الأحد، 28 فبراير 2021

لا لا، الجَنّة!

 لا لا، الجَنّة!


دخل في وقت متأخر من الليل، منهك الجسد، خائر القوى، يحمل بيده طعام العشاء..


سلّم، ثم دعانا لعشائه القليل!


شكرته واعتذرت، ثم دعوت له، قائلاً: أشبع الله بطنك، وملأ كفك!


فقاطعني -بلهجته الصنعانية المحببة-: لا لا، الجنّة، أما الدنيا، فلا نهاية لها، كلما حصلت شيئاً، طلبت آخر!


تعجبت من علو همته، ونأيه عن المتعة المؤقته!

وقد كان قبل ليال، شكا لي: ضيقته، وأليم الغربة!


ثم تساءلت، فقلت: أي مال حصل عليه هذا المغترب، وأي متعة أدركها هذا المحترب؟!


وإن غيره، ممن مَلك الدور، والتذ بالقصور.. هو في طلب دائم، للمزيد والازدياد، بل ربما، لم يبال، أمِن حلال كان، أم من حرام!


ثم أدركت، أن السر وراء هذا.. هي القناعة، وفطم النفس، والرضا بالقليل:

إذا ما كنت ذا قلب قنوع *** فأنت ومالك الدنيا، سواءُ


اللهم ارزقنا، وقنعنا، بما آتيتنا، وبارك لنا، فيما أعطيتنا "وأنت خير الرازقين".


وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي.

١٤٤٢/٧/١٦

السبت، 27 فبراير 2021

زيف علاقة ما قبل الزواج!

 زيف علاقة ما قبل الزواج!


يقولون: اطلبوا التعارف قبل الزواج!

قلت لهم: صدقتم، ولكن: التعرف على أسرتها وعاداتهم وطبائعهم..


أما التعارف مع من ستخطبها؛ فطريق وعر مشوك، ونهايته: فشل وألم وشكوك.


وهذا كلام العقلاء المجرّبين، فلا تجربوا طريقاً مسدوداً مردوما؛ لأنه ندم، سترجع من آخر الطريق دون حياز ما أردت.


ولا أحصي القصص التي قرأتها، لكبار الأدباء في موضوع الزواج، الذي يبنى على الحب، ونهايتها: الشقاق والفراق.


ومن روائع المنفلوطي: "قلتم لها: إن الحب أساس الزواج، فما زالت تقلب عينيها في وجوه الرجال، مصعدة مصوبة، حتى شغلها الحب عن الزواج، فعنيت به عنه!


قلتم لها: لا بد لك أن تختاري زوجك بنفسك حتى لا يخدعك أهلك عن سعادة مستقبلك، فاختارت لنفسها أسوأ مما اختار لها أهلها، فلم يزد عمر سعادتها على يوم وليلة، ثم الشقاء الطويل بعد ذلك، والعذاب الأليم!


قلتم لها: نحن لا نتزوج من النساء إلا من نحبها ونرضاها، ويلائم ذوقُها ذوقَنا، وشعورُها شعورَنا، فرأت أن لا بد لها أن تعرف مواقع أهوائكم، ومباهج أنظاركم، لتتجمل لكم بما تحبون، فراجعت فهرس حياتكم، صفحة صفحة، فلم ترَ فيه غير أسماء الخليعات المستهترات، والضاحكات اللاعبات، والإعجاب بهن، والثناء على ذكائهن وفطنتهن، فتخلعت، واستهترت لتبلغ رضاكم، وتنزل عند محبتكم، ثم مشت إليكم بهذا الثوب الرقيق الشفاف، تعرض نفسها عليكم عرضاً، كما تُعرض الأمَة في سوق الرقيق ، فأعرضتم عنها ونَبَوتُم بها، وقلتم لها: إنا لا نتزوج النساء العاهرات، كأنكم لا تبالون أن يكون نساء الأمة جميعاً ساقطات، إذا سلمت لكم نساؤكم، فرجعت أدراجها خائبة منكسرة، وقد أباها الخليع، وترفع عنها المحتشم، فلم تجد بين يديها غير باب السقوط فسقطت"!


والعجيب، أن هؤلاء العوجى.. يستدلون بحديث (ما رأيت للمتحابين مثل الزواج)!

والحقيقة: أنهم أتوا أمراً كبارا، وجاؤوا بمنكر من الفهم وزورا، ولا يخفى سقطهم، إلا على الرعاع المساكين، الذين لا يفرقون بين التمرة والجمرة، فاللهم مسكنا بالإسلام، حتى نلقاك به.


ومعنى الحديث باختصار (وإلا، فقد أشبعته بحثاً في مقال، بعنوان: "شَعْبُ الزجاج في توجيه حديث: لم يُرَ للمتحابَِّين مثل الزواج" فليراجع ثَم): إذا أحب رجل امرأة؛ عن طريق رؤيتها مصادفة، أو سماعه عنها، أو وصفها؛ فعلاجه ودواؤه: أن يتزوجها، وليأت البيت من بابه، لا أن يخبرها، أو يهاتفها، أو يراسلها؛ لأن بعدها: مقابلة ومغازلة، وبعدها: أمور تعرفونها!


ومن تأمل قوله تعالى: "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة".. رأى أن التواد والتحاب، مشروط بالزواج، لا قبله، فمتى حصل النكاح المشروع؛ حصلت المودة والمحبة والرحمة. 

وفي الآية إشارة، إلى أن الحب قبل الزواج؛ حب زائف حائف جائف، بل يكون سبباً لاهتراء الأواصر، واجتراء العواصر. 


فيا أخي ويا أختي: أرجوكَ وأرجوكِ.. عودوا قبل السفر الطويل المتعب الملهب .. ارجعوا قبل الخسارة المؤكدة .. قبل العمارة المنهارة.

اللهم اشهد.


ولي في هذا السقط والسقوط.. مقالات تحذيرية -يسرها الميسر-.


وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي.

١٤٣٨/٥/٣٠

١٤٤٢/٧/١٥

السبت، 20 فبراير 2021

الفرع والوفيرة في حكم الفرع والعتيرة!

 الفرع والوفيرة في حكم الفرع والعتيرة!


بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه.

وبعد:


فإن الذبح.. عبادة بدنية مالية، لا تشرع إلا بدليل؛ لأن الأصل في العبادات، التوقف.


والذبائح، أنواع كثيرