الوادي، فرفع كفيه، ودعا -عليه الصلاة والسلام- دعاء طويلاً، قدر سورة البقرة.


ثم انطلق؛ فرمى الجمرة الوسطى بسبع حصيات، ثم أسهل ودعا -عليه الصلاة والسلام-، قريباً من دعائه الأول.


ثم رمى جمرة العقبة من بطن الوادي، فأتمّ الرمي للجمرات الثلاث، وانصرف عنها، ولم يقفْ داعياً.


ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم، بات ليلة الحادي عشر، وليلة الثاني عشر، ولم يتعجل في يومين، بل تأخر حتى أكمل رمي أيام التشريق الثلاثة، وأفاض بعد الظهر إلى المحصّب، فصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ورقد رقدة، ثم نهض إلى مكة، فطاف للوداع ليلاً سَحَراً.


ثم طاف -عليه الصلاة والسلام- طواف الوداع، ولم يرمل في طوافه هذا، ثم مضى إلى المدينة -عليه الصلاة والسلام-.


وبعد..

فهذا مجمل رحلته عليه الصلاة والسلام، إلى حج بيت الله الحرام، وهي حجته الأولى والأخيرة، فلم يحج -عليه الصلاة والسلام- غيرها، بل ظهرت مؤشرات موته، ومبشرات عمله، فودّع ذلك الجمع المهيب، وكان الوداع الأخير.


أسأل الله بمنه وكرمه، وفضله وإحسانه.. أن يمنّ علينا بحج بيته الحرام، عاماً بعد عام، ونحن في أمن وسلام، وفضل وإنعام، إنه سبحانه جواد كريم، بر رحيم.

"وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وسلام على المرسلين"،

وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مزيداً إلى يوم الدين.


انتخبها: وليد بن عبده الوصابي.

١٤٣٧/١٢/٧

الأحد، 11 يوليو 2021

وانقضّ كوكب صنعاء!

وانقضّ كوكب صنعاء!

العلامة الكبير، والقاضي النحرير، والفقيه الخطير، مجيزنا وشيخنا: محمد بن إسماعيل العمراني.. يغادر دنيانا الأفنة، وحياتنا العفنة، بعد عشرة عقود مباركة، قضَاها في أروقة الدرس، ثم قضّاها في ردهات التدريس: مفتياً، وقاضياً، ومعلماً، ومدرساً، ومجيزاً.. لا يكلّ ولا يمل، بأناة وصبر وتؤدة وورع ووجل، دون تسرع أو عجل!


يعرف فضل من سبقه من أهل العلم والمعرفة .. عفّ اللسان، بل منافحاً عن سبيل المؤمنين وعلمائه، من المتقدمين والمحدَثين!

صعَد إلى ذرى المجد بعلمه، وتصدر العلماء بفقهه، ونجم نجمه بفهمه، لم يتنكب طريقاً، أو يتنكف صديقاً، سليم قلبه على المسلمين.


شهدته، يأتي إلى مسجده (الزبيري) قبيل المغرب بردهة، فيصلي ركعتين في محرابه، ثم يرفع سجادته، ليتناول تحتها لفيفاً من مزع الورق وقطعها، وضعها هناك من أرداد التفقه والتثقيف، فيبدأ بالإجابة والرد على كل سؤال، دون تبرم أو يأس، ولا يريد من أحد جزاء ولا شكوراً!

وهذه عادة بينه وبينهم، استمرت لسنوات!


أول زيارة له، كانت في ٢١ جمادى الأولى لعام ١٤٣٠، في مسجده بصنعاء.

سلّمت عليه، وأجازني، وحضرت له درسه بعد المغرب، الذي ظل سنوات بل ربما عقوداً، يحضره لفيف من الكبار والصغار، من القضاة والوزراء، ويفهمه الجميع!


وقد شرح في هذا المسجد.. كتباً كثيرة، كـ (بداية المجتهد) و(زاد المعاد) وبعض كتب الشوكاني، إلى غيرها من الأسفار الكبار.

وكنت أتحسر لفوات هذه الكنوز، ولكن هاتفني أحد الإخوة، في رمضان (١٤٤١) وأخبرني: أنهم كوّنوا لجنة من المشايخ والأساتذة؛ لإخراج كل تراث الشيخ، قال: وهم الآن في صدد الجمع، ولعله يكون في نحو من مائة مجلد!

فحمدت الله على ذلك، وشكرته، وشددت من عضده.

والله يوفقهم ويسددهم.


وقرّظ لي حينها، شرحي على (لامية ابن الوردي) كل ذلك، بخط يده المعلوم لدى طلبة العلم.


ولم يكن هذا الفضل كله، إلا بعد قصة طريفة ظريفة، جرت بيني وبينه، لم تخلُ من حدة وشدة، لكنها مشوبة بحرص وحزم، سرعان ما ذابت وزالت!


ثم توالت بعدها.. زياراتي له، تارة في بيته، وأخرى في مسجده المعلوم، وأحياناً، لم ألقه -وذلك لأمراضه الأخيرة المتكررة- فأرجع أجرّ أذيالي، دون تبرم أو يأس، بل أعود أخرى لمثلها.


آتيه بعض الزورات.. وهو يصلي في جماعة، على كرسي من التعب والكبَر!

وهكذا الأيام والكِبَر، تهدان الإنسان، وتفلاّن قواه، وتنهكان جسده!


إن الثمانين وبلّغتها *** قد أحوجت سمعي إلى ترجمان!


قلت: بل هو قد جاوز الثمانين، بل خنق المائة، بل تعداها بسنوات!


أهل الحديث طويلة أعمارهم *** ووجوههم بدعا النبي منضّرة


وحينها.. كنت آتيه، فأراه مقبلاً يجرّ خطاه جراً، ويسحبها في الأرض سحباً، ولا يكاد يرفعها عن الأرض،

حتى نهاديه يميناً وشمالاً، فيقعد على الأرض، ثم يستند إلى جدار، ويتكئ بنصف جسده على متكأ، ولتوه، يخرج قلمه؛ ليوقّع على فتاوي الناس!


وتعجب له، في هذا السن الطويل، وهو يحرص على نفع الآخرين، بل إني قرأت عليه، وهو في حاله هذا (الأوائل السنبلية) في جلسة واحدة، وكنت أحدِر قليلاً؛ خشية الانقطاع أو التقطع، فكان يستفهمني أحياناً، ويشير إلي بالتمهل، فاعجب!


ثم أقيم على كرسي، وأخذنا نسأله بعض الأسئلة، وهو يجيب بصوت شاحب خافت متهدج، قد أنهكه كثرة الكلام على مدار الأيام، من تدريس وتعليم.


