الأحد، 10 مايو 2020

بذل النفع في أن ليلة القدر قد تكون في ليالي الشفع!

بذل النفع في أن ليلة القدر قد تكون في ليالي الشفع!

باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، ومن والاه.
وبعد:

فهذا نقل وبيان، عن مسألة مهمة من مسائل ليلة القدر، وهي: متى تكون ليلة القدر؟ 
وهي مسألة، طويلة الذيل، كثيرة النيل، تطرق لها كثير من أهل العلم والفهم.

وهذه فتيا من فتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية، يجيب فيها عن ليلة القدر، ومتى تكون؟
وأنا هنا أنقلها مع تعليق قضيب، بدون اختصار أو تهذيب، بل جعلتها كما هي في التصنيف والترتيب.

وهي محررة مقررة، وهكذا فتاويه -رحمه الله-، تجد فيها الرصانة والجزالة، وبعضها يتسم بالقِصَر، والبعض بالإطالة.

وهاكم السؤال وفتياه:
السؤال: سئل -رحمه الله- عن ليلة القدر، -وهو معتقل بالقلعة! -قلعة الجبل- سنة ست وسبعمائة؟

الإجابة: الحمد لله.
ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان، هكذا صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (هي في العشر الأواخر من رمضان) وتكون في الوتر منها، لكن الوتر يكون باعتبار الماضي، فتُطلب ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وليلة خمس وعشرين، وليلة سبع وعشرين، وليلة تسع وعشرين.
ويكون باعتبار ما بقي، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لتاسعة تبقى، لسابعة تبقى، لخامسة تبقى، لثالثة تبقى).

فعلى هذا؛ إذا كان الشهر ثلاثين؛ يكون ذلك ليالي الأشفاع، وتكون الاثنين والعشرين، تاسعة تبقى، وليلة أربع وعشرين، سابعة تبقى.

وهكذا فسره أبو سعيد الخدري، في الحديث الصحيح، وهكذا أقام النبي صلى الله عليه وسلم، في الشهر،
وإن كان الشهر تسعاً وعشرين؛ كان التاريخ بالباقي، كالتاريخ الماضي،
وإذا كان الأمر هكذا؛ فينبغي أن يتحراها المؤمن في العشر الأواخر جميعه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تحروها في العشر الأواخر) وتكون في السبع الأواخر أكثر، وأكثر ما تكون، ليلة سبع وعشرين، كما كان أُبيّ بن كعب يحلف أنها ليلة سبع وعشرين!
فقيل له: بأي شيء علمت ذلك؟ فقال بالآية التي أخبرنا رسول الله، أخبرنا أن الشمس تطلع صبحة صبيحتها، كالطشت لا شعاع لها.

فهذه العلامة، التي رواها أُبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، من أشهر العلامات في الحديث، وقد روي في علاماتها: (إنها ليلة بلِجة مُنيرة) وهي ساكنة لا قوية الحر، ولا قوية البرد، وقد يكشفها الله لبعض الناس في المنام، أو اليقظة؛ فيرى أنوارها، أو يرى من يقول له: هذه ليلة القدر، وقد يفتح على قلبه من المشاهدة ما يتبين به الأمر).
انتهى من (مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية: ٢٥/ ٢٨٤- ٢٨٦).

وقال -رحمه الله-: "والأوتار؛ هل هي باعتبار ما مضى، أو باعتبار ما بقي؟
فليلة إحدى وعشرين، وثلاثة وخمسة وسبعة وتسعة.. باعتبار ما مضى، وباعتبار ما بقي، لتسع بقين، وسبع يقين ونحو ذلك.
فإذا كان الشهر ناقصاً؛ فقيل: لتسع؛ كانت ليلة إحدى وعشرين.. فيكون وتر المستقبل والماضي، وإن كان الشهر كاملاً؛ كانت الأوتار، هي الأشفاع، باعتبار الماضي -كما فسره أبو سعيد الخدري رضي الله عنه وغيره-.
ولهذا؛ كانت ليلة القدر كثيراً ما تكون.. لسبع مضين، ولسبع بقين؛فتكون ليلة أربع وعشرين، وهي التي روى: أن القرآن نزل فيها.
فالتحقيق: أنها تكون في العشر الأواخر، في الأوتار، لكن بالاعتبارين.
فأما ليلة سبع عشرة من رمضان؛ فلا ريب أنها ليلة سبع عشرة من رمضان؛ فلا ريب أنها ليلة بدر -يومها هو يوم الفرقان- يوم التقى الجمعان.
ولم يجيء حديث يعتمد عليه، أنها: ليلة القدر، وإن كان قد قاله بعض الصحابة، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه-: من يقم الحول؛ يصبها، وبعضهم: يعينها، ليلة من العشر الأواخر.
والصحيح: أنها في العشر الأواخر تنتقل.
فروى البخاري: ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان".
(مختصر الفتاوى المصرية: ٨٤) و (المستدرك على مجموع الفتاوى: ٣/ ١٨٠)

قال أبو نعيم -كان الله له ومعه-: وتفسير أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، هو: مارواه الإمام مسلم، عن أبي سعيد الخدري، قال: (اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم، العشر الأوسط من رمضان، يلتمس ليلة القدر، قبل أن تبان له، فلما انقضين، أمر بالبناء فقوِّض، ثم أبينت له: أنها في العشر الأواخر، فأمر بالبناء، فأعيد، ثم خرج على الناس، فقال: (يا أيها الناس، إنها كانت أبينت لي ليلة القدر، وإني خرجت؛ لأخبركم بها، فجاء رجلان يحتقان، وقال ابن خلاد: (يختصمان) معهما الشيطان، فنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان، التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة) قال: قلت: يا أبا سعيد، إنكم أعلم بالعدد منا؟ قال: أجل، نحن أحق بذلك منكم، قال: قلت: ما التاسعة والسابعة والخامسة؟ قال: إذا مضت واحدة وعشرون، فالتي تليها ثنتين وعشرين، وهي التاسعة، فإذا مضت ثلاث وعشرون، فالتي تليها السابعة، فإذا مضى خمس وعشرون، فالتي تليها الخامسة).

وقد اختلف في معنى هذا الحديث، على أقوال:
قال الطيبي: "قوله: (في تاسعة تبقى) الليلة الثانية والعشرون، تاسعة من الأعداد الباقية، والرابعة والعشرون، سابعة منها، والسادسة والعشرون، خامسة منها".

وقال الزركشي: "تبقى الأولى: هي ليلة إحدى وعشرين، والثانية: ليلة ثلاث وعشرين، والثالثة: ليلة خمس وعشرين، هكذا قاله مالك".

