السبت، 18 أبريل 2020

أمراض اليوم ومرض القوم!

أمراض اليوم ومرض القوم!


أشهر الطواعين خمسة:
قال أبو الحسن المدائني: "كانت الطواعين العظام المشهورة في الإسلام خمسة:
١-طاعون شيرويه بالمدائن، على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، سنة ست من الهجرة.

٢-طاعون عمواس، في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان بالشام، مات فيه خمسة وعشرون ألفا، وكان سنة ثماني عشرة.

٣-طاعون الجارف في زمن ابن الزبير، في شوال سنة تسع وستين، هلك في ثلاثة أيام، كل يوم سبعون ألفاً، مات فيه لـ أنس بن مالك رضي الله عنه؛ ثلاثة وثمانون ابناً، ويقال: ثلاثة وسبعون ابناً، ومات لـ عبدالرحمن بن أبي بكرة أربعون ابناً.

٤-طاعون الفتيات؛ لأنه بدأ بالعذارى، في شوال سنة سبع وثمانين بالبصرة وواسط والشام والكوفة.

٥-طاعون في رجب، سنة إحدى وثلاثين ومائة، واشتد في شهر رمضان فكان يحصى في سكة المربد في كل يوم ألف جنازة أياماً، ثم خفّ في شوال".

(شرح مسلم: ١/ ٩٦) و (كتاب الأذكار: ١٥٥) كلاهما للإمام يحيى بن شرف الدين النووي.


قال أبو نعيم -كان الله له ومعه: الذي ينظر إلى هذا الوباء الجارف الحاصد.. يتسلى بالحاصل الآن، مع التفاؤل بالزوال؛ فإنه لا شيء مقارنة بأمراض من سلف.


وقد يقول قائل: كيف تصيب هذه الأمراض القاتلة، تلك القرون الفاضلة؟

أقول -والعلم عند الله تعالى-:
أولاً: إن الأمراض لا علاقة لها بالصلاح أو الفساد، وإن كان يستأنس بها، فللصالح؛ ابتلاء، وللطالح؛ بلاء.

‏‎‎عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن الطاعون؟ فأخبرني أنه عذاب يبعثه الله على من يشاء، وأن الله جعله رحمة للمؤمنين، ليس من أحد يقع الطاعون، فيمكث في بلده صابراً محتسباً، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر شهيد).
رواه البخاري.


ثانياً: إن الطاعون وباء معروف من قديم، ليس كأمراض العصر التي لم تكن تعرف في الزمن الماضي، بل كانوا يعدونه فضلاً من الله ونعمة؛ لأن المطعون شهيد.
وقد أُلِّفت في الطاعون، وفي فضله.. التواليف الكثيرة، حتى ناهزت المائة أو نافت!

ثالثاً: إن عدم مرض الكافرين، أو أخذ الظالمين، ليست رحمة بل هي نقمة.
ولا ننسى سنة الإمهال والاستدراج؛ لمن طغى وبغى؛ فحقت عليه كلمة العذاب..

قال تعالى: "سنستدرجهم من حيث لا يعلمون".
‏قال سفيان الثوري: "‏كلما أخطؤوا خطيئة؛ أنعمنا عليهم نعمة، وأنسيناهم الاستغفار".
(المخلصيات، رقم: ٢٣٥٢).

وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيت الله يعطي العبد على معاصيه من الدنيا؛ فاعلم أنه استدراج، وتلا قوله تعالى: "فلما نسوا ما ذكروا فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون").
رواه الإمام أحمد، وصححه الألباني.

و‏‏قال الإمام الطبري: "وأصل الاستدراج: اغترار المستدرَج، بلطف من استدرجه، حيث يرى المستدرَج أن المستدرِج إليه محسن، حتى يورِّطه مكروهاً".
(تفسير الطبري: ١٣/ ٢٨٧)

رابعاً: إن الدنيا ليست موطناً للفوز والانتصار؛ لأنها دار ابتلاء واختبار، ومن المعلوم: أن الفوز أو الخسران، لا يكون إلا بعد الاختبار والامتحان؛فلذلك كان القوم (وهم القوم حقاً)؛ يأنسون بالأمراض، بل إن بعضهم: كان يتهم نفسه إذا لم يمرض!

وهذا أكرم الخلق، وقرين الحق؛ كانت تعتريه الأمراض والأسقام..
قال ابن رجب: "وكان صداع الرأس، والشقيقة.. يعتريه كثيراً في حياته، ويتألم منه أياماً- وصداع الرأس من علامات أهل الإيمان، وأهل الجنة".
(لطائف المعارف: ١٠٥)

بل جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، ما يدهش في ذلك!
عن أبي هريرة قال: (مرّ برسول الله صلى الله عليه وسلم، أعرابي، أعجبه صحته وجلده، قال: فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: متى أحسست أم ملدم؟ قال: وأي شيء أم ملدم؟ قال: الحمى، قال: وأي شيء الحمى؟ قال: سخنة تكون بين الجلد والعظام، قال: ما لي بذلك عهد! قال: فمتى أحسست بالصداع؟ قال: وأي شيء الصداع؟ قال: ضربان يكون في الصدغين والرأس، قال: ما لي بذلك عهد! قال: فلما قفا أو ولى الأعرابي، قال: من سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل النار؛ فلينظر إليه).
أخرجه أحمد في مسنده، والبيهقي في شعب الإيمان، وضعفه أحمد شاكر، وصححه الألباني، والوادعي.

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم اجعل فناء أمتي قتلاً في سبيلك، بالطعن والطاعون).
رواه أحمد وصححه الألباني.

"قال العلماء: أراد -صلى الله عليه وسلم-: أن يحصل لأمته، أرفع أنواع الشهادة، وهو: القتل في سبيل الله بأيدي أعدائهم- إما من الإنس، وإما من الجن".
(فتح الباري: ١٠/ ١٩٠).

وقال ابن حجر: "والطاعون لمُؤمِني هذه الأمة.. رحمة، وشهادة".
(بذل الماعون في فضل الطاعون: ٧٨).