ثم قطع المجلس.. بأن رفع يديه وصوته مكبراً: الله أكبر؛ لصلاة الضحى!

ثم نظر إلينا، قائلاً: قوموا صلوا صلاة الضحى "صلاة الأوابين"


ولا يزال كل يوم، يجلس في بيته صباحاً، حتى ما شاء الله؛ ليصادق على فتاوي الناس!


فسبحان الله، كيف يعطي الله هؤلاء العلماء، جلَداً على العلم وتبليغه.


فالشيخ.. طود شامخ، وقامة شادخة في العلم والفتيا، مع ظرافة ولطافة وإحماض.


والقاضي.. خزانة علم ومعرفة، وخزينة قصص وأمثال، ومخزن مآثر وآثار.


دروسه لا تمل؛ لاحتوائها على التأصيل والفكاهة، وفتاويه لا ترد؛ لما تحويه من الدليل والتعليل.


هو من الكبار الأساطين: قولاً وعملاً .. سناً وقدرا.


ولم أردْ في هاته العجالة الحزينة، أن أترجم له، فهذه ليس أوانها، وليست لي، بل لآخرين، عاشوا معه، وصحبوا أنفاسه، طيلة سنوات، فهنيئاً لهم.


رحم الله -شيخنا الجليل- رحمة الأبرار، وأسكنه جنات تجري تحتها الأنهار، ولقاه نضرة وسروراً، وكساه إستبرقاً وحريراً، وعوضه الله جنة الفردوس، كفاء ما أحيا من النفوس.


"إنا لله وإنا إليه راجعون"، و(إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى)


وعزائي لأهله وذريته وطلابه وتلاميذه ومحبيه، بل لربوع اليمن أجمع، بله للعالَم الإسلامي كله، فهو شيخ الكل، وأستاذ الجميع، فالمصيبة عامة غامة، والله وحده المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.


وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي.

١٤٤٢/١٢/٢

السبت، 10 يوليو 2021

سَيْر الدُّلْجة في عشر ذي الحجة!

سَيْر الدُّلْجة في عشر ذي الحجة!


الأيام العشر الأولى، من شهر ذي الحجة.. أيام عظيمة معظمة، أقسم الله بها في كتابه الكريم، والإقسام بالشيء، دليل على عظيمه وفخيمه.


قال تعالى: "والفجر وليالٍ عشر".

قال ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغير واحد من السلف والخلف: إنها عشر ذي الحجة.

قال ابن كثير: "وهو الصحيح"

(تفسير ابن كثير: ٨/ ٤١٣)

بل ذهب جمهور أهل العلم، إلى ذلك، بل نقل ابن جرير، الإجماع عليه، فقال : "هي ليالي عشر ذي الحجة ، لإجماع الحُجة من أهل التأويل عليه".

(تفسير ابن جرير: ٧/ ٥١٤)


تنبيه: أطلق على الأيام (ليالي)؛ لأن له وجهاً في اللغة العربية، فقد تطلق الليالي ويراد بها الأيام، والأيام يراد بها الليالي.

وكان من كلام السلف: (صمنا خمساً) يريدون: الليالي.

ينظر: (أحكام القرآن: ٤/ ٣٣٤) لابن العربي المالكي، و(لطائف المعارف: ٤٧٠)


والعمل في هذه الأيام.. محبوب إلى الله سبحانه وتعالى، مرغب فيه.. فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح، فيهن أحب إلى الله، من هذه الأيام العشر. فقالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه، وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء)

رواه البخاري.


وقد كان السلف رضوان الله عليهم.. يجتهدون اجتهاداً عظيماً في هذه العشر.. حتى أن سعيد بن جبير: يبلغ به اجتهاده، حتى ما يكاد يقدر.

أي: أنه يتكلف العبادة فيها؛ خشية الفوات!


وإنما بالغوا في اجتهادها؛ لعلمهم: أن العمل في هذه الأيام، أحب إلى الله من العمل في غيرها.


قال ‎شيخ الإسلام ابن تيمية: "واستيعاب ‎عشر ذي الحجة بالعبادة، ليلاً ونهاراً، أفضل من جهاد لم يذهب فيه نفسه وماله، والعبادة في غيره، تعدل الجهاد؛ للأخبار الصحيحة المشهورة، وقد رواها أحمد وغيره".

(الفتاوى الكبرى: ٥/ ٣٤٢)


والأعمال الصالحة، في هذه العشر، عامة مطلقة، في شتى الأنحاء والأشياء، ولكن جاء تخصيص بعضها.


فمن ذلك:

-الصيام، وقد اختلف العلماء في استحباب صيامها.. ففي سنن أبي داود، والنسائي وغيرهما، عن بعض أزواج النبي صلى الله ‏عليه وسلم، قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يصوم تسع ذي الحجة، ويوم ‏عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر).


هذا، ولكن جاء عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (ما رأيت رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم، صائماً في العشر قط).

وفي رواية: (لم يصم العشر).

رواه مسلم. ‏


فعلى من قال بصحتهما.. يترجح الجمع بينهما، وهو أن حديث عائشة، يحمل على أنها لم تره هي صائماً.

ويحمل حديث هنيدة، على أنه عليه الصلاة والسلام، صامها، ولم تعلم بذلك عائشة، وهذا إثبات "والمثبت مقدم على النافي"؛ لأن عنده زيادة علم.


قال النووي: "قال العلماء: هذا الحديث، مما يوهم كراهة صوم العشر، والمراد ‏بالعشر هنا: الأيام التسعة من ذي الحجة، قالوا: وهذا مما يتأول، فليس في صوم هذه ‏التسعة كراهة، بل هي مستحبة استحباباً شديداً، لا سيما التاسع منها ‎... فيتأول قولها: (لم ‏يصم العشر)، أنه لم يصمه لعارض مرض أو سفر أو غيرهما، أو أنها لم تره صائماً فيه، ولا ‏يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر"

(شرح صحيح مسلم: ٤/ ٣٢٨)


وعلى من قال بضعف حديث هنيدة.. فيندرج تحت الأعمال الصالحة؛ إذ هو من أفضل الأعمال، ولا مخرج له من جملة صالح الأعمال.


وعلى فرض عدم صيام الرسول عليه الصلاة والسلام، لها؛ فلا يدل على عدم شرعية صيامها؛ إذ أنه عليه الصلاة والسلام، حثّ على صيام المحرم كاملاً، ولم يصمه صلى الله عليه وسلم.


زد على ذلك: صيام بعض الصحابة لها، كابن عمر، وبعض التابعين كالحسن وغيره، كما في (مصنف عبدالرزاق)


وصرح المالكية والشافعية: بأنه يسن صوم هذه الأيام للحاج أيضاً، واستثنى المالكية من ذلك، صيام يوم التروية للحاج.