وقال بعضهم: "إنما يصح معناه، ويوافق ليلة القدر وتراً من الليالي.. إذا كان الشهر ناقصاً، فإن كان كاملاً، فلا يكون إلا في شفع، فتكون التاسعة البقية، ليلة اثنين وعشرين، والخامسة الباقية، ليلة ست وعشرين، والسابعة الباقية، ليلة أربع وعشرين، على ما ذكره البخاري بعد عن ابن عباس، ولا يصادف واحد منهن وتراً، وهذا على طريقة العرب في التاريخ؛ إذا جاوزوا نصف الشهر، فإنما يؤرخون بالباقي منه لا بالماضي".
(مرقاة المفاتيح: ٤/ ١٤٣٧)

وقال القاري: "قوله: (تبقى)، أي: يرجى بقاؤها، أي: بعد العشرين، والظاهر: أنه أراد بالتاسعة؛ التاسعة والعشرين، وبالسابعة؛ السابعة والعشرين، وبالخامسة؛ الخامسة والعشرين". 
(مرعاة المفاتيح: ٧/ ١٢٥)

وقال الحافظ ابن حجر: "يحتمل: أن يريد بالتاسعة؛ تاسع ليلة من العشر الأخير، فتكون ليلة تسع وعشرين، ويحتمل: أن يريد بها تاسع ليلة، تبقى من الشهر، فتكون ليلة إحدى أو اثنين، بحسب تمام الشهر ونقصانه، ويرجح الأول؛ قوله -في رواية إسماعيل بن جعفر عن حميد الماضية في كتاب الإيمان- بلفظ: (التمسوها في التسع، والسبع، والخمس) أي: في تسع وعشرين، وسبع وعشرين، وخمس وعشرين، وفي رواية لأحمد: (في تاسعة تبقى)، والله أعلم". 
(فتح الباري: ٤/ ٢٦٨)

وردّ هذه الرواية، بعضهم: فقد جاء في (مرعاة المفاتيح: ٧/ ١٢٥): أن ما نقل عن أبي سعيد: "مخالف للأحاديث الصحيحة، الدالة على كونها منحصرة في الأوتار، ومخالف لروايته نفسه أيضاً -كما سيأتي- فلا بد من تأويله. 
قال السندي: "هذا التفسير -أي: المروي عن أبي سعيد-؛ لا يناسب ما ورد من التماسها في الأوتار)".

ولعل ما يرجح ويعضد هذه المسألة، وهي: أن ليلة القدر، قد تكون في الأشفاع، باعتبار ما مضى وما بقي- حديث أبي ذر رضي الله عنه، قال: (صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يقم بنا شيئاً من الشهر، حتى إذا كانت ليلة أربع وعشرين، السابع مما يبقى؛ صلى بنا، حتى كاد أن يذهب ثلث الليل، فلما كانت ليلة خمس وعشرين؛ لم يصل بنا، فلما كانت ليلة ست وعشرين، الخامسة، مما يبقى؛ صلى بنا، حتى كاد أن يذهب شطر الليل ...) الحديث، رواه أبو داود والترمذي وابن خزيمة بنحوه، بسندٍ صحيح.

وهذا ما فهمه الشيخ ابن عثيمين، حيث قال: "والصحيح: أنها تتنقّل، فتكون عاماً ليلة إحدى وعشرين، وعاماً ليلة تسع وعشرين، وعاماً ليلة خمس وعشرين، وعاماً ليلة أربع وعشرين، وهكذا؛ لأنه لا يمكن جمع الأحاديث الواردة إلا على هذا القول، لكن أرجى الليالي- ليلة سبع وعشرين، ولا تتعين فيها، كما يظنه بعض الناس، فيبني على ظنه هذا، أن يجتهد فيها كثيراً، ويفتر فيما سواها من الليالي".
(الشرح الممتع: ٦/ ٤٩٢)

وقال الشيخ ابن باز: "وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، أنها في العشر الأواخر من رمضان، وأن أوتار العشر أرجى من غيرها، فقال عليه الصلاة والسلام: (التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، التمسوها في كل وتر).
وقد دلت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن هذه الليلة، متنقلة في العشر، وليست في ليلة معينة منها دائماً فقد تكون في ليلة إحدى وعشرين، وقد تكون في ليلة ثلاث وعشرين، وقد تكون في ليلة خمس وعشرين، وقد تكون في ليلة سبع وعشرين وهي أحرى الليالي، وقد تكون في تسع وعشرين، وقد تكون في الأشفاع.
فمن قام ليالي العشر كلها- إيماناً واحتساباً.. أدرك هذه الليلة بلا شك، وفاز بما وعد الله أهلها".
(مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز: ١٥/ ٤٢٥)

وقد سئل شيخنا عبد الرحمن البراك، عن: حديث النبي صلى الله عليه وسلم، في ليلة القدر: (والتمسوها في السّبع الأواخر) هل المقصود -شيخنا- أن نلتمسها مِن اليوم الرابع والعشرين من رمضان إلى آخر الشهر؟

فأجاب: محتمل؛ لأنّ السبع الأواخر -على تقدير أن الشّهر تسعاً وعشرين- فالسبع الأواخر، تبدأ في ليلة ثلاث وعشرين بالضبط، هي السبع الأواخر، وعلى تقديره أنه ثلاثين: تبدأ مِن أربع وعشرين، فالحمد لله".
(موقع الشيخ عبد بن ناصر البراك)


وأياً ما كانت؛ فحريٌ بالحريص.. أن يتتبع ليلة القدر، في جميع العشر: شفعها، أو وترها؛ لهذه الرواية، أو لعلة الخطأ في الحساب، وهي عشر ليال مستطاع عليها.

أسأل الله أن يبلغنا ليلة القدر إيماناً واحتساباً، ونسأله غفر الذنوب، وستر العيوب، وسرعة وحسن الأُؤوب، إلى علاّم الغيوب.

وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي.
١٤٣٧/٩/٢٧
١٤٣٩/٩/٢٠
١٤٤١/٩/١٠

#أمالي_رمضانية
#أنابيش_الكنانيش
https://t.me/walidabwnaeem

الخميس، 7 مايو 2020

وانتصف الشهر!

وانتصف الشهر!

انتصف الشهر، ونحن لم ننتصف من أنفسنا، وبعضنا لم ينصف القرآن!
وهكذا الأيام تترى، والليالي تنقضي، وهي تعمل فينا بالنقص، وكثير منا يعمل في نفسه النقص أيضاً، ولا يعمل في الأيام ليكمل!

رمضان يا قوم انتصَف *** فتداركوا ما قد سلف

وتزوّدوا لمعادكم *** قبل الندامة والأسف

وتذللوا لإلٰهكم *** فالذلّ للمولى شرف


"عباد الله.. شهر رمضان، قد انتصف، فمن منكم حاسب فيه نفسه لله وانتصف؟! من منكم قام في هذا الشهر بحقه الذي عرف؟! من منكم عزم قبل غلق أبواب الجنة أن يبني له غرفاً من فوقها غرف؟

ألا إن شهركم، قد أخذ في النقص.. فزيدوا أنتم في العمل، فكأنكم به، وقد انصرف، فكل شهر، فعسى أن يكون منه خلف، وأما شهر رمضان؛ فمن أين لكم منه خلف؟!