خامساً: كانوا يعدّون الأمراض؛ مواسم، للتوبة والأوبة!
قال أبو الوفاء ابن عقيل: "الأمراض.. مواسم العقلاء؛ يستدركون بها ما فات من فوارطهم وزلاتهم، إن كانوا من أرباب الزلات، ويستزيدون من طاعاتهم، إن لم يكونوا أرباب زلات، ويعتدونها، إن خلصوا منها بالمعافاة.. حياة بعد الممات، فمن كانت أمراضه كذا؛ اغتنم في الصحة صحة، فقام من مرضه: سليم النفس والدين.
والكافر.. ينفق على الأدوية، ويعالج الحمية، ويوفي الطب الأجر، وليس عنده من علاج دينه خبر.. فذاك ينصرع بالمرض انصراع السكران، ويفيق من مرضه إفاقة الإعداد لسكر ثان".
(كتاب الفنون: ١/ ٤١٣).

والبلاء عندهم كالدواء.. يقول ابن القيم: "ابتلاء المؤمن، كالدواء له، يستخرج منه الأدواء، التي لو بقيت فيه، أهلكته، أو نقصت ثوابه، وأنزلت درجته، فيستخرج الابتلاء والامتحان منه تلك الأدواء، ويستعد به لتمام الأجر، وعلو المنزلة".
(إغاثة اللهفان: ٢/ ٩٣٥).


وأخيراً: الواجب على الجميع: الثقة بالله تعالى، وصدق التوكل عليه سبحانه، والتوبة والأوبة إليه، ومراقبته في كل خلوة وجلوة، والإكثار من فعل الطاعات والقربات، والابتعاد عن المعاصي والسيئات.

ويتوجب على الجميع: أن يتكافلوا ويتآلفوا ويتقاربوا ويتعاونوا ويتآزروا.. فيما بينهم، وكل يتفقد قريبه وجاره، ولنبتعد عن الأثرة والأنانية.
وإن فرج الله قريب.


وليد بن عبده الوصابي.
١٤٤١/٧/٢٣

الخميس، 16 أبريل 2020

رحيل المسند المعمر محمد إدريس الكاغاني:


رحيل المسند المعمر محمد إدريس الكاغاني:
#وفاة_علم
توفي اليوم الخميس ١٤٤١/٨/٢٣، مجيزنا المعمر محمد إدريس بن الشيخ السيد رسول الكاغاني الهزاروي.. عن مائة سنة ونيف.

ولد الشيخ -رحمه الله- سنة ١٣٣٥هـ في قرية راجوال، من أعمال هزاره في باكستان.

وأخذ التعليم الابتدائي من أبيه الشيخ السید رسول، وسمع "صحيح البخاري" و"جامع الترمذي" على شيخ الإسلام حسين أحمد المدني، و"صحيح مسلم" على العلامة إبراهیم البلیاوي، و"سنن أبي داود" على الشيخ إعزاز علي الأمروهي، و"سنن النسائي" على الشيخ عبدالحق نافع، و"سنن ابن ماجه" على المفتي رياض الدين، والشيخ أبي الوفاء الشاهجهان فوري.

واستفاد من العلامة عبيد الله بن الإسلام السندي، وحضر لدى الشيخ أحمد علي اللاهوري في دورته التفسيرية.

وهو من الرواة عن الشيخ محمد إلياس الكاندهلوي وغيره من أهل العلم والفضل والعلو.

واشتغل بالتدريس في مدرسة بـ "جهلم"، واستمر فيها مدة طويلة مع الإمامة في مسجد من مساجدها.

وقد أُجزت من الشيخ، بوكالة الشيخ ظهور أحمد الحسيني -كوفئ بالخير-، يوم الجمعة ١٤٤١/٧/١٨، عبر الماسنجر.

رحم الله الفقيد رحمة الأبرار، وأسكنه جنات تجري تحتها الأنهار.

ملاحظة: استفدت الترجمة من ترجمة منشورة للدكتور محمد أكرم الندوي لشيخه الكاغاني.

وليد بن عبده الوصابي.
١٤٤١/٨/٢٣

الاثنين، 13 أبريل 2020

دموع السَّحَر!

دموع السَّحَر!

بينا أنا في نوم متقطع (وكيف يهنأ المغترب بنوم؟)؛  وكنت على موعد مع عيش روحي، ولهو نفسي.. مع أهلي وولدي!

بينا أنا في هذا الجو المأزوم، إذ بي أسمع نشيجاً متهدجاً، لم أتبينه، ولم أكن أتحينه!
قلت: صاحبي مزكوم -شفاه الشافي، وعافاه المعافي، وداواه المداوي-!

انقلبتُ على جنبي الآخر؛ فسمعت حسيساً، وإذا به صاحبي، يقوم من فراشه الخشين، إلى الخلاء!

انتظرت، حتى رجع إلى مكانه؛ لأن جفني كان قد انفتح وأبى علي الإغماض!

قدّر البين بيننا فافترقنا *** وطوى البين عن جفوني غمضي

قد قضى الله بالفراق علينا *** فعسى باجتماعنا سوف يقضي


عاد صاحبي، ففاتحته وحادثته، وتكلمت معه وإليه، وإذا بصوته مبحوح، ثم قال: ذكرت أولادي؛ فنزلت دموعي!

وإذا سمعت نشيج نفسي بالدجى *** أبكي شباباً ضاع في السفرانِ!

عند سماعي كلمة (الأولاد)؛ استوفزت، وقمت متكئاً على مرفقي، وتذكرت نفسي المثخنة، وروحي المتعبة، وعيني المقرحة:

كلانا مريضان في بلدة *** وكيف يعود مريض، مريضا؟!

لكني، لم أقف مكتوف الأيدي، واجم الفؤاد، مخروس اللسان.. بل استحضرت كل ما قدرت عليه، من: مواساة ومؤاساة، وقصص ومواقف، وتجارب وأخبار.. حتى سلا صاحبي قليلاً..
وكيف له السلاء جميعه، وهو مفرّق الجسد، ممزع القلب، "خالي الوفاض، بادي الأنفاض"!