فيترجح: أن صيام التسع، سنّة، ولا حجة -حسب علمي- لمن قال بعدم مشروعية صومها، أو ببدعيتها، بل لقد أبعد النجعة.


ولا أعلم -حسب بحثي- من قال بهذا القول، إلا رسالة لأحد الأفاضل المعاصرين، ورأي لفاضل آخر، ولكن الكفة راجحة عليهم.

والله أعلم.


ومنها: ذكر الله بالتكبير والتهليل ونحوه.

قال تعالى: "ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات".

والأيام المعلومات: هي عشر ذي الحجة.

وقال تعالى: "واذكروا الله في أيام معدودات".

والأيام المعدودات: هي أيام التشريق.


وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أيام التشريق.. أيام أكل، وشرب، وذكر الله عز وجل).

رواه مسلم.


قال ميمون بن مهران: "أدركت الناس، وإنهم ليكبِّرون في العشر، حتى كنت أُشبِّهُه بالأمواج من كثرتها".

(فتح الباري: ٩/ ٩) لابن رجب.


وقال ‏ابن القيم: "والأفضل في أيام عشر ذي الحجة.. الإكثار من التعبد، لا سيّما التكبير والتهليل والتحميد، ‏فهو أفضل من الجهاد غير المتعين".

(مدارج السالكين: ١/ ١١٠)


والتكبير: مطلق، ومقيد..

فالمطلق: هو الذي لا يتقيد بوقت أو زمن معين، بل يُسن دائماً دون تحديد أو تعيين أو تخصيص.

فيُستحب التكبير المطلق في عشر ذي الحجة، وسائر أيام التشريق، وتبتدئ من دخول شهر ذي الحجة، إلى آخر يوم من أيام التشريق، وهو الثالث عشر.

والمقيد: وهو الذي المقيد بأدبار الصلوات.

فإنه يبدأ من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق.

هذا لغير الحاج، أما الحاج: فيبدأ التكبير المقيد في حقه، من ظهر يوم النحر.

ويجوز أن يذكر الله بأي صيغة تعظيم، وإن اقتصر على الوارد عن بعض الصحابة، كان أفضل، ومما ورد:

-(الله أكبر .. الله أكبر .. لا إله إلا الله، الله أكبر .. الله أكبر .. ولله الحمد)


-(الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر .. لا إله إلا الله، الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر .. ولله الحمد)


-(الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر .. لا إله إلا الله، الله أكبر .. الله أكبر .. ولله الحمد)


والأمر واسع في هذا؛ لعدم وجود نص عن النبي صلى الله عليه وسلم يحدد صيغة معينة.

ينظر: (مجموع فتاوى ابن باز: ١٧/ ١٣) و(الشرح الممتع: ٥/ ٢٢٠)


ومنها: الحج.

فتبدأ أعمال الحج، من اليوم الثامن، وهو يوم التروية، إلى آخر أعمال الحج.


ومنها: الأضحية.

وهي: ما يذبح من بهيمة الأنعام، في أيام الأضحى، من يوم النحر إلى آخر أيام التشريق، تقرباً إلى الله عز وجل.

والجمهور.. أنها سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا واجبة، والأدلة على ذلك، يجدها من أرادها، أقرب من فتر.


قلت: ولا يقتصر العمل في العشر، على ما ذكر من أعمال، بل على الإنسان، أن يكثر من الأعمال الصالحة، فإن الأجر عظيم، والجزاء جزيل.


ومن الأعمال الصالحة المطلق، التي يحسن بالمسلم، الاستزادة منها في هذه العشر؛ لشرف الزمان:

قراءة القرآن وتعلمه ـ والصلاة - والبر ـ وحفظ اللسان ـ والإحسان ـ والإكرام ـ والإنفاق ـ وقضاء الحوائج ـ والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ـ والدعاء ـ وإغاثة الملهوف ـ وغض البصر عن المحارم ـ وإدخال السرور على المسلمين ـ والشفقة بالضعفاء ـ واصطناع المعروف - والدلالة على الخير ـ وسلامة الصدر - وترك الشحناء ـ والرفق بالبنين والبنات ـ والتعاون مع المسلمين فيما فيه خير الأولى والأخرى.. إلى غيرها من أعمال البر والتقوى.


قال الحافظ ابن رجب: "وأما نوافل عشر ذي الحجة؛ فأفضل من نوافل عشر رمضان، وكذلك فرائض عشر ذي الحجة، تضاعف أكثر من مضاعفة فرائض غيره". 

(فتح الباري: ١٦/٩) 


وقال ابن رجب: "لما كان الله سبحانه وتعالى، قد وضع في نفوس المؤمنين حنيناً إلى مشاهدة بيته الحرام، وليس كل أحد قادراً على مشاهدته في كل عام؛ فرض على المستطيع الحج مرة واحدة في عمره، وجعل موسم العشر مشتركاً بين السائرين والقاعدين؛ فمن عجز عن الحج في عام قدر في العشر على عمل يعمله في بيته، يكون أفضل من الجهاد الذي هو أفضل من الحج".

(لطائف المعارف: ٣٨١)


وإنما مازت هذه العشر غيرها؛ لاجتماع الطاعات فيها.

قال ابن حجر: "والذي يظهر: أن السبب بامتياز عشر ذي الحجة؛ لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي: الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج، ولا يتأتَّى ذلك في غيره".

(فتح الباري: ٢/ ٤٦٠)


وقد اجتمع في هذه العشر، أيام فضائل، لم تجتمع في غيرها، وهي:

-يوم عرفة، وهو اليوم التاسع، وهو يوم عظيم، به يكمل الحج، فإن الوقوف بعرفة، ركن الحج الأعظم، كما قال صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة).

رواه الترمذي.


ولا يقتصر فضل هذا اليوم على الحاج، بل جعل الله فضله عاماً على الجميع، فكما أن الحاج، يقف فيه بجبل عرفات، لم يستحب له صيامه؛ ليتقوى على العبادة فيه، ولكن يستحب صومه لغير الحاج، استحباباً شديداً، بل فيه من الأجر.. عندما سئل النبي صلى الله عليه وسلم، عن صيام يوم عرفة، فقال: (يكفر السنة الماضية، والسنة القابلة).

رواه مسلم.