انتصف الشهر والهفاه- وانهدما *** واختص بالفوز بالجنات من خدما

وأصبح الغافل المسكين منكسراً *** مثلي، فيا ويحه يا عظم ما حرما

من فاته الزرع في وقت البدار فما *** تراه يحصد إلا الهمّ والندما

طوبى لمن كانت التقوى بضاعتهُ *** في شهره وبحبل الله معتصما"
(لطائف المعارف: ١٨٣)

"ذهب نصف البضاعة في التفريط والإضاعة، والتسويفُ يمحق ساعة بعد ساعة! "والشمس والقمر بحسبان" "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن"
يا واقفاً في مقام التحيّر.. هل أنت على عزم التغير؟
إلى متى ترضى بالنزول في منزل الهوان؟!
هل مضى من يومك، يوم صالح، سلمت فيه من جرائم القبائح، تالله لقد سبق المتقي الرابح، وأنت راض بالخسران.. عينك مطلقة في الحرام، ولسانك منبسط في الآثام، ولأقدامك على الذنوب إقدام، والكل مثبت في الديوان.
قلبك غائب في صلواتك، وفكرك ينقضي في شهواتك".
(التبصرة: ٢/ ٨٩) لابن الجوزي.


ارفعوا رؤوسكم، وانظروا البدر، وقد اكتمل نوره- وانظروا جماله، وشاهدوا كماله..
وتذكروا قول نبيكم صلى الله عليه وسلم..
عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: (إنكم سترون ربكم، كما ترون هذا القمر، لا تُضَامُونَ في رؤيته.. فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها، فافعلوا).
وفي رواية: (فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة).
رواه البخاري ومسلم.

ومن جميل النكات، وعجيب الموافقات -التي مرت أمام خاطري، حين تلاوتي هذا الحديث، ومشاهدتي الليلة، جمال القمر-:
أنه اجتمع في هذا الحديث.. الجمال والجلال والكمال:
فالمتحدَّث عنه.. هو الله جل جلاله، الجليل الجميل، وجماله وجلاله وكماله، وسع الكون، وشمل البشرية: أزلاً وأبدا.
وفي الحديث: (إن الله جميل، يحب الجمال). رواه مسلم، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

والمحدِّث به: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أجمل الناس على الإطلاق..
ففي حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، قال: (ما رأيت شيئاً، أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وسأله رجل: أكان وجهه، مثل السيف؟ قال: لا، مثل القمر).
انفرد بإخراجه البخاري.
وروى الإمام أحمد، عن أبي يونس، أنه سمع أبا هريرة يقول: (ما رأيت أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم- كأن الشمس تخرج في وجهه).
وقال جابر بن سمرة: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، في ليلة أضحيان، وعليه حلة حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلهو أحسن في عيني من القمر) رواه الدارمي.
ينظر: (إمتاع الأسماع: ٢/ ١٦٩)

والراوي: جرير بن عبد الله البجلي اليمني، وقد كان من أجمل الصحابة، حتى قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم -حين أقبل وافداً عليه-: (يطلع عليكم، خير ذي يمن، كأن على وجهه مسحة ملك) رواه أحمد والحميدي.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يقول: (جرير بن عبد الله.. يوسف هذه الأمة). رواه ابن سعد والخرائطي.

والمشبه به في الرؤية، لا في المرئي.. هو القمر، ودليل جماله: النص والحس، فالنص: ما تقدم، والحس: لا يعارضه إلا فاقد الحواس.

يا أيها البدر المسافر في الفلكْ ***ْ
هل لي بأن أرقى إليك لأسألكْ؟!ْ

من ذا الذي أهداك أجمل صورة ***
وحباك نوراً في الفضاء وجمّلكْ؟!


إخواني: اعملوا من الأعمال، ما يكون ثمناً للجنة، ومهراً للحور، لعلنا أن نفوز برضا الرحمن، والنظر إلى وجهه سبحانه وتعالى- الذي هو أعظم نعيم، "للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة".

إخواني: بقي في رصيدنا، من شهر رمضان- خمسة عشر يوماً، نرجوا الله بلاغها وتبليغها، وإحسانها وتحسينها، وإن ما بقي.. خير مما ذهب.

قال ابن عثيمين: "العشر الأواسط؛ أفضل من العشر الأول، والعشر الأواخر؛ أفضل من العشر الأواسط، وتجدون هذا في الغالب مطرد، وأن الأوقات الفاضلة؛ آخرها، أفضل من أولها، ويوم الجمعة؛ عصره أفضل من أوله، ويوم عرفة؛ عصره أفضل من أوله، والحكمة من هذا -والله أعلم-: أن النفوس إذا بدأت بالعمل، كلّت وملّت، فرُغِّبت بفضل آخر الأوقات على أولها.. حتى تنشط، فتعمل العمل الصالح. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح لنا ولكم الأولى والآخرة".
(اللقاء الشهري: ٧١).

ترحّل من شهرنا شطره *** وأعلن عن نأيه؛ بدرهُ

فجودوا، وجِدّوا، ولا تكسلوا *** فما زال في شهرنا خيرهُ

هذه كلمات، كتبتها على علاتها، ورقمتها على هيئاتها.. أعزي نفسي بما مضى، وأحث نفسي وغيري على اغتنام ما بقى.


اللهم كما أكرمتنا ببلوغ النصف، فتفضل علينا ببلوغ التمام، مع حسن العمل وقبوله، وطاعة الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم).
جعلني الله وإياكم، ممن يستدرك هذه الأيام بالطاعات، ويتعرض للنفحات، ويفوز بالجنات..
يا رب يا رب يا رب يا رب يا رب.


وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي..
١٤٣٦/٩/١٦
١٤٤١/٩/١٥



الأربعاء، 6 مايو 2020

فقير عزيز مع تاجر بزيز!


فقير عزيز مع تاجر بزيز!

جَرَتْ أحداث هذه القصة، والتي سبّبت لصاحبها غُصّة، وهو صغير- في الثانية عشر من عمره تقريباً.

والحقيقة، أن الزمان عفا عليها، وطواها النسيان، ولكن ذكّره بها اليوم؛ هو عَيشه في هذه الأيام الفاضلة؛ لأنها وقعت في مثلها..

كان الصبي معتكفاً في العشر الأخيرة من رمضان، فدخل رجل وقت الإشراق، يحمل كيساً في يده، مكفهراً وجهه، مشمخراً أنفه، وكأنه لا يرى أحداً أمامه، بلى، يراهم، ولكنهم صغار في عينه الكبيرة!
أستغفر الله من التألّي على الله، والتعلّي على خلق الله، والتخلّي عن عباد الله.

يقولون: إنه تاجر، يملك أموالاً طائلة.. هيئته، وحتى اللباس؛ كان مميزاً عن الناس، فقد كان لابساً قلنسوة (طاقية - كوفية) لم يقلنسها، أحد من الموجودين آنذاك!

دخل هذا التاجر، وأكثر الناس في نوم مغط، بعد طول ليلة قيام، ولعلها ليلة السابعة والعشرين ٢٧ (ولا أدري، لمَ تخصيصها، بزيادة طول؟!) 