أيها الراكب الميمم أرضي *** أقرِ من بعض السلام لبعضي

إن جسمي، كما علمت، بأرضِ *** وفؤادى ومالكيه، بأرضِ!


وكأني به حينها، يودّ- لو أن له أجنحة؛ لطار بدون مطار، ولكن، لا جناح، بل ولا معير جناح!

أسرب القطا، هل من يعير جناحه *** لعلِّي إلى قد من هويت أطيرُ؟!

فلما كانت الليلة الثانية؛ زارته أشجانه أخرى؛ فأسالت دموعه، وأتعبت فؤاده، وأجهدت روحه، وأقضّت مضجعه، وأبلّت مخدعه!


آه، أما آن لك أيتها الأحزان.. أن تغادري مخدعنا.. أما آن لك أيتها الأشجان.. أن تفارقي مجمعنا.. أما آن لك أيتها الأتراح.. أن تصارمي مرتعنا؟!

ألا تكفينا الغربة، التي تجلدنا بسياطها الذفيفة.. ألا يكفينا الحجر، الذي عطلنا عن أعمالنا الحفيفة.. ألا يكفينا الضجر، الذي يلهب نفوسنا الشفيفة.. ألا يكفي ... ألا يكفي؟!

رباه، طال الأسى، وزاد القسى، وأنت -وحدك- المعاذ والملاذ؛ فاكتب لنا حياة: هنيئة مريئة، مريحة فريحة، بديعة وديعة، يا رب يا رب.

و ع ي
١٤٤١/٨/١٩

السبت، 11 أبريل 2020

ليتك ما جيت، وقعدت بالبيت!

ليتك ما جيت، وقعدت بالبيت!

هكذا قال له كثير ممن قابله، عندما سافر من بلاده، إلى بلاد أخرى؛ للعمل والرزق؛ وذلك قبل تمدد هذا الفيروس المستطير! (كفى الله المسلمين شره وضره وحره وجره)
فلما جاء المسكين؛ لم يقدّر له عملاً؛ إذ كان الحجز والحجر!

فكان أصحابه، كلما قابلوه.. أسمعوه هذه العبارة المصمة المحمة المغمة (ليتك ما جيت، وقعدت بالبيت)!

ومعنى كلامهم: لو أنك قعدت في بلدك، وبين أهلك وولدك، وحجزت نفسك ثَم!

فكان يجيبهم برضى واطمئنان، وكلمات ملؤها الإيقان والإيمان: لو كان اختياري المحض؛ لكنت نادماً، لكني استخرت ربي سبحانه وتعالى، "وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة"، و"والله يعلم وأنتم لا تعلمون".

إن ربي جل وعلا، (العظيم، العليم، الحكيم، الرحيم، الحليم، الكريم)؛ لن يقدر لعبده المؤمن (وأنا أرجوه) إلا الخير والتيسير، واللطف والتدبير، وإن ظُنّ بدءاً، أنه ليس كذلك.
(والشر ليس إليك) سبحانك، ما أعظم شانك.

إن أفعال الله سبحانه.. دائرة بين الرحمة والحكمة، فالرحمة: تكون ظاهرة للعيان، أما الحكمة: فقد تخفى عن عقل الإنسان؛ لضعف كنهها وإدراكها، ولكنها قد تتبين بعد أمد.

حارتِ الأفكار في حكمة مَنْ *** قد هدانا سبْلنا عزّ وجلْ

"فإن كل ما فعله الرب ويفعله.. لا يخرج عن العدل والحكمة، والمصلحة والرحمة".
(مفتاح دار السعادة: ٢/ ١١٠)

وكنت أرى الناس، حين سماعهم هذا الثبات- التي تتكسر عليه جماجم الشكوك، ورؤوس الاعتراض، وزوابع الشيطان؛ يسكتون ويعجبون، ثم يقولون: صدقت والله، هذا قضاء الله وقدره. 

"اللهم إليك خرجت، وأنت أخرجتني، وإليك جئت، وأنت جئت بي، وبفنائك أنخت، وأنت حملتني..
اللهم قلبي وناصيتي بيدك، لم تملِّكني منهما شيئاً؛ فكن أنت وليي، واهدني سواء السبيل، واقدر لي الخير حيثما كان، ثم رضّني به".


وكتب: وليد أبو نعيم
١٤٤١/٨/١٨



الاثنين، 6 أبريل 2020

رحيل الأديب الغيور اللوذعي اليلمعي علي بن عبد الله الواسعي

رحيل الأديب الغيور اللوذعي اليلمعي علي بن عبد الله الواسعي:

وفاة علم

قرأت اليوم الاثنين ١٤٤١/٨/١٣، نبأ وفاة الأستاذ الصحفي الطبيب الأديب الغيور اليلمعي علي بن عبد الله الواسعي.

مات -رحمه الله وغفر له-، نئياً قصياً عن البلد والولد.. فقد مات في دولة تركيا، بهذا الوباء الحال، فيروس كورونا! فـ "إنا لله وإنا إليه راجعون"، (إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى).

والأستاذ علي، من مواليد عام ١٣٤٩ / ١٩٣٠م بمدينة آنس، محافظة ذمار، منطقة جهران، في الجنوب الغربي من العاصمة صنعاء الشماء.

سكن العاصمة صنعاء، ولبث فيها، حتى عام ٢٠١٤م، فسافر، ولا يريد السفر، ولكن (مكره أخاك لا بطل)!

متزوج، وأب.. لثلاثة أبناء، وثلاث بنات -حفظهم الله ورعاهم، وجعلهم خير خلف لخير سلف-.

كان -رحمه الله- متشوفاً للعلم والمعرفة من صغره، فقد دخل الكتاب، ثم المدرسة العلمية، الذي درس فيها: الفقه، والعربية، والتفسير، وأصول الفقه، وأصول الدين.