قال النووي: "ﻓﻬﺬا اﻟﻴﻮﻡ، ﺃﻓﻀﻞ ﺃﻳﺎﻡ اﻟﺴﻨﺔ ﻟﻠﺪﻋﺎء، ﻭﻫﻮ ﻣﻌﻈﻢ اﻟﺤﺞ ﻭﻣﻘﺼﻮﺩﻩ ﻭاﻟﻤﻌﻮّﻝ ﻋﻠﻴﻪ، ﻓﻴﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﻳﺴﺘﻔﺮﻍ اﻹﻧﺴﺎﻥ ﻭﺳﻌﻪ ﻓﻲ اﻟﺬﻛﺮ، ﻭاﻟﺪﻋﺎء، ﻭﻓﻲ ﻗﺮاءﺓ اﻟﻘﺮﺁﻥ، ﻭﺃﻥ ﻳﺪﻋﻮ ﺑﺄﻧﻮاﻉ اﻷﺩﻋﻴﺔ، ﻭﻳﺄﺗﻲ ﺑﺄﻧﻮاﻉ اﻷﺫﻛﺎﺭ، ﻭﻳﺪﻋﻮ ﻟﻨﻔﺴﻪ، ﻭﻳﺬﻛﺮ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﻜﺎﻥ، ﻭﻳﺪﻋﻮ ﻣﻨﻔﺮﺩاً، ﻭﻣﻊ ﺟﻤﺎﻋﺔ، ﻭﻳﺪﻋﻮ ﻟﻨﻔﺴﻪ، ﻭﻭاﻟﺪﻳﻪ، ﻭﺃﻗﺎﺭﺑﻪ، ﻭﻣﺸﺎﻳﺨﻪ، ﻭﺃﺻﺤﺎﺑﻪ، ﻭﺃﺻﺪﻗﺎﺋﻪ، ﻭﺃﺣﺒﺎﺑﻪ، ﻭﺳﺎﺋﺮ ﻣﻦ ﺃﺣﺴﻦ ﺇﻟﻴﻪ ﻭﺟﻤﻴﻊ اﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ، ﻭﻟﻴﺤﺬﺭ ﻛﻞ اﻟﺤﺬﺭ ﻣﻦ اﻟﺘﻘﺼﻴﺮ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﻛﻠﻪ، ﻓﺈﻥ ﻫﺬا اﻟﻴﻮﻡ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺗﺪاﺭﻛﻪ، ﺑﺨﻼﻑ ﻏﻴﺮﻩ".

(كتاب الأذكار: ٣٤٢)


-يوم النحر، وهو يوم العيد، وهو يوم الحج الأكبر، وهو العاشر من ذي الحجة.

قال ابن القيم: "خير الأيام عند الله يوم النحر، وهو يوم الحج الأكبر كما في سنن أبي داود، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أعظم الأيام عند الله.. يوم النحر)".

(زاد المعاد: ١/ ٥٤)


وذلك؛ لأن معظم أعمال الحج تكون في هذا اليوم، ففيه:

-رمي جمرة العقبة.

-النحر.

-الحلق أو التقصير.

-الطواف.

-السعي.

-يوم عيد المسلمين.


قال صلى الله عليه وسلم: (يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق.. عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب).

رواه الترمذي.


-يوم القر، وهو اليوم الأول من أيام التشريق، وسمي يوم القر؛ لأن الناس يقرون -أي يستقرون- فيه بمنى، بعد أن يفرغوا من طواف الإفاضة والنحر.

والقرّ: بفتح القاف وتشديد الراء.


عن عبد الله بن قرط، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إن أعظم الأيام عند الله تبارك وتعالى، يوم النحر، ثم يوم القر).

رواه أبو داود.


-يوم النفر الأول، وهو اليوم الثاني عشر من ذي الحجة، وهو اليوم الذي ينفر الناس فيه من منى، ويجوز النفر لمن أراد التعجيل؛ بشرط أن ينفر قبل الغروب.


-يوم النفر الثاني، وهو يوم الثالث عشر من ذي الحجة، وفيه ينفر الناس لطواف الوداع.

والتعجل أو التأخر.. مجمع عليه لقوله تعالى: "فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه".


هذه بعض الأحكام، عن هذه العشر المباركة.. أرجو أن يكون فيها سِداداً وسَدادا، والله الموفق والمرشد.


وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي

٢ ذو الحجة ١٤٣٥.

١ ذو الحجة ١٤٤٢.



 

الاثنين، 5 يوليو 2021

الشاطبي.. حنفياً لا صحفياً!

 الشاطبي.. حنفياً(١) لا صحفياً!


أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي المالكي، الشهير بـ الشاطبي، تـ ٧٩٠.


هو الأُمام الكبير، والهمام الخطير، والقرم الأبرع، والنور الألمع، "الإمام العلامة المحقق، القدوة الحافظ الجليل المجتهد. كان أصولياً مفسِّراً فقيهاً محدِّثاً، لغوياً، بيانياً، نظَّاراً، ثبتاً، ورعاً صالحاً زاهداً، سُنِّياً إماماً مطلقاً، بحَّاثاً مدقِّقاً جَدَلياً، بارعاً في العلوم، من أفراد العلماء المحقِّقين الأثبات، وأكابر الأئمة المتقنين الثقات، له القدم الراسخ، والإمامة العظمى في الفنون: فقهاً، وأصولاً، وتفسيراً، وحديثاً، وعربية وغيرها".(٢)


هذه أوصاف عَلَم لـ عَلَم، ولا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهل الفضل! و"ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم".


عاش الشاطبي.. حياته بين العلم والتعليم، والدرس والتفهيم، والمناظرة والحجاج، والكتابة والبحث، والتأليف والتحقيق..

فكان من تواليفه الفخام الجزال:


-(الموافقات) وهو في أصول الفقه، وقد بزّ فيه الأقران، وبدّ به الأعيان، حتى غدا مرجعاً ومصدراً لكل باحث ومحقق في هذا العلم العقيد.


وقد نظم كتاب الموافقات، العلامة ابن عاصم الغرناطي، تـ ٨٢٩، وأسماه: (نيل المنى في نظم موافقات الشاطبي)


ولله در العلامة حبيب بن الزايد، حيث يقول -ملتمساً من العلامة باب بن الشيخ سيدي، أن يُعيره "الموافقات"-:

يا سيداً ألْفى الأصول مَنَالها *** صعباً فذلَّلها، وقال: أنا لها

وإذا المسائل أحجمت وتقاعست *** عنها جحاجِيح الرجال أنالها

بـ "موافقات الشاطبي" النفس قد *** عَنِيَتْ، فهل من حيلة لأنالها؟


رضي الله عنهم، فهؤلاء من يعرف متين العلم ورصينه، من غثيثه ورثيثه!


-وله (الاعتصام) في إنكار البدع والحوادث، وحسبك بهذه المعلمة العالمة في هاته البابة المزلّة المدحضة.