تسارع المستيقظون نحوه -وكانوا قليلين-، فأيقض كل أخ أخاه، وكل صديق صديقه، فكثروا؛ حتى أحاطوا بالتاجر، إحاطة السوار بالمعصم؛ وذلك لفقهرهم وخلّتهم؛ فغضب، وقطّب جبينه المقطّب من قبل، ولعله تلفظ بكلمات فجّة، وقال: من أراد مالاً؛ فليصُفّ هنا صفّاً!

هرَع الفقراء والمساكين، يكبّون ماء وجوههم!

وإن إراقة ماء الحياة *** دون إراقة ماء المُحيّا

فصفوا بأجسادهم، التي أنهكها السهر، وأتعبها الفقر، وأمضها الضجر، حتى بدا كُلاها، ولم تُسم!

فالمنع منه عطية مقبولة *** والفقر إكرام وبر عاجلُ

وصاحبي هذا، -والله- فقير منهم ومثلهم؛ لكنه لم يحتمل ذلك البؤس، وذياك الخسف، ولم يستسغ ذاك الذل؛ فصفّ قدمه بين يدي ربه، وصلى الإشراق -والحمد لله-.

إني لأظمأ للكرامة والندى *** ويهزّني عطشي إلى العلياءِ

ويلٌ لنفس في حَطيم شعورها *** ما هزّها ظمأ لغير الماءِ!
(عبدالله الرشيد)

فلما انتهى من صلاته؛ رأى جل المسجد، قد انزوى في زاوية منه، والناس بالأجسام يتدافعون، وبالألسنة يتراشقون، وبالأعين يتناظرون، وبالأوجه يتحازرون، وبالقلوب يتباغضون!
وكل واحد ينظر إلى الآخر، ويسائله: كم أُعطيتَ من المال؟!

الفقر يزري بأقوام ذوي حسبٍ *** وقد يسوّد غير السيّد المال
(الطرماح)

كان صديقي، حينها، لا يملك شيئاً من المال، بل لم يكن عنده ملابس ذلك العيد!
وقد عرفتم، أنه كان صغيراً، وتعرفون؛ كيف يكون الصغير حريصاً على ملابس العيد الجديدة؛ ليتباهى أمام لِداته، بل ويجعل علامة المقاس من الخارج؛ مؤكداً لقرنائه؛ أنها جديدة!
إنها البراءة التي فقدت ووئدت -وئد وائدها-!

وأطوي على الخُمص الحوايا كما انطوتْ *** خيوطة ماريٍّ تُغار وتُفتلُ

وأغدو على القوت الزهيد كما غدا *** أزلّ تهاداه التنائف أطحلُ
(الشنفرى)

بعد انقضائه من الصلاة؛ جاء بعض الأصدقاء، إلى صديقي الصغير، ناصحاً، وقال له: اذهب، وصُفّ مع الناس؛ لتعطى زكاة؟!

فقفّ شعىه، ووجم لسانه، من هول صدمة الكلمة الرقيقة والرقيعة، وأبى هاته المهانة، وربأ بنفسه، أن يذلها، وأنف بها، أن يدسها؛ فقام ثانية إلى ربه: يناجيه ويناديه..
وشتان شتان بين اصطفاف- بين يدي الملك القدوس، وبين اصطفاف لضعفاء النفوس!

وقالوا: توصل بالخضوع إلى الغنى *** وما علموا أن الخضوع هو الفقرُ

وبيني وبين المال شيئان، حرّما *** عليّ الغنى: نفسي الأبية، والدهرُ

إذا قيل: هذا اليسر، أبصرت دونه *** مواقف خير من وقوفي بها العسرُ!

فإن لم يكن عند الزمان سوى الذي *** أضيق به ذرعاً؛ فعندي له الصبرُ
(الجرجاني)


ولا يتذكر صديقي، هل أعطاه ذاك التاجر شيئاً من ماله، أم لا؟! لكن الذي يذكره ولا ينساه؛ أنه لم يصُفّ ذاك الصف المشؤوم، -والحمد لله على جميل نعمائه، وجزيل آلائه- فقد صف بين يدي الحي القيوم.


خُلقت أبيّ النفس لا أتبع الهوى *** ولا أستقي إلا من المشرب الأصفى
 
ولا أحمل الأثقال في طلب الغنى *** ولا أبتغي معروف من سامَنِي خسْفا

ولا أتحرى العز فيما يذلني *** ولا أخطب الأعمال كي لا أرى صَرْفا

ولست على طبع الذباب متى يُذَدْ *** عن الشيء يسقط فيه، وهو يرى الحتْفا
(منصور بن الهروي) 

وليس عيباً؛ أن يؤخذ من الزكاة، فقد قال ابن كثير، في ترجمة الشيخ الصالح أبو بكر بن شرف بن محسن بن معن بن عمار الصالحي، من (البداية والنهاية: ١٨/ ٣٠٥): "وكان فقيراً، ذا عيال، يتناول من الزكاة والصدقات- ما يقوم بأوْدِه".

لكن العيب؛ أن يُبذل ماء الوجه -الذي لا عوض للإنسان عنه- لتاجر قاهر؛ من أجل لعاعة!

وما أحسن قول أبي تمام:
ما ماء كفك، إن جادت وإن بخلت *** من ماء وجهي، إن أفنيته عوض!

و‏‏رحم الله بلديي العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي، إذ يقول في إحدى مراسلاته، لأخيه أحمد: "... أنا مشتغل في تأليف رسالة مهمة، وأحب أن أطبعها على نفقتي .. ولا تطاوعني نفسي، أن أطلب المساعدة من أحد".
(المدخل لآثاره: ١/ ٢٢٢).


وأختم، داعياً بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر) (اللهم (اقضِ عني الدين، وأغنني من الفقر) (اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، واغنني بفضلك عمن سواك)
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم.


وكتب: أبو نعيم
وليد بن عبده الوصابي. 
١٤٤٠/٩/١٣
١٤٤١/٩/١٣

الاثنين، 4 مايو 2020

تلاعب بالزكاة من بعض الوكاة!


تلاعب بالزكاة من بعض الوكاة!

فرَضَ الله على الأغنياء صدقةً تُؤخذ من أموالهم، فتردّ على فقرائهم -كما في وصية النبي صلى الله عليه وسلم، لمعاذ بن جبل حينما بَعثه إلى اليمن-.

والزكاة: تنمية للمال، وطهرة لصاحبها، وفيها من المنافع الدينية والدنيوية، الشيء الكثير، والجم الوفير.

قال تعالى: "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها"؛ فهي فريضة واجبة حق لله تعالى، وفيها حق للفقير، يُعطاها بشرف وعزة، لا بمهانة وذلة؛ لأن المزكّي ليس متفضلاً في إعطائها، بل هي واجبة عليه كالصلاة والصيام، وسائر فرائض الإسلام.