وكان -رحمه الله- متشوقاً؛ ليرى المدارس والجامعات العملاقة في بلده الذي عاش ردحاً من الزمن، في منأى عن العالَم الخارجي!
قلت: (وفي هذا خير وشر، ليس المكان محل تفصيله).

وكان يسعى بجده وكده؛ ليخرج بلده الحبيب (اليمن السعيد) من وهدة رقاده، والرجوع له إلى سالف مجده وأمجاده.

أسس مجلة الإرشاد؛ لتكون نبراساً وضاءاً، ومقباساً وقاداً، للجيل اليمني المثابر، وظل رئيساً لتحريرها مدة (١٢) اثني عشر عاماً.

ثم أسس مجلة النور، ثم مجلة التحرير؛ لنفس الهدف العلمي، والسمو الروحي.

وكتب مقالات أسبوعية متفرقة ومتنوعة، في بعض الصحف اليمنية، منها: الصحوة ـ الوحدة ـ الميثاق ـ ٢٦ سبتمبر.

ثم عمل بوازارة الصحة، مديراً عاماً للصحة الوقائية، بعد ابتعاثه عام ١٩٦٦م، لدوارت صحية، إلى دمشق الفيحاء.

ثم انتقل إلى العمل الإعلامي، فعمل في إذاعة صنعاء، فكان مشرفاً على البرامج، وكان يكتب ويقدم بعض البرامج، كبرنامج "أضواء على الدّستور" و "جريدة الصّباح" و "الأسرة" كما أنشأ برنامج "فتاوى".

ثم عمل في المجلس الوطني، ثم تسلم نائباً للأمين العام، لمجلس الشورى.

وخلّف تراثاً مطبوعاً ومخطوطاً، من ذلك:
-جمع مذكرات العزي صالح السنيدار، وطبعت، باسم (الطريق إلى الحرية).

-كتاب عن رحلاته إلى أوربا وأمريكا وأندونيسيا وباكستان.

-حوار مع ملحد.

-بحث عن المرأة.

-تأملات مجنون.
ويقول عن هذا الكتاب: "الإنتاج الذي أعتز به أكثر من غيره؛ هو "تأملات مجنون"؛ وذلك لأنني مررت بحالة فقدت فيها وعيي، وفي نفس الوقت كنت أشعر بأن حالتي غير طبيعية.. وبعد أن شفيت -والحمد لله- صوّرت كل ما مر بي في تلك الحالة".

أقول: ولكن، يلفّك العجب، ويحفّك الغرب.. حين أن تبحث عن ترجمة واسعة للعالم العامل؛ فلا تجد إلا نتفاً وأفتات، من مقالات ولقاءات!
ثم تتلفت أخرى، إلى تراثه- من مقالات ومؤلفات؛ فلا تظفر منها، ولو بلمظة ولا ومضة!

وللأسف، كم في بلدان العالَم من علماء فضلاء، وأشياخ نبلاء، ولكنهم في غياهب النسيان، وفي سباسب السهوان، لا سيما بلدي الحبيب، المسكين اللهيب، المغلوب على أمره: قبلاً وحالاً، فهم دوماً- في رزوح أو نزوح!
فـ "إنا لله وإنا إليه راجعون"، و (لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم).

وكان - مترجمنا الفقيد-؛ يسوؤه ما يرى من تخلفات ومخالفات ما بعد الثورة اليمنية، فاسمعه يقول: "الذي تحقق من الآمال؛ "الثورة" على الوضع الذي كنا نعيش فيه.. أما الذي لم يتحقق بعد؛ فهو تنقية الثورة مما لحق بها.. وما زلنا نجاهد لكي يعود لها وجهها الإسلامي المشرق".

وكان صاحبنا؛ أديباً إسلامياً خالصاً، كارهاً للحداثة والتغريب، فانظره عندما سئل:
"كيف تنظرون إلى رافعي راية الحداثة في الأدب، وماذا تقولون لهم؟
فأجاب: يكفي في الرد عليهم:
-أن دعوتهم منقولة من الغرب حرفياً، وليس فيها من العربية غير الكلمات العربية!
-كما أنها، ليست مجرد مذهب في الأدب -كما يزعمون- بل إنها تُخفي وراءها، هدفاً لكل مقوماتنا.. إنها واحدة من الحركات الهدامة التي ابتلينا بها منذ زمن بعيد".

واقرأه، -مبيناً حيز الحرية المزعومة-: "هناك دائرة، من تعداها لا يقبل منه ذلك، أما ضمن هذه الدائرة- دائرة الإسلام وثوابه، فكل رأي يدخل ضمن الاجتهاد.. ولكن هؤلاء يريدون القفز فوق الإسلام، ويريدون أن يسمع لقولهم.. مع أن الحرية المطلقة التي لا قيد عليها قط؛ ليست إلا خيالاً، ومَن يتغنون بذلك ليس عندهم هذه الفوضى بل هناك قيود يقفون عندها".

وكان -طيب الله ثراه-؛ لا يهادن في الدين، كما يفعل بعض الرقعاء، أو يهاود في القيم، كما هي تراخيص الرخصاء، رغم سفره إلى دول غربية عديدة.

وما أعظم موقفه ذاك، مع المرأة الغربية، التي مدّت يدها لمصافحته، أمام جمع من الناس؛ فرفض مصافحتها بلطف واحترام، مكتفياً رد السلام بالكلام؛ مبيناً لها، أن دينه يحرم عليه ذلك!
فغضبت أولاً، فلما علمت صلابته وصرامته؛ أكبرته وأعظمته!

قلت: وتالله، إنه لموقف يعجز عنه الكثير.. فعندما تقرأ، سير أو مذكرات بعض الأدباء؛ تصك سمعك، وتقذي عينك، تيك العلاقة الخسيسة التعيسة بينهم وبين نساء أحنبيات، وربما كان أمام أزواجهن!
وعندي أمثلة على ذلك وشواهد، لكني أطوي عنها كشحاً:

سيعيد الله كلاً منهمُ *** وسيجزي فاعلاً ما قد فعلْ
"ذلك بما قدمت أيديكم" و(والله الموعد).

بل لا يكتفي بعضهم بالعجز والضعف والخور، بل يمضي يدلل ويعلل، ويسوغ ويفرغ لموقفه المحرم المذمم!
وهذا لعمري، من الخذلان؛ أن تفعل معصية، ثم تدافع عنها!

وفي هذا المقام، أذكر موقف الشيخ الأديب الغيور علي الطنطاوي، عندما كان يحلق لحيته!
قال: "أما حلق اللحية؛ فلا والله ما أجمع على نفسي بين الفعل السيء، والقول السيء، ولا أكتم الحق؛ لأني مخالفه، ولا أكذب على الله، ولا على الناس.
وأنا أُقر على نفسي، أني مخطئ في هذا، ولقد حاولت مراراً، أن أدع هذا الخطأ، ولكن غلبتني شهوة النفس، وقوة العادة، وأنا أسأل الله أن يعينني على نفسي حتى أُطْلقها"، ثم علق في الحاشية، قائلاً: "وقد أعانني، فله الحمد".
(مع الناس: ١٧٧)

ربما، أطلت، وخرجت عن الهدف والقصد من السيرة، ولكنها زفرة غريب، في زمن عجيب؛ لأنه قلّ وندر- أن ترى أديباً متديناً!
نعم، وللأسف، قلما تلد الأمهات مثل فقيدنا الغيور: علي الواسعي؛ نفرح به ونأنس، وعلى كلٍ، فالله حافظ دينه، أياً كان أهله.

وإنك قارئ -أيها القارئ-، في سحنته؛ الصدق والصلاح، والسداعة والوداعة مع الصلابة والصداعة، وغزر النظر، وثقب البصر..

ولا أدري، لمَ تذكرني صورته، بشيخي الأديب المحقق: عبد الرحمن بن عبد القادر المعلمي -حفظه الله وأعزه-؟ ربما؛ لتقاربهما، في: الشبه الحسي والمعنوي، وفي الأدب، والهدوء، والتؤدة، والعمل بصمت، والبعد عن الأضواء، والغيرة على التوحيد والأعراض.

ملاحظة: استفدت ترجمة الفقيد، من بعض المقالات واللقاءات معه، ومن مقال الدكتور الفاضل أحمد بن محمد الجهمي المصباحي -وفقه الله-.

أسأل الله تعالى، أن يرحم هذا الغيور الفاضل، وأن يسكنه بحبوحة جنته، وأن يشفي أهله وذويه، ويلهمهم السلو والصبر، ويجزل لهم الفضل والأجر.

وكتب: وليد بن عبده الحطامي الوصابي.
١٤٤١/٨/١٣

الأحد، 5 أبريل 2020

السخرية والاستهزاء بالمرض والوباء!


السخرية والاستهزاء بالمرض والوباء!

"بسم الله الرحمن الرحيم"
الحمد لله ذي الجلال، والصلاة والسلام على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ذي الجمال.

وبعد:
فإن الناظر في نصوص الوحيين؛ يرى أنها قاضية بتحريم السخرية والاستهزاء والاستهتار؛ لما في ذلك من الاستخفاف والاحتقار والاستصغار.


والاستهزاء بالمؤمنين له ثلاث حالات:
الأولى: الاستهزاء والسخرية بالمؤمنين- بذواتهم أو صفاتهم، من خَلق أو خُلق.. وهو محرم بالإجماع، قال ابن حجر الهيتمي: "وقد قام الإجماع، على تحريم ذلك".
(الزواجر: ٢/ ٣٣).

الثانية: الاستهزاء بالمؤمنين، بسبب تمسكهم بالإسلام، وهذه ردة عن الإسلام، إن توفر شرط القصد، وانتفى مانع الجهل، قال تعالى: "قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم".

وهم -في الحقيقة- لم يستهزؤوا بالله ورسوله وآياته، ولكنهم لما استهزؤوا بإيمان المؤمنين، كان استهزاء بالآمر بالإيمان، وهو الله سبحانه وتعالى؛ فاستحقوا الكفر والإبعاد.

قال شيخ الإسلام: "الاستهزاء بالعلماء والصالحين؛ لأجل ما هم عليه من العلم الشرعي، واتباعهم- للقرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة، هو في حقيقته استهزاء بآيات الله تعالى، وسخرية بشرائع دين الله عز وجل، ولا شك أن هذا الاستهزاء كفر يناقض الإيمان، يقول الله تعالى: "وإذا علم من آياتنا شيئاً اتخذها هزواً أولئك لهم عذاب مهين"، ولم يجئ إعداد العذاب المهين، إلا في حق الكفار".
(الصارم المسلول: ٥٢).

الثالثة: الاستهزاء بالمؤمنين، بما يحلّ بهم من نوازل وكوارث ومآس وأمراض، وهو محرم؛ لعموم الأدلة في ذلك.
وليس هذا فحسب، بل لا يجوز، حتى السخرية والاستهزاء بالأمراض والأوبئة النازلة بالكفار؛ لأنها أقدار كونية، قدرها الله وقضاها.
أما السخرية منهم، في أفعالهم الشنيعة، وأقوالهم الفظيعة؛ فجائز؛ لأنه استهزاء بشيء يملكونه، ويفعلونه عن اختيار ومشيئة!

بل إن سخرية الإنسان ممن يَسخر منه.. جائزة؛ لقوله تعالى: "وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به" إلى غيرها من الآيات، في هذا المعنى، وهو: المقاصاة والمجازاة، وإن كان الصبر، وترك ذلك أولى؛ لأن الله تعالى، قال بعدها: "ولئن صبرتم لهو خير للصابرين".