أتى بقواعد وضوابط في هذا الفن العويص، جعلت منه مجدداً في ذلك.

ولكنه لم يكمله، بل مات قبل إتمامه، ولعل النقص، كان قليلاً.


-وله (الإفادات والإنشادات) في باب الملح والنوادر، والفوائد والنكات، وظني، أنه جعله مروحاً ومحمضاً عن نفسه التي ألفت عقيد العلم وعقده -كما يقسّم هو العلوم-.


-وله (عنوان الاتفاق في علم الاشتقاق) في باب فن من فنون اللغة العربية الكثيرة.


-وله (المجالس) وهو شرح كتاب البيوع من (صحيح البخاري) قال عنه التنبكتي، في (الابتهاج: ٤٩): "فيه من الفوائد والتحقيقات، ما لا يعلمه إلا ﷲ".


-وله فتاو كثيرة، وأجوبة وفيرة، منثورة ومتناثرة، في بعض الدواوين والمجامع، ومنها، في كتاب (المعيار).


كان الشاطبي -رحمه الله- إمام عصره في المغرب، بل يعدّ مجدداً في عصره وبابه.


ولم يكن متعصباً لمذهب الأشاعرة، وإن كان يؤول بعض الصفات، ويفوض البعض، لكنه أثبت البعض أيضاً.


وقد استفاد، من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، ولم يكن يصرح باسمه؛ نظراً لما في ذكره في آنه، من الأذى الشديد عليه.

ويدل عليه، قوله: "ليس كل ما يعلم، مما هو حق، يطلب نشره، وإن كان من علم الشريعة ... ومن ذلك: تعيين هذه الفرق، فإنه وإن كان حقاً، فقد يثير فتنة، كما تبيّن تقريره، فيكون من تلك الجهة، ممنوعاً بثه"!

(الموافقات: ٥/ ١٦٧)


ويبدو استرفاده، من ابن تيمية.. عند المقارنة بين كتبهما، فقد نقل في بعض المواضع منه بالحرف، وأيضاً: فإن بعضاً من المسائل التي أثارها ابن تيمية في بعض كتبه، أثارها الشاطبي، بأسلوبه البديع، متصرفاً فيها ما شاءت له حكمته وحنكته.


ويعدّ.. منشئ علم أصول البدع ومفترعه، وإن سبقه غيره بالتأليف، إلا أنه قعّد قواعده، وأحكم بنيانه، فغدا ظلالاً وارفاً، يتفيؤه من جاء بعده، ويتقيؤه من انفطر كبده!

دعهم يعضوا على صم الحصى كمداً *** من مات من غيظه منهم له كفنُ!


وهو ضارب في جميع العلوم، بسهم وافر، وحظ كبير، تدل على ذلك تواليفه وفتاويه.


ولم يشرع في التأليف، إلا بعد أن أحسن الشراعة، وأتقن السباحة، بل ومهر الملاحة.


وبهذه السمات والشيات.. ابتلي كثيراً، وأوذي بسبب تحذيره من الابتداع في الدين، وصرْخه في وجوه المبطلين، وهذه عادة أهل الحق في كل زمان ومكان، فاللهم صبراً وجبراً.


وقد كان حكيماً، فيما يكتب ويؤلف، فلم يكن قصده الكتابة فحسب، بل كان لا يكتب إلا في علم وحلم وسلم، فاسمعه يقول: "ليس كل ما يعلم، مما هو حق يطلب نشره، وإن كان من علم الشريعة، ومما يفيد علما بالأحكام- بل ذلك ينقسم، فمنه: ما هو مطلوب النشر، وهو غالب علم الشريعة، ومنه: ما لا يطلب نشره بإطلاق، أو لا يطلب نشره بالنسبة إلى حال أو وقت أو شخص".

(الموافقات: ٥/ ١٦٧)


رحمه الله، ما أفهمه وأحكمه، ثم يأتي شيخ في قرننا الغابر الغائر؛ ليصف هذا المجتهد المجدد، بـ الصحفي!

اللهم غفراً مما حل بنا ويحل، في كل آونة وآنية، من هراء القول، والإغراء بعلمائنا الأعلام، الذين بذلوا دم المهج، وسكبوا ماء العيون؛ ليرفعوا عنا الجهل العائب، ويكشفوا لنا الطريق اللاحب.. أيكون جزاهم، الطعن والتهوين، اللهم لا، إلا مَن أعمى التعصب عينه، وأصم الصمم أذنه، وأغن الغين قلبه، وأكل الحزاز صدره -عياذاً بالمعيذ-.


ورحمة الله على أبي إسحاق، فقد قال -وكأنه آنس قرب هؤلاء الأدعياء-: "وقلما تقع المخالفة لعمل المتقدمين، إلا ممن أدخل نفسه في أهل الاجتهاد: غلطاً أو مغالطة".

(الموافقات: ٣/ ٢٨٧)


وقال -برد الله مضجعه-: "ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺒﻠﻎ اﻟﻤﺘﺄﺧﺮﻭﻥ ﺃﺑﺪاً، ﻣﺒﺎﻟﻎ اﻟﻤﺘﻘﺪﻣﻴﻦ؛ ﻓﺨﻴﺮ اﻟﻘﺮﻭﻥ اﻟﻘﺮﻥ- اﻟﺬﻳﻦ ﺭﺃﻭا ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ، ﻭﺁﻣﻨﻮا ﺑﻪ، ﺛﻢ اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻠﻮﻧﻬﻢ، ﺛﻢ اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻠﻮﻧﻬﻢ، ﻭﻫﻜﺬا ﻳﻜﻮﻥ اﻷﻣﺮ ﺃﺑﺪاً، ﺇﻟﻰ ﻗﻴﺎﻡ اﻟﺴﺎﻋﺔ، ﻓﺄﻗﻮﻯ ﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﺃﻫﻞ اﻹﺳﻼﻡ ﻓﻲ ﺩﻳﻨﻬﻢ ﻭﺃﻋﻤﺎﻟﻬﻢ ﻭﻳﻘﻴﻨﻬﻢ ﻭﺃﺣﻮاﻟﻬﻢ ﻓﻲ ﺃﻭﻝ اﻹﺳﻼﻡ، ﺛﻢ ﻻ ﻳﺰاﻝ ﻳﻨﻘﺺ ﺷﻴﺌﺎً ﻓﺸﻴﺌﺎً ﺇﻟﻰ ﺁﺧﺮ اﻟﺪﻧﻴﺎ"!

(الاعتصام: ٢/ ٩٠)


رحمك الرحيم- أبا إسحاق، فقد نقص العلم والعلماء، وبخس الفقه والفقهاء، ناهيك عن العمل، فذاك أعنق من عنقاء مغرب، وآبق من بيض الأنوق!