وإن زكاة المال؛ أصبحت لدى بعض أصحابها؛ منّة وأذى، وأذية وقذى؛ والله تعالى يقول: "يأيها الذين آمنوا لا تُبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى"؛ فحكَم الله عليها بالبطلان الأخروي، وإن أجزأت في الدنيا؛ وذلك لتلبّسها بهذه الخبائث التي اتّصف بها بعض من عباد الله.

قال النووي: ‏"وينبغي، أن يدفع الصدقة؛ بطِيب نفس، وبشاشة وجه، ويحرم المَنُّ بها، وإذا مَنَّ بطل ثوابها".
(روضة الطالبين: ٢/ ٢٠٥)

وقال ابن تيمية: "ولا يمن عليه بذلك، ولا يؤذيه؛ فإنه قد علم: أن الله هو المان عليه؛ إذ استعمله في الإحسان، وأن المنة لله عليه، وعلى ذلك الشخص؛ فعليه هو: أن يشكر الله؛ إذ يسره لليسرى، وعلى ذلك: أن يشكر الله؛ إذ يسر له من يقدم له ما ينفعه- من رزق، أو علم، أو نصر، أو غير ذلك.
ومن الناس: من يحسن إلى غيره؛ ليمن عليه، أو يرد الإحسان له بطاعته إليه، وتعظيمه، أو نفع آخر. وقد يمن عليه، فيقول: أنا فعلت بك كذا.. فهذا لم يعبد الله، ولم يستعنه، ولا عمل لله، ولا عمل بالله.. فهو المرائي، وقد أبطل الله صدقة المنان، وصدقة المرائي، قال تعالى "يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين * ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتاً من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير"".
(مجموع الفتاوى: ١٤/ ٣٣٠)


فصار لإخراج الزكاة؛ أشكالاً وأحوالاً، وترى في ذلك أنكالاً وأهوالا!

وهاك بعض أحوالهم وأهوالهم:
-بعض؛ يعطي زكاة ماله، لبعض من يعملون عنده، ليس للإحسان إليهم، بل لينقصهم من أجرهم، أو ليلغي الحوافز والعمولات.

-وقسم؛ يعطي الفقير، ويملي عليه كمّاً هائلاً من كلمات العلو والترفع، والجنو والترقع!

-وفرق؛ يعطيها، ويهمس في أذن المُعطى: هذه زكاة مالي؛ أرجوك أن تدعو لي! -وهذا أأْدبهم- وكأن المال مقابل الدعاء!

-وشكل؛ يجزِّئها إلى دريهمات أو ريالات أو دنانير قليلة، على أُمّة من الناس، وهي ربما، لا تفي حاجة الطفل الصغير، فضلاً عن رب أسرة، وصاحب عائلة.

-وصنف؛ يعطيها؛ ليتخذ بها عند من أعطاهم يداً وصنيعة، كمسؤول أو مرموق ونحوه!

-ونوع؛ يعطيها؛ بذلة واحتقار، وجعْل المتصدَق في إصغار، وربما إسماعه كلمات نابية، تنبو عنها الأسماع!

-وجزء، لا يعطيها إلا بالوقوف أمام محله ومتجره، أو مدّ الأيدي إليه وسؤاله.

إلى غير تيك الأصناف التلاعبية، والأشكال التلاحبية؛ التي يندى لقذعها، الجبين، وتسخن من شنعها، جبهة الجنين!

ولعل سبب هذه الخلال: الحسد والبخل والأثرة، وفي حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق رضى الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تُوكِي فيُوكَى عليك).
وفي رواية: أنفقي وانفحي أو انضحي، ولا تُحصي؛ فيُحصي الله عليكِ، ولا توعي؛ فيوعي الله عليكِ). متفق عليه.

قال ابن الجوزي: "ثم نظرت في التجار؛ فرأيتهم قد غلب عليهم الحرص، حتى لا يرون سوى وجوه الكسب، كيف كانت، وصار الربا في معاملاتهم فاشياً، فلا يبالي أحدهم من أين تحصل له الدنيا!
وهم في باب الزكاة؛ مفرطون، ولا يستوحشون من تركها، إلا من عصم الله".
(صيد الخاطر: ١٦٦)


وبهذا؛ صارت الزكاة الواجبة المفروضة على الأغنياء.. تُخرج بأشكال وأطوار- لا يرضاها الله الملك العلام، ولا رسوله عليه الصلاة والسلام، ولا يقرها دين الإسلام.

فيا أيها الغني: اعلم أن هذه الزكاة معلقة بذمتك، لا تبرأ إلا بتأديتها بدون أذية، وتنقيتها دون شكية؛ فأدّها على الوجه الذي يرضي الله سبحانه وتعالى، واحذر أن تأتي معها بما يخدشها ويشوشها، أو يسوهها ويشوهها، فإن الله سائلك عن كل صغيرة وكبيرة، ولا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً صوابا.

هذه نصيحة من مستغنٍ بالله عن خلق الله.
أرجو أن تلقى آذاناً صاغية، وقلوباً واعية، وصدوراً حاوية.
أسأل الله أن يلهمنا رشدنا، ويقينا شر أنفسنا.
وكتب: وليد بن عبده الوصابي.
١٤٣٨/٨/٢٥
١٤٤٠/٩/١٣
١٤٤١/٩/١١

#أمالي_رمضانية
#أنابيش_الكنانيش


الأحد، 3 مايو 2020

عشْرٌ انْقضتْ!

عشْرٌ انْقضتْ!

ها هي عشر ليالٍ: انقضت وخلت، وذهبت وولّت، وسلفت ومرّت، ورحلت ومشت.. من رمضان المبارك الكريم المعظّم- الذي تهفو إليه نفوس المؤمنين، وتأنس به أرواح الصالحين.

يا الله، بالأمس القريب، ونحن نستقبله، ونفرح بقدومه، ونبشّ ونهشّ في وجهه، واليوم ها نحن نودِّع ثلثه الأول!


قالوا: أتى رمضان، ثم مضى * وتكاد تأتي ليلة النحرِ

فعجبت من أمري وأمرهمُ * رمضان يأتي دون أن أدري؟!

أنا لم أغِبْ يوماً عن الدنيا * وكذا -يقيناً- لم يَغِبْ فِكْري
(خالد البيطار)


وحريٌ بنا، والأيام في تسرّع، ويحثنا حادي المسير إلى المرجع.. أن نحاسب أنفسنا، ونخلو بها، مسائلين:
-ماذا فعلنا في هذه العشر الخالية؟
-ما الذي قدمناه من عملٍ صالحٍ نرجوا به رحمة الله؟
-ما العمل الذي خبأناه؛ ليكون زاداً لنا في سفرنا الطويل؟

أسئلة صريحة فصيحة صحيحة، لا مواربة فيها ولا مجاملة، ولا مداجاة أو مداهنة؛ لأن الصلاح والفساد لك وعليك، فأنت العامل والمختبَر، والملائك الكرام هم المراقبون والكاتبون، والله جلّ وعلا، هو: المصحِّح!