ولا بد هنا، من التفريق، بين الاستهزاء بما يحل بالكفار من كوارث ونوازل، وبين الفرح بذلك؟
فالاستهزاء، لا يجوز؛ لأن من شأنه، التنقيص والتبخيس، لأمر لا يد لهم في جلبه أو دفعه، فيعود ذلك إلى المقدر سبحانه وتعالى.
وأما الفرح؛ فواجب؛ لأنه يظهر فيه معنى الولاء والبراء، وفيه شفاء لصدور المؤمنين، "ويشف صدور قوم مؤمنين".
ومن أراد الاستزادة، فليراجع هذا الرابط:
(الفرح والسرور بهلاك أهل الكفر والشرور):

https://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?p=2342555#post2342555


ثم إن هناك أمراً زائداً، وهو: أن المستهزئ بالأمراض والأوبئة؛ رجل ناقص المروءة، ضعيف الشعور، غليظ القلب، منزوع الرحمة، خسيس النفس، حديد الطبع؛ وذلك لأن الواجب، في حالات الضعف؛ هو المواساة والاسترحام والاستعطاف، لا السخرية والاستهزاء والاستخفاف.


وإن الساخر من الأوبئة والكوارث الكونية، لا يخلو -والله أعلم- من حالين:
-إما أن يريد الاستهزاء بمن حل عليه الوباء لا بنفس الوباء، وهذا معلوم تحريمه في القرآن والسنة، قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم" وفي البخاري: قال عليه الصلاة والسلام، لأبي ذر -لمن عيره بأمه، وليس هو بلال-: يا ابن السوداء؟- (أعيرته بأمه؛ إنك امرؤ فيك جاهلية).

-وإما أن يقصد الاستهزاء بالوباء نفسه.. وهذا استهزاء من قضاء الله وقدره، وفيه ما فيه؛ إذ هو في الحقيقة، استهزاء برب البلاء، ولكن بطريقة غير مباشرة أو مقصودة.

وإن الإنسان العاقل، ينأى بنفسه عن ما يعرضه في الموبقات، فرب كلمة، أوبقت عليه دينه وأخراه.
وعن أبي هريرة، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها؛ يزل بها إلى النار، أبعد مما بين المشرق والمغرب) متفق عليه.


وقد يقول قائل: أنا لم أرد هذا، ولا ذاك، ولكن، من باب الظرف والطرف لا غير؟!
أقول له: إن الظرافة والطرافة، تكون فيما أباحه الله لنا (وهو كثير جداً) وفي الحديث، عند الدارمي عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل شيء يلهو به الرجل باطل؛ إلا رمي الرجل بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله.. فإنهن من الحق).

ففي الحياة، متسع ومتفسح، في اللهو واللعب والمزاح، ولكن دون المساس بأصول ثابتة، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إني لأمزح ولا أقول إلا حقا) وحديث (لا يأخذ أحدكم متاع أخيه جاداً ولا مازحا).
ولا يباح المحرم، إلا لمصالح خالصة أو راجحة، مثل: الكذب من أجل الإصلاح ونحوه من المصالح المتحققة، أما المزاح في الكذب، فلا يحل بحال من الأحوال.

ولا أدري، أي ظرافة وطرافة، في السخرية من الوباء، وفيه: إدخال الشحناء، وبث البغضاء، والكراهية والبلاء.
وأكثر حياة الناس اليوم.. ظرف وطرف! فلم يجدوا مجالاً إلا في أقدار الله الكونية؟!

وأخيراً، أقول لك -كما قال الأول-:
احفظ لسانك أن تقول فتبتلى *** إن البلاء موكل بالمنطقِ!

رفع الله عنا البلاء والوباء، والزنا والربا، والقلاقل والزلازل والمشاكل، والفتن والمحن والإحن، ما ظهر منها وما بطن.

والله تعالى أعلى وأعلم وأجل وأحلم.


وكتب: وليد بن عبده الوصابي.
١٤٤١/٨/٦




إيضاح وبيان عن ليلة النصف من شعبان:

إيضاح وبيان عن ليلة النصف من شعبان:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد:

فإن شعبان، هو الشهر الذي يقدُم رمضان، وله مزية: أن النبي عليه الصلاة والسلام، كان يكثر الصوم فيه -كما روت ذلك زوجه عائشة رضي الله عنها- قالت: (كان رسول الله يصوم، حتى نقول لا يفطر، ويفطر، حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله، استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صياماً منه في شعبان).
رواه البخاري ومسلم.

وليلة النصف من شعبان؛ قد  اضطربت فيها أقوال الناس وأحوالهم.

وهذا تعليق مختصر معتصر، أسأل الله أن يكون خالصاً صواباً، وأن يجعل فيه الهمع والنفع، فأقول -مستعيناً بالمعين، وعليه المتكل، وهو المستعان-:

أما فضلها:
فقد ورد فيه عدة أحاديث، منها: ما هو صالح للاحتجاج، ومنها: ما هو ضعيف لا يحتج به، ومنها: ما هو موضوع باطل.

فمما هو صالح للاحتجاج: ما جاء عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان ليلة النصف من شعبان؛ اطلع الله إلى خلقه، فيغفر للمؤمنين، ويملي للكافرين، ويدَع أهل الحقد بحقدهم حتى يدَعوه).
رواه البيهقي، والطبراني، وحسنه الألباني، في (صحيح الجامع، برقم: ٧٧٣) ووافقه الشيخ مقبل الوادعي، في (الأجوبة السنية على الأسئلة التنزانية). 

وقد روي نحوه؛ عن عدد من الصحابة، وهم: أبو بكر الصديق، وأبو هريرة، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن عمرو، وأبو موسى الأشعري، وعوف بن مالك، وعائشة -رضي الله عنهم-.