يالله، أي زمن نحن فيه.. حين يتطاول الأقزام على الأقرام، نعم أقزام بالنسبة لأولئك الأعلام!


ورحم الله أبا عمرو بن العلاء، تـ ١٥٤، حين قال: (إنما نحن فيمن مضى، كبقل في أصول نخل طوال)!

(فضائل القرآن: ١/ ٣٧٣) للمستغفري 


الله، أي تشبيه هذا، ولم يبعد بعدُ عنهم طويلاً، لكنه العلم والعمل والورع، وإذا ذهب بعضها، فالنقص حيث نقص.


ويقول ابن أبي زيد القيرواني المالكي: "‏‏أيها الرجل المُتجاسر: ارفق في تأملك، وعوّد نفسك أن تظن بها التقصير عن فهم الراسخين من السلف المتقدمين؛ فإن ذلك يثنيك عن الإعجاب بنفسك، والتقصير بسلفك، والله المستعان".

(الذب عن مذهب مالك: ٥٠٧/٢)


غفر الله لك أبا زيد، فقد جاء من توخر وتبختر؛ ليلوك بفمه الأعوج، ذاك الاسم اللامع، بكلمات لا تمتّ للأدب بصلة، ولا للعلم بزنة!

وكأنه يخاطب غمراً أنوكاً، من بني زماننا!

وهذا، آية الخذلان، وسلم الحرمان، ولو صدق؛ لترحم على السابق، وأحسن النقد، إن كان ثَمّ، بعلم وحلم وسلم، بعيداً عن التشغيب والتشعيب والتعييب!

فاللهم بُعداً عن هؤلاء البعداء.


ووفقني الله وإياكم لذكر الأولين بالجميل، وهو الهادي إلى سواء السبيل.


هذه نفثة بثثتها الآن في جلسة هادئة هادية، ولم أقصد لها، لكني لم أتفصى منها.

وإلى هنا، أنكفف عن القول، وأكف الشباة عن الصول، فقد كانت ساعة صفاء -كثرها الله- أزعم أني غضبت لله، وذدت عن أولياء الله.

وأرجو الله سبحانه.. أن يوفقني لصالح القول والعمل، ومعرفة الفضل لأولي الفضل "والله يختص برحمته من يشاء".


"وأسأل الله ذا الحول والقوة؛ أن يزيننا بلباس التقوى، وصدق اللسان، وأن يعيذنا من العجب ودواعيه، ويعيننا على ما نويناه وتوخيناه؛ ويجعلنا ممن توكل عليه فكفاه، وحسبنا هو ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله، عليه نتوكل وإليه ننيب".(٣)


و(سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك)


وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي.

١٤٤٢/١١/٢٦


ح...........

(١)حنفياً، نسبة إلى ملة إبراهيم عليه السلام، وليس إلى مذهب الإمام أبي حنيفة -رحمه الله-، فلم يكن حنفياً، بل كان مالكياً -كما سبق-.

والحنفية والحنيفية: الميل عن الباطل والفساد والزيف والشر، إلى الخير والرشاد والهدى والاستقامة، قال 

تعالى: "فأقم وجهك للدين حنيفاً".


(٢) (نيل الابتهاج: ٤٦) للتنبكتي.


(٣) (تهذيب اللغة: ١/ ٣٤- ٤٥)

الثلاثاء، 29 يونيو 2021

الحُديدة.. بين الحَرّ والحرْب!

 الحديدة بين الحرّ والحرب!



أُخبرت أن درجة الحرارة وصلت هذه الأيام، إلى (٥٠) خمسين درجة، في مدينتي الحبيبة المسكينة المسلمة المسالمة.


ولعلكم تتعجبون؛ أنه مع هذه الحرارة الشديدة؛ فإن مدينتي محرومة من الكهرباء منذ أربع سنين تقريباً!


قال شاعر:

‏لقد زاد حرُّ الشمس حتى كأنَّما *** ‏شوارعنا فُرنٌ .. ونحنُ فطائرُ


‏هـنيـئاً لمـن عـنَّا .. يــشـد رحـالَهُ *** ‏فمن ذاق نار الصيف لا شكَّ طائرُ


ولكن، كيف الطيران؛ والأجنحة مكسورة، والأطراف مبتورة.. وإلى أين الطيران؛ والأجواء ملبّدة، والناس مبلّدة!


قال الشاعر العزي مصوعي:

إلى أين تمضي، والطريق وعورُ *** ودونك غيلان الشعاب تدورُ


يا حسرتى على الصغار الأزغاب، والكبار الأهرام، والنساء الألغاب!

والله إني أتوجع لكم وأتلوع، ولكن، ليس الأمر بيدي، إنما هو بأيدي رجال لا يخافون الله، ولم يتقوا يوماً هم فيه إلى الله راجعون!


ليس الحر فقط، بل زاده ضغثاً على إبالة؛ الحرب الهوجاء الرعناء اللعناء اللخناء التي أفسدت الحرث والنسل، وقضت على الأخضر واليابس!

يتمت ورملت وأيمت وبترت وقطعت وطعنت ومزعت ومزقت ومرقت وبقرت ومخرت وسلخت ومسخت!


حزني عليك والدي العزيز .. شجني عليك والدتي الكريمة .. وجعي عليك زوجي الناهدة .. بكائي عليكم صغاري الحِبب .. أسفي عليكم أقاربي القرب .. لهفي عليكم صحابي النجب، وجميع من أعرف ومن لا أعرف..


حزني عليكم، ما طلعت الشمس أو غربت .. ما أغطش الصباح أو وضح الضحى .. ما غفت عيني وسهدت وسهرت .. ما قرأت وكتبت وسودت وبيضت..


كيف لي نسيانكم؛ وقد ذقْت ذلك العذاب، واصطليت بتلك النار، وتقرحت بذاك الضيم، وتكبدت تلك الصعاب، وتحملت تيك الأثقال!


والله، إن أمركم يؤرقني، وتالله، إن شأنكم يحزنني، وبالله، إن حالكم يشجيني.. فهل كفاكم هاته التوسية والتسلية والتوجع والتلوع؟!


وهذه إشارات ودلالات:


١- إن شدة الحر؛ هو نفَس النار -نسأل الله السلامة والعافية-؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا رب أكل بعضي بعضاً؛ فأذن لها بنفَسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير).

رواه البخاري ومسلم.


قال النووي: قال القاضي: "اختلف العلماء في معناه؛ فقال بعضهم: هو على ظاهره، واشتكت حقيقة، وشدة الحر من وهجها وفيحها، وجعل الله تعالى فيها إدراكاً وتمييزاً؛ بحيث تكلمتْ بهذا. ومذهب أهل السنة: أن النار مخلوقة".