فيا من ضيع الأوقات جهلاً * بحرمتها أفق واحذر بوارك

فسوف تفارق اللذات قهراً * ويخلى الموت كرهاً منك دارك

تدارك ما استطعت من الخطايا * بتوبة مخلص واجعل مدارك

على طلب السلام من الجحيم *** فخير ذوي الجرائم من تدارك


فالسفر طويل، والطريق شاق، والعقبة كؤود، والناقد بصير، وأنت الراحل، وصاحب الرحلة!


فجدّ العزم، وشدّ الحزم، وخفف الحِمْل، وأحسن العمل، و"إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا".


وأنت، يا من فرّط فيما سلف، وأهمل في الماضي، (أتبع السيئة الحسنة) والحق الركب، فلا يزالون منك قريباً، ولا زال في الوقت متّسعا، وفي العمر بقية، فإذا ضيعت الماضي، فلا تضيع الحاضر والمستقبل.


هاته كلمات، كتبتها على علاّتها، وبدون ترتيب، أو قصد تركيب، ولم أتكلف فيها لفظة، لتكون سجية تخرج من قلبي إلى قلبي وقلوبكم؛ علّها تصادف قلباً خالياً؛ فتتمكن من الغرس، وتتعاهدها بالرعاية والسقاية، فتنبت لك زرعاً طيباً، تحمده يوم الحصاد.

أخذ الله بيدي وأيديكم لرضاه، وجنبنا مواطن سخطه.
والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.


كتبه: وليد بن عبده الوصابي.
١٤٣٧/٩/١٠
١٤٤١/٩/١٠



#أمالي_رمضانية
#أنابيش_الكنانيش
https://t.me/walidabwnaeem

السبت، 2 مايو 2020

المنهج السوي في ضبط اسم "مرى"- جد الإمام النووي!

المنهج السوي في ضبط اسم "مرى"- جد الإمام النووي!

الإمام النووي، هو: يحيى بن شرف بن مرا = مرى النووي = (النواوي)، تـ٦٧٦، وهو لا يحتاج إلى تبيين أو تعيين، فإنه أشهر من نار على علَم.

ومن أراد العل والنهل؛ فليقرأ هذه التراجم الخاصة:
-تحفة الطالبين في ترجمة الإمام النووي، لتلميذه ابن العطار.
-المنهل العذب الروي في ترجمة قطب الأولياء النووي، للسخاوي.
-المنهاج السوي في ترجمة الإمام النووي، للسيوطي.

لكني هنا، رمت ضبط اسم جده (مرا)؛ لوجود الخلاف فيه بين أهل العلم، والخطب يسير، ولكنه: الترف العلمي!

وقد بدأت التقييدات في ذلك؛ بسبب نقاش عال في المجموعة الرائدة- مجموعة المخطوطات الإسلامية، قبل سنة تقريباً، من بعض أفاضلها وفطاحلها!

ثم اليوم- يوم السبت ١٤٤١/٩/٩، أرسل الشيخ الوضي عادل العوضي، أكتوبة لطيفة، في ضبط هاته اللفظة (مرا)، لأحد أعضاء المجموعة المباركة، هو الدكتور محمد فاتح قايا.. وليس عندي سوى ما عنده، بل فاق بتصويره لبعض جذاذات المخطوطات!
لكنه ضمُّ الجهود، وصح الورود.

أقول:
لعل الإشكال في هذه الكلمة؛ هو تبع للاختلاف في رسم الياء المتطرفة؛ فبعضهم، يكتب الياء، والألف المقصورة، كلتيها، هكذا (ى) صورة ياء بدون نقط، ويعوّلون في فهم الكلمة، بالسياق.

وعليه؛ فإن وجود كلمة (مرى) هكذا؛ لا يستطاع الجزم بضبطها، إلا إن ضبطت ضبط حرف، فقيل -مثلاً-: بكسر الميم وفتح الراء، أو بكسر الميم مع القصر.
أو يقال: بضم الميم وكسر الراء المشددة، أو بضم الميم مع الياء.

وقد وجدت في بعض الأقصوصات، بخط الإمام النووي، هكذا (مرى)، مع تمدد قليل في ألفها.

وتبع هذا الضبط.. جمٌّ من أهل العلم، لكنه ليس ضبط حرف، وإنما هو ضبط شكل!
إلا ما كان من العلامة سليمان الجمل  في مقدمة (فتوحات الوهاب: ١/ ٢٤) فقد ضبطه بالحرف، فقال: "مرى: بكسر، ففتح المهملة المخففة وبالقصر".

ونأتي الآن إلى ذكر الخلاف في رسمها:
أولاً: رسم ألفها، ألفاً يابسة:
ناسخ (الإيجاز في شرح سنن أبي داوود السجستاني) هكذا (مرا) بالألف اليابسة، ثم قال: "هكذا نقلته من خطه، نفعنا الله بعلومه، آمين".

وكذا في (تحفة الطالبين: ٣٩) بخط الناسخ.

وناسخ (جزء فيه ذكر اعتقاد السلف في الحرف والصوت).

والتجيبي في (برنامجه: ٢٤٢)

وابن الفوطي، في (مجمع الآداب في معجم الألقاب: ٥/ ١١٥)

وكذا الزبيدي، في موضعين: (تاج العروس: ٤٠/ ١٤٢) وفي (١٢/ ١٩٤)

ويضم إليهم، العلامة سليمان الجمل؛ إذ رسمها مطوية، وضبطها ضبط حرف.


ثانياً: وجدت السيوطي، يرسمها بياء لازمة، وقال: "بن مرى -بضم الميم، وكسر الراء-؛ كما رأيته مضبوطاً بخطه".
(المنهاج السوي: ٢٥)

وتبعه جم غفير، لكن دون ضبطها بالحرف، بل بالشكل، وليس عليه معول؛ لما قدمت.


ثالثاً: رأيت السخاوي، في (المنهل العذب الروي: ٢١ - ٢٤) هكذا يضبطها (مِرَيْ) على أنه ضبط النووي نفسه في مقابلته لكتابه (الأذكار) مع الشيخ شهاب الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الخالق بن عثمان بن مزهر الأنصاري الشافعي الدمشقي.

قال النووي: "وقابلت معه نسخته هذه، مقابلة مرضية بأصلي، في مجالس آخرها يوم الإثنين الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين وستمائة، وأجزت له كل ما يجوز لي تسميعه.
كتبه: يحيى بن شرف بن مِرَيْ بن حسن النواوي عفا الله عنه.
قال السخاوي: ونقلت جميع ذلك من خطه على نسخة بالأذكار".

قلت: وهو ضبط شكل -كما ترى- ولا أدري، هل هو ضبط السخاوي، على ضبط النواوي، أم تصرف من النساخ أو الطباع.


قلت: وبالنظر إلى كتب التراجم؛ نرى أن كلا الاسمين (مِرا) و (مرّي) مزبور مشهور، فقد تسمى به كثير، في القديم والحديث.
وعلى سبيل المثال.. ينظر هنا، فيمن تسمى، بـ (مرا):
(تاريخ ابن خلدون: ٦/ ١٠٦) و (الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة: ٦/ ٢٠٥) و (نهاية الأرب: ١/ ١٤٠) للقلقشندي. وغيرها من المراجع.