قال الشافعي: "وبلغنا، أنه كان يقال: إن الدعاء يستجاب في خمس ليال: في ليلة الجمعة، وليلة الأضحى، وليلة الفطر، وأول ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان".
(الأم: ١/ ٢٦٤)

وقال المباركفوري: "اعلم أنه قد ورد في فضيلة ليلة النصف من شعبان، عدة أحاديث- مجموعها: يدل على أن لها أصلاً".
ثم أورد مجموعة أحاديث..
ثم قال: "فهذه الأحاديث بمجموعها؛ حجة على من زعم أنه لم يثبت في فضيلة ليلة النصف من شعبان شيء، والله تعالى أعلم".
(تحفة الأحوذي: ٣/ ٣٦٥ - ٣٦٧)

قلت: وأما ما ورد فيها، من أحاديث ضعيفة وموضوعة؛ فكثيرة، تطفح بها الكتب والمواقع والمنتديات!
ولا حاجة بي إلى ذكرها.

تنبيه: ذكر بعض العلماء.. أن ليلة النصف من شعبان، هي المرادة، في قوله تعالى: "إنا أنزلناه في ليلة مباركة" وقوله تعالى، بعدها: "فيها يفرق كل أمر حكيم".. وحكى الإمام الطبري، القولين، ورجح أنها: ليلة القدر.
ينظر: (جامع البيان: ٢٢/ ٩)

وقال ابن كثير: "ومن قال: إنها ليلة النصف من شعبان -كما روي عن عكرمة-؛ فقد أبعد النجعة؛ فإن نص القرآن، أنها في رمضان.
والحديث الذي رواه عبد الله بن صالح، عن الليث، عن عقيل عن الزهري أخبرني عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتى إن الرجل لينكح ويولد له، وقد أخرج اسمه في الموتى)؛ فهو حديث مرسل، ومثله لا يعارض به النصوص".
(تفسير القرآن العظيم: ٧/ ٢٤٦)

"ثم إن هؤلاء القائلين بهذا القول.. زعموا: أن ليلة النصف من شعبان، لها أربعة أسماء: الليلة المباركة، وليلة البراءة، وليلة الصك، وليلة الرحمة".
(مفاتيح الغيب: ٢٧/ ٦٥٣)

وأما قيامها:
فقد استحب بعض العلماء والفقهاء.. قيام هذه الليلة؛ لتعرُّض المؤمن إلى رحمة الله تعالى ومغفرته.

وقد سئل شيخ الإسلام، عن صلاة نصف شعبان؟
فأجاب: "إذا صلى الإنسان ليلة النصف وحده، أو في جماعة خاصة، كما كان يفعل طوائف من السلف، فهو أحسن.
وأما الاجتماع في المساجد على صلاة مقدّرة، كالاجتماع على مائة ركعة، بقراءة ألف: "قل هو الله أحد"، دائماً.. فهذا بدعة، لم يستحبها أحد من الأئمة، والله أعلم".
(مجموع الفتاوى: ٢٣/ ١٣١)

وقال شيخ الإسلام أيضاً: "ومن هذا الباب: ليلة النصف من شعبان، فقد روي في فضلها من الأحاديث المرفوعة والآثار- ما يقتضي أنها ليلة مفضلة، وأن من السلف من كان يخصها بالصلاة فيها".
(اقتضاء الصراط المستقيم: ٢/ ٢٣٦).

وقال الشيخ الألباني: "أما إحياء الإنسان، لهذه الليلة وحده بالعبادة المطلقة، في جملة ما تيسر له إحياؤه من ليال؛ رجاء أن يكون لها في استجابة الدعاء، وقبول العبادة.. المزية التي وردت في أحاديث فضلها؛ فليس فيه من بأس.
وهذه الأحاديث.. تكفي داعياً للإقبال فيها على العبادة، وتنفي أن يكون قيام الرجل فيها -بشيء من العبادة المطلقة عن التقييد بعدد معين، أو هيئة مخصوصة-.. بدعة، وإن لم تبلغ هذه الأحاديث درجة الصحيح.
وعلى هذا.. ليس على المسلم من حرج في إحياء هذه الليلة، منفرداً مع ربه -بمختلف أنواع العبادة- من صلاة، وذكر، وقراءة قرآن، ودعاء الأدعية المأثورة الصحيحة -؛ فإن ذلك أرجى للقبول".
(رسالة فيما قرره الثقات الأثبات في ليلة النصف من شعبان: ٦٤) لجماعة من علماء الأزهر، خرج أحاديثها: الشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني. 

قلت: وهذا يدخل في الفضل العام، لا خصّها بصلاة مخصوصة، وكيفية مخصوصة، وإنما المقصود: أن يكون الإنسان أقرب إلى الله تعالى، في تجلِّيه تبارك وتقدس، في تلك الليلة، وخير حال تصادفه، وهو في صلاة؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد، فأكثروا الدعاء).
أخرجه مسلم.

وقد علمت؛ أنه قد صلاها طوائف من السلف -كما تقدم آنفاً، عن شيخ الإسلام-.

وإنْ ترك الإنسان قيامها؛ ذرء استحباب شيئ، لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ فله ذلك، لكن دون إنكار على غيره، ولا تبديع أو هجر وتفسيق.
والله أعلم.

وأما ما يفعله كثير من المسلمين، من إحداث صلاة فيها، بعدد مخصوص، وقراءة مخصوصة؛ فهو بدعة محدثة.

يقول النووي: "الصلاة المعروفة، بصلاة الرغائب، وهي: ثنتا عشرة ركعة، تصلى بين المغرب والعشاء، ليلة أول جمعة في رجب، وصلاة ليلة نصف شعبان، مائة ركعة، وهاتان الصلاتان بدعتان، ومنكران قبيحتان، ولا يغتر بذكرهما في كتاب (قوت القلوب) و(إحياء علوم الدين) ولا بالحديث المذكور فيهما، فإن كل ذلك باطل، ولا يغتر ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمة، فصنف ورقات في استحبابهما؛ فإنه غالط في ذلك.
وقد صنف الشيخ الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي، كتاباً نفيساً في إبطالهما، فأحسن فيه وأجاد -رحمه الله-".
(المجموع: ٣/ ٥٤٨)

قلت: والحديث الذي أشار إليه النووي -رحمه الله- هو ما يروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (من صلى في هذه الليلة، خمس عشرة من شعبان؛ مائة ركعة؛ أرسل الله إليه مائة ملك، ثلاثون يبشرونه بالجنة، وثلاثون يؤمِّنونه من عذاب النار، وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا، وعشرة يدفعون عنه مكائد الشيطان).
رواه الإمام أبو الفضل محمد بن ناصر السلامي في كتاب "فضائل شعبان".
ينظر: (تخريج أحاديث الكشاف: ٣/ ٢٦١) للزيلعي.