(شرح مسلم: ٥/ ١٢٠).


٢- شرع الشرع الحنيف، بالإبراد عن الصلاة عند اشتداد الحر؛ عن أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهم، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إذا اشتد الحر؛ فأبردوا عن الصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم).

رواه البخاري ومسلم.


قال الحافظ: "قوله: (من فيح جهنم) أي: من سعة انتشارها وتنفسها، ومنه: مكان أفيح، أي: متسع، وهذا كناية عن شدة استعارها.

وظاهره: أن مثار وهج الحر في الأرض؛ من فيح جهنم، حقيقة".

(فتح الباري: ٢/ ١٧).


٣- تذكروا عيش نبيكم صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام، ومن بعدهم..

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قيل له: حدِّثنا من شأن العُسرة؟ قال: خرجنا إلى تبوك في قيظٍ شديدٍ، فنزلْنا منزِلاً أصابنا فيه عطشٌ حتى ظننا أن رقابَنا ستنقطِع، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجِع حتى نظن أن رقبته ستنقطِع، حتى إن الرجل لَينحَر بعيره فيعصِر فَرْثَه فيشرِبه، ويجعل ما بقي على كبده!

فقال أبو بكرٍ الصديق: يا رسول الله، قد عوَّدك الله في الدعاء خيراً؛ فادع لنا فقال: (أتحب ذلك)؟ قال: نعم قال: فرفع يديه صلى الله عليه وسلم، فلم يرجعْهما حتى أظلَّت سحابة، فسكبت فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر، فلم نجدها جاوزت العسكر).

رواه ابن حبان في صحيحه.


وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: لقد رأيتُنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، في بعض أسفاره في يوم شديد الحر، حتى إن الرجل ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما منا أحد صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبد الله بن رواحة).

رواه البخاري ومسلم.


٤- تذكروا القبر وضمته ووحشته وظلمته..


قال شاعر:

من كان حين تصيب الشمس جبهته *** أو الغبار؛ يخاف الشَين والشعثا


ويألف الظل كي تبقى بشاشته *** فسوف يسكن يوماً راغماً جدَثا


في قعر موحشة غبراء مقفرة *** يطيل تحت الثرى في جوفها اللبثا


تجهزي بجهاز تبلغين به *** يا نفس قبل الردى، لم تخلقي عبثا


٥- تذكروا حر النار، وزفرة جهنم "قل نار جهنم أشد حرّا"!


قال الإلبيري في تائيته النفيسة، ناصحاً ابنه (وقد شرحتها، والحمد لله):


تفرّ من الهجير وتتقيهِ *** فهلاَّ عن جهنم قد فررتا؟


ولست تطيق أهونها عذاباً *** ولو كنتَ الحديد بها لذُبتا


فلا  تكذب؛ فإن الأمر جِدُّ *** وليس كما احتسبتَ ولا ظننتا


٦- إن هذا بلاء وابتلاء من الرحيم سبحانه وتعالى؛ ليرفع درجتكم يوم القيامة، يوم أن تدنو الشمس من الخلائق مقدار ميل "ولعذاب الآخرة أشق" فاصبروا -صبركم الله- واعملوا صالحاً، (وصلّوا وكبروا وادعوا الله؛ حتى ينكشف ما بكم).


٧- لا تسبوا الحر؛ فإنه مخلوق من خلق الله، جعله الله في فصل الصيف، وهو من الدهر، وقد جاء النهي الشديد، والحذر الأكيد؛ عن سب الدهر.

ولا بأس بالإخبار، قال تعالى عن لوط عليه السلام: "وقال هذا يوم عصيب".


٨- لا تأسوا ولا تيأسوا؛ فإن فرج الله قريب، وأقرب ما يكون عند الاشتداد:

اشتدي أزمة تنفرجي *** قد آذن ليلك بالبلَج


٩- ادعوا ربكم بالفرج والخرج والبلج، "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب" والدعاء عبادة عظيمة؛ غفل عنها الكثير.


عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول في هذا القَيظ أو في مثل هذا القَيْظ: (سَلوا الله العفوَ والعافية، واليقين في الدنيا والآخرة).

رواه أحمد والترمذي والنسائي والبزار، وصححه العلامة أحمد محمد شاكر.

ولعل هذا دعاء عند القيظ والحر.


١٠- أختم قائلاً: لا أريد أن أقول لمن عافاه الله مما ابتلاكم به؛ شيئاً، ولا أنبس له ببنت شفة؛ لأني أخاف أن أوجع، ففضلت أن أرجع..


وكل امرئ يدري مواقع رشدهِ *** ولكنه أعمى أسير هواه


يشير عليه الناصحون بنصحهم *** فيأبى قبول النصح وهو يراه


هذا ما أردت كتبه لكم، وإبداؤه إليكم، تذكرة "ومتاعاً إلى حين" و"حسبنا الله ونعم الوكيل" هو "نعم المولى ونعم النصير".


وكتب: وليد أبو نعيم،،

١٤٤٠/١٠/١٠

الجمعة، 25 يونيو 2021

عتْب عاتب وجواب جائب!

 عتْب عاتب وجواب جائب!


نشرت بعض الأعلاق النفيسة، ووشيتها بشيات كانت في صدري حبيسة، حتى انبعثت فانبجست، ولم أُرد بها الشكية أو الأذية؛ فتيك رزية بلا مرية، وإنما قصدت إيناس روحي الموحشة، وإبلال نفسي المجدبة.


فظنّ بعض الأفاضل؛ أني قد تنكبت الطريق، وذممت الرفيق، وجرحت الوفيق -وما هذا لي بخلق-؛  فكتب إلي كتْباً رفيقاً، وعتباً رقيقاً..


فأجبته عن بعض ما بثثت، ووفيت وما خلفت، وعهدت وما نكثت، ونصحت وما غششت..


وقلت -مسترشداً ومستعضداً ومسترفداً بربي سبحانه وتعالى وحده لا شريك له-:


حياك الله أيها الأفضل، ونوّلك أيها الأنبل.

وبعد:

اعلم -علمني الله وإياك والقارئ والسامع- أني لا أبالي بمنع أو قذع، ولا مدح أو منح، أقول: لا أبالي، لكني أتأثر، وأكذب إذا كابرت وأنكرت، فهذا طبع بني الإنسان؛ التأثر والنسيان.

والبذل سجيتي، والمنح مطيتي، وشعاري قول فخاري:

أعذب الألفاظ قولي لك: "خذْ" *** وأمرّ اللفظ؛ نطقي، بـ "لعل"!