وينظر هنا، فيمن تسمى، بـ (مري):
(تاريخ الإسلام: ٤٤/ ٤٩٩) وذكر المحقق عبد السلام تدمري، هناك الخلاف في ضبطه، وذكر مراجع أخر.


والراجح -والله أعلم-؛ أن ضبط اسم جده، هو (مِرَى) بكسر الميم، وفتح الراء، ثم ألف مقصورة، أو يابسة؛ وذلك لأمور:
-أنه صُرح بهذا الضبط، وضُبط ضبط حرف وشكل، وميز بالألف اليابسة؛ قطعاً للوهم في النطق بها، وفي هذا زيادة عِلم.
-أنه ضبط جمع من أهل العلم، وفيهم: أهل ضبط واعتناء.
-لعل التباساً سرى، إلى من  رسمها (مري)؛ إذ لعله وجدها، هكذا (مرى) ولم يمايز بينها، فظنها ياء، فرسمها (مري)!
ولا فرق بينهما، سوى الخط، والتجوز حاصل بينها.

وأما ما نقله السيوطي؛ فجائز أن يكون، اعتمد على رسمها، هكذا (مرى)، فاجتهد في ضبطها بالحرف، اتكالاً على نظائره من الأسماء! فالوهم متطرق إليه.

قلت هذا؛ لأن ضبط ناسخ الإيجاز؛ أصرح وأوضح؛ إذ رأى رسم الإمام النووي، بالألف اليابسة، ولا وهم مُتطرق إليه.

وأما ما ذكره السخاوي؛ فلا يعلم، هل هو ضبط النووي، أو السخاوي، وأياً كان.. فالأمر كما ذكرت في توجيه ضبط السيوطي.
والله تعالى أعلم وأعلى، وهو أكرم وأولى.

هذا ما تيسر جمعه، وما تمحص فهمه؛ فإن أصبت، فهو محض فضل الله تعالى، وإن أخطأت، فلا أعدم -إن شاء الله- أجراً من ربي جل وعلا، ثم تصويباً من إخواني الفضلا.


وكتب: وليد بن عبده الوصابي
١٤٤١/٩/٩


إذلالٌ قسري وتمزيقٌ قهري!

إذلالٌ قسري وتمزيقٌ قهري!
نعي على بعض المتصدقين.. الذين يمتهنون المستَحَقين!


نظرت الآن عرَضاً لا قصداً، إلى مشهد رهيب عصيب، لسرب من العفائف، وبعضهن يحملن أولادهن، وهن مصفوفات، لا، بل كل واحدة بجانب كرتون صغير من التمر، أو حفنة من الدقيق، أو حثيات من السكر؛ ليأتي ذلك المصور المأجور بكاميرته المشؤومة؛ ليصور تلك المشاهد المخزية المشجية المدمية!

والله لم أتمالك نفسي، ولم يحتمل ضميري تلك المشاهد المقززة، لنساء فقيرات معيلات لا يملكن اللقمة، يخرجهن -بعض أهل الخير!، وهذا ليس فعل خير- يخرجوهن من بيوتهن وخدورهن؛ لإعطائهن كرتون تمر، أو سلة غذائية!

آه، للضرورة، ألا قبح الله الضرورة؛ فإنها توقّح الصورة!
قال عبيد بن عبد الله بن طاهر:
ألا قبح الله الضرورة إنها *** تكلّف أعلى الخلق أدنى الخلائقِ

آه، للفقر.. لو كان الفقر رجلاً لقتلته!
آه وآه، ثم آه آه.

أقولها، -وليقل مَن شاء ما شاء-: إذا كان فاعل الخير، والمتصدق- لا يتصدق إلا بهذه المشاهد الشادخة  للحياء، والمسيلة لماء الوجوه؛ فلا بارك الله له في ماله.

فإن إراقة ماء الحياة *** دون إراقة ماء المُحيّا

إذا كان المتصدق- لا يثق فيمن يخوله، فلينظر له آخر، وما عدم الصدق ولا الصادقون.
وإذا احتاج المتصدق إلى توثيق، فليكن بتصوير المواد أو السلل الغذائية، أو توقيع استلام، أما تصوير رجال ونساء وهم -ربما- يبكون، وفي موطن ذل وعجز؛ فإن هذا استغلال للضعف الإنساني!
لا يستبعد؛ أن يقف فاعل هذا الفعل، هذا الموقف الذي يأباه! وكما تدين تدان.

ورحم الله السلف الكرام، فلم تكن أخلاقهم، أخلاق القوم اليوم..
عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، أنه قال لصاحب له: إذا كانت لك إلي حاجة؛ فلا تكلمني فيها، ولكن اكتبها في رقعة، ثم ارفعها إلي، فإني أكره أن أرى في وجهك ذل المسألة!

قال الشاعر:
لا تحسبن الموت موت البلى *** فإنما الموت سؤال الرجال

كلاهما موت، ولكن ذا *** أشد من ذاك لذل السؤال

وقال سعيد بن العاص لابنه: يا بني! أقبح الله المعروف.. إذا لم يكن ابتداء من غير مسألة، فأما إذا أتاك ترى دمه في وجهه، ومخاطراً، لا يدري أتعطيه، أم تمنعه، فوالله، لو خرجت له من جميع مالك ما كافأته!
(القناعة والتعفف: ٣٢) لابن أبي الدنيا.

ولبعضهم: المعروف ابتداء، فأما من أعطيته بعد المسألة؛ فإنما كافيته بما بذل لك من وجهه- يبيت ليلته أرقاً متململاً، يتمثل بين الرجاء واليأس- لا يدري أين يتوجه لحاجته، ثم يعزم بالقصد لها، فيأتيك، وقلبه يرتجف، وفرائصه ترتعد، قد ترى دمه في وجهه، لا يدري أيرجع بكآبة أم بفرح!


ولا أظن التاجر والمتصدق، يستمتع برؤية هذه المناظر المقذعة، والخواطر المفزعة، ولكنها المبالغة من بعض المسؤولين، وحب الظهور، القاصم للظهور!

وعن الفضيل بن عياض: (ارحموا عزيز قوم ذل، وغنياً افتقر، وعالماً بين الجهال).

وروي هذا مرفوعاً، عن النبي صلى الله عليه وسلم، من أوجه كلها ضعيفة.
(المدخل إلى السنن الكبرى: ٣٩٤)

فكم من عزيز، لا تنهنهه الجبال الرواسي، ولكن حصل له ما حصل من الآفات والأزمات!

وأين أنتم من قول نبيكم صلى الله عليه وسلم: (إن صدقة السر؛ لتطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء) عن أنس رواه الترمذي وابن حبان وصححاه، وضعفه بعضهم، ولكن له شواهد كثيرة، يتقوى بها، أوردها العجلوني، في (كشف الخفاء: ٢/ ٢٩)

وقوله عليه الصلاة والسلام: (سبعة يظلهم الله في ظله، ومنهم: ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه). رواه البخاري ومسلم، عن أبي هريرة.