وهو حديث باطل موضوع، كما قال الإمام النووي -رحمه الله- قبلاً.

ولم يثبت في تخصيص هذه الليلة.. صلاة معينة، أو دعاء معيناً، في شيء من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من أصحابه الكرام رضي الله عنهم.

وأول ظهور ذلك: كان من بعض التابعين.

قال ابن رجب: "وليلة النصف من شعبان، كان التابعون من أهل الشام، كـ خالد بن معدان، ومكحول، ولقمان بن عامر وغيرهم.. يعظمونها ويجتهدون فيها في العبادة، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها.
وقد قيل: أنه بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية، فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان، اختلف الناس في ذلك، فمنهم: من قبله منهم ووافقهم على تعظيمها، منهم: طائفة من عباد أهل البصرة وغيرهم، وأنكر ذلك أكثر علماء الحجاز، منهم: عطاء، وابن أبي مليكة، ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم، وقالوا: ذلك كله بدعة".
(لطائف المعارف: ١٣٧)

وقال ابن تيمية: "وأما ليلة النصف من شعبان؛ ففيها فضل، وكان في السلف من يصلي فيها، لكن الاجتماع فيها لإحيائها في المساجد.. بدعة".
(الفتاوى الكبرى: ٤/ ٤٢٨)

وأما صيام يومها:
ففيه تفصيل وبيان: فإن صِيم، على أنه يوم من أيام البيض الثلاثة، وهي: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، وليس منفرداً عنها؛ فحسن؛ للفضل العام الوارد في أيام البيض.

وإن صيم، على أنه يوم النصف من شعبان؛ فلا؛ لأن حديث الصيام المخصص له؛ حديث موضوع، فلا يصلح الاحتجاج به، والبناء عليه.

قلت: والحديث، هو ما جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (إذا كان ليلة النصف من شعبان؛ فقوموا ليلتها، وصوموا يومها، فإن الله تبارك وتعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا، فيقول: ألا من مستغفر فأغفر له، ألا من مسترزق فأرزقه، ألا من مبتلٍ فأعافيه، ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر).
رواه ابن ماجه، وفي سنده أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة القرشي العامري، رموه بالوضع.

ينظر: (الكاشف: ٢/ ٤١١)، و (ميزان الاعتدال)، و (تخريج الإحياء: ١ /١٦٤)، و (تذكرة الموضوعات: ١ /٣١٢)، و(ضعيف ابن ماجة، برقم: ٢٩٤)، و (السلسلة الضعيفة، برقم:٢١٣٢) و (مشكاة المصابيح، برقم: ١٣٠٨)، و (ضعيف الترغيب، برقم: ٦٢٣).

وللفائدة، فقد وقفت على أجزاء ورسائل، في فضل شعبان، منها:

- جزء (فضائل شعبان) وهو جزء حديثي، للحافظ أبي محمد عبد العزيز بن الأخضر، تـ٦١١.

- (فضائل شعبان)، للإمام أبي الفضل محمد بن ناصر السلامي، تـ٥٥٠.

- ما وضح واستبان في فضائل شهر شعبان، للإمام أبي الخطاب عمر بن حسن الأندلسي الشهير بابن دحية الكلبي، تـ٦٣٣.

- الكفاية في الرد على من أنكر صلاتي رجب وشعبان، للإمام أبي القاسم بن أحمد بن إبراهيم ابن مطير اليمني التهامي، تـ٨٤٤.

- مختصر في فضل ليلة النصف من شهر شعبان، للشيخ محمد أبو السرور البكري الصديقي، تـ١٠٠٧، وهي من كتاب (النبذة) لجده الشيخ أبي الحسن وشرحه، وسماه: (فيض المنان بشرح مختصر نبذة ليلة النصف من شعبان).
ينظر: (نتائج السفر: ١/ ٦١).

- نصيحة أهل الإيمان في فضل ليلة النصف من شعبان، للشيخ رجب بن محمد العمراني، فرغ منها، سنة ١١١٩.

ولا أدري، ما الذي ذكروه في مصنفاتهم، أو أثبتوه في مؤلفاتهم؟

فإن كان استحباب صلاة أو صيام.. فقد تقدم معك كلام الإمام النووي، في (المجموع: ٣/ ٥٤٨): "ولا يغتر ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمة، فصنف ورقات في استحبابهما؛ فإنه غالط في ذلك".

وقبل أن أختم: أدعو نفسي، وبني جنسي؛ أن نمحو ونزيل، ونغفر ونغسل- ما علق بقلوبنا من أدران وأضغان، وشحناء وبغضاء، وتهاجر وتدابر؛ حتى تدركنا مغفرة الله تعالى في هذه الليلة الفضيلة، بل وفي جميع الليالي والأيام.

وهذا هو الواجب على المسلمين.. أن يكونوا "رحماء بينهم" فلا غل ولا حقد، ولا كراهية ولا حسد، بل "أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين".

وهذا سبيل النصر والتمكين: التوحيد والتوحّد، وعدم الاختلاف والتنازع: "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين".

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً *** وإذا انفردن تكسرت آحادا

هذا ما تطلّب تحريره وتحبيره وتقريره؛ بياناً للعالَمين، وتذكرة وتبصرة للعالِمين.

والله أعلى وأولى، وأعلم وأحكم، وأجمل وأكمل.


وكتب: وليد بن عبده الوصابي.

ليلة النصف من شعبان، لعام ١٤٣٧
١٤٤١/٨/١١