وأبشرك -يا محب- أني في ستر عظيم، وخير عميم، وما دمت في طاعة وعلم وقراءة وأمن؛ فلا ضير -وقيته- وإن ما أكتبه من زفرات ونفثات.. أنفّس بها عن بعض ما كدر وعكر. 


واعلم ثانية -أرشدني الله وإياك- لا أريد بما علقت؛ العموم والإطلاق، "إني إذاً لفي ضلال مبين" وهذا حيف وجنف، وظلم وسرف، فهناك أهل صفاء واصطفاء، ومودة وإخاء، لا أحب أن يشاكوا أو يكاعوا، ولو أتوني؛ لوقفت لهم بالباب، ولو كنت عندهم؛ لهششت عنهم الذباب.


لكني لا أنكر أني قصدت، غالب من يبطش بيدين، أو يمشي على رجلين!

وأزعم أني غير ملام في ذلك، أو أنْ قد أتيت المهالك -صُرفتها- ولي على زعمي شاهد ودليل؛ فإليكه: 


قال الله تعالى "وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين" وقال تعالى: "وقليل من عبادي الشكور".


وقال عليه الصلاة والسلام: (إنما الناس؛ كالإبل المائة، لا تكاد تجد فيها راحلة) هذا لفظ البخاري عن ابن عمر.

ولفظ مسلم: (تجدون الناس؛ كإبل المائة، لا يجد الرجل فيها راحلة)!


قال ابن حجر: "فعلى أن الرواية بغير ألف ولام، وبغير "تكاد"؛ فالمعنى: لا تجد في مائة إبل؛ راحلة تصلح للركوب؛ لأن الذي يصلح للركوب؛ ينبغي أن يكون وطيئاً، سهل الانقياد، وكذا؛ لا تجد في مائة من الناس؛ من يصلح للصحبة، بأن يعاون رفيقه، ويلين جانبه.

والرواية بإثبات "لا تكاد"؛ أولى؛ لما فيها من زيادة المعنى، ومطابقة الواقع، وإن كان معنى الأول يرجع إلى ذلك، ويحمل النفي المطلق على المبالغة، وعلى أن النادر لا حكم له.

(فتح الباري:  ١٣/ ١٠٩)


وقال حسان بن ثابت:

أخلاّء الرخاء هم كثير *** ولكن في البلاء هم قليلُ

فلا يغررك خلة من تؤاخي *** فما لك عند نائبة خليلُ


و‏قال الحسن البصري: أعز الأشياء: درهمُ حلال، وأخ في الله إن شاورته في دنياك؛ وجدته متين الرأي، وإن شاورته في دينك؛ وجدته بصيراً به!


وقيل للحسن: يا أبا سعيد؛ الرجل يذبح الشاة فيصنعها، ويدعو عليها نفراً من إخوانه، ماذا تقول فيه هذا؟ فقال: وأين أولئك؟ ذهب أولئك!


و‏قال ابن أبي الحواري: على العاقل أن يتحفَّظ من شيئين: مكر أعدائه، وحسد أصدقائه!


وقال إمامي الشافعي: ليس إلى السلامة مِن الناس سبيل، فانظر الذي فيه صلاحك، فالزمه! 


وسمع الخليفة المأمون، أبا العتاهية، يُنشِد هذا البيت:

وإني لمشتاق إلى ظل صاحبٍ *** يروق ويصفو إنْ كدرت عليهِ!

فقال: خُذِ الخِلافة، وأعطني هذا الصاحب!


وقال ابن المعتز:

بلوت أخلّاء هذا الزمانِ *** فأقللتُ بالهجر منهم نصيبي

وكلهمُ إن تأملتهمْ *** صديقُ الحضور عدو المغيبِ!


و‏قال داود بن علي: لأن يجمع المرء مالاً فيُخلِّفه لأعدائه، خير له من الحاجة في حياته لأصدقائه!


وقال الحريري:

لا تغترر ببني الزمان ولا تقل *** عند الشدائد لي أخ ونديمُ

جربتهم فإذا المعاقر عاقر *** والآل آلٌ، والحميم حميم!


وقال أبو الطيب:

غاض الوفاء فما تلقاه في عِدَةٍ *** وأعوَز الصدق في الأخبار والقسمِ


‏وقال صفي الدين الحلي:

لما رأيت بني الزمان وما بهم *** خل وفيٌ للشدائد أصطفي

أيقنت أن المستحيل ثلاثة: *** الغول، والعنقاء، والخل الوفي!


وقال ابن الجوزي: "وجمهور الناس اليوم معارف، ويندر منهم صديق في الظاهر، وأما الأخوَّة والمصافاة؛ فذلك شيء نُسِخَ، فلا تطمع فيه!

وما أرى الإنسان تصفو له أخوَّة من النسب، ولا ولده، ولا زوجته.

فدع الطمع في الصفا، وخذ عن الكل جانباً، وعاملهم معاملة الغرباء.

وإياك أن تنخدع بمن يظهر لك الود؛ فإنه مع الزمان يبين لك الحال فيما أظهره، وربما أظهر لك ذلك لسبب يناله منك".

(صيد الخاطر: ٣٨٦)


وقال شيخي عمر بن مظفر:

مات أهل الفضل لم يبق سوى *** مقرفٍ، أو من على الأصل اتكلْ


وقال:

كل أهل العصر غمر، وأنا *** منهم، فاترك تفاصيل الجملْ


وكان في زمنِ كل من ذكرتُ -على اقتضاب- علماء أعلام، وحلماء أكرام، وعظماء فخام.. 


ففي عصر ابن الوردي مثلاً، كان: ابن تيمية، والمزي، والبرزالي، والذهبي، وابن القيم، وابن كثير وغيرهم من الصفوة والنقوة والحظوة.


فماذا أنت قائل أيها الفاضل، وهل لا زلت في عتْبك، أم قد استقر ما قلته في قلبك، وأدركت مرماي، وأبصرت معماي؟!


وأختم داعياً، بما دعا به أبو حيان التوحيدي: (اللهم خذ بأيدينا، فقد عثرنا، واستر علينا، فقد أعورنا، وارزقنا الألفة التي بها تصلح القلوب، وتنقى الجيوب، حتى نتعايش في هذه الدار- مصطلحين على الخير، مؤثرين للتقوى، عاملين شرائط الدين، آخذين بأطراف المروءة، أنفين من ملابسة ما يقدح في ذات البين، متزودين للعاقبة- التي لا بد من الشخوص إليها، ولا محيد عن الاطلاع عليها، إنك توتي من تشاء ما تشاء)


(سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك)


وكتب: أبو نعيم -أنعم الله عليه، ومنْ إليه، ومنْ له حق عليه- آمين آمين.

١٤٤٠/١٠/٢٢