بل إن فعلكم هذا من الأذى، ربما المبطل لأجر الصدقة، المبيَّن في قوله سبحانه: "يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى"، وهذا من أعظم الأذى الذي لا يرضاه عفيف.
وقد نهى الله عنه بقوله تعالى: "قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم".

قال الطبري: "قول جميل، ودعاء الرجل لأخيه المسلم، وستر منه عليه لما علم من خَلَّته، وسوء حالته.. خير عند الله من صدقة يتصدقها عليه (يتبعها أذى)، يعني: يشتكيه عليها، ويؤذيه بسببها".
(تفسير الطبري: ٥/ ٥٢٠)

‏وقد سئل أحد الحكماء: هل هناك أقبح من البخل؟ قال: نعم، الكريم إذا تحدث بإحسانه، لمن أحسن إليه!
قلت: فكيف لو رأى الناس اليوم؟!


وأذكر، قبل مدة.. طلب إلي أحد الناس- أن أصوّر بعض الأُسَر، على أن يعطيهم سللاً غذائية؛ فرفضت بشدة، وقلت: والله لا أشتري عفتهم وعفافهم بمبلغ من المال، أو كيس من البر!

وبالمقابل، اتصل علي أحد الموسرين، وقال لي: اعط فلاناً مبلغاً من المال، وأسألك بالله، أن لا تخبره باسمي.
فشتان بين الموقفين!


والعجيب؛ أن البعض: يستدل بقول الله تعالى: "إن تبدوا الصدقات فنعما هي" على تصوير مشاهد البؤساء والفقراء!
وليس هذا استدلال صحيح، بل المراد: إظهار صدقتك أنت؛ ليقتدى بك في التصدق، لا إظهار المتصدَّق عليه وتصويره بحالة ذل وانكسار.

يقول الشيخ السعدي -في تفسير قوله تعالى: "فأما اليتيم فلا تقهر"؛ أي: "لا تسيء معاملة اليتيم، ولا يضق صدرك عليه، ولا تنهره، بل أكرمه، وأعطه ما تيسر، واصنع به كما تحب أن يصنع بولدك من بعدك".
(تفسير السعدي: ٩٢٨)

فهل تحبون أن يفعل هذا بأولادكم؟!، ولستم في مأمن من تقلب الدهر، وتصرف الأيام.

فيا أيها الناس، اتقوا الله في أنفسكم، وليضع كل واحد منا موضع هذا المصوَّر، أو يضع أخته أو زوجته أو أمه- موضع تلك المصوَّرة المسكينة العفيفة التي أخرجتموها من بيتها المكنونة؛ بحجة الإعاشة.. هل يرضى هذا المتصدق أو ذاك المخوَّل.. هذا الإذلال لنفسه أو لأهله؟!

روي أن مسروق بن الأجدع؛ ادَّان ديناً ثقيلاً، وكان على أخيه خيثمة دين، قال: فذهب مسروق فقضى دين خيثمة، وهو لا يعلم -خيثمة لا يعلم أن مسروق قضى دينه-، وذهب خيثمة، فقضى دين مسروق، ومسروق لا يعلم، فكل واحد قام بشأن أخيه من غير أن يعلم، وكلاهما صاحب حاجة.
(إحياء علوم الدين: ٢/ ١٧٤)


كان عامر بن عبد الله بن الزبير يتحين العباد وهم سجود: أبا حازم، وصفوان بن سليم، وسليمان بن سحيم وأشباههم، فيأتيهم بالصرة فيها الدنانير والدراهم، فيضعها عند نعالهم بحيث يحسون بها ولا يشعرون بمكانه، فيقال له: ما يمنعك أن ترسل بها إليهم؟ فيقول: [إني] [4] أكره أن يتمعر وجه أحدهم إذا نظر إلى رسولي وإذا لقيني.
(المنتظم: ٧/ ٢٣٠)

وذكر ابن أبي الدنيا عن رجل، قال: «كان مورق العجلي يأتي بالصرر فيها الأربعمائة والخمسمائة فيودعها إخوانه ثم يلقاهم بعد فيقول §انتفعوا بها فهي لكم»
(الإخوان: ٢٢٠) لابن أبي الدنيا.

إني أقول لهؤلاء: إن الأيام دول، والدهر قلّب، والرحمن كل يوم هو في شأن (وكما تدين تدانكما تزرع تحصد

هذا كما يقال "كما تدين تدان" كما في (مجمع الأمثال: ٢/ ١٦٢) و"الجزاء من جنس العمل" كما في (الرضا عن الله بقضائه: ١٠٨) لابن أبي الدنيا.

ولا تظنن أنك بمأمن من الفقر أو الحرب، بل كل واحد يوطن نفسه على المكروه، حتى تهون عليه الشدائد، ولا -والله- لا أتمنى الشر لأحد، ولكنها ذكرى، لعلها تنفع "والذكرى تنفع المؤمنين"

إن هؤلاء العفائف يعشن العام كله على عمل رجالهن -ولله الحمد- أو تصدق بعض الأخفياء الذين لا يعرفهم الناس، لكن الله يعرفهم..
فيأتي شهر واحد يُحتاج فيه إلى كل هذه الزوابع!

يا هؤلاء، مَن تكونون عند المحسن الفاضل: عبد الرحمن السميط، فقد أغنى الله به ملايين، وأسلم على يده ملايين، ولم يفعل كأفعالكم الشوهاء.
فقد كان مرة -رحمه الله- في رحلة إلى القارة المنسية، فأراد بعض رفاقه تصوير توزيع المعونات؟!
فرفض الدكتور ذلك، وقال لهم: صوِّروا فرحتهم بدخول الإسلام، ودعوا انكسارهم أمام الحاجة!

الله أكبر، هذا هو سمو الأخلاق، والشعور بالآخرين، وإرادة وجه الله والدار الآخرة.

ويأيها الفقراء، لا تبيعوا عفتكم وحياءكم من أجل حفنة من الدقيق، أو كيلاً من الزيت، فخزائن الله ملأى، وما هؤلاء إلا أسباب فقط، "لا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا" "ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرا"
ولا أزايد على أحد، فكلنا -والله- محتاج، لكن أن يصل الأمر إلى الامتهان، فلا طاعة ولا إذعان. (ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله) رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه.

هذه صيحة خرجت من صدري المتحشرج، وقلبي الزافر؛ لأضعها هنا، وسيهتدي بها من أراد الله هدايته "إن عليك إلا البلاغ"

وأرجو أن تصل رسالتي هذه للمتصدقين والمسؤولين على ذلك؛ حتى تكون سبباً في رجوعهم عن طريقهم الخاطئ الشانئ.
والله العاصم والقاسم.

(اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك) رواه الترمذي، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وحسنه الألباني، في (صحيح سنن الترمذي، رقم: ٣٥٦٣)


وكتب: وليد بن عبده الوصابي.
١٤٣٩/٩/٤
١٤٤١/٩/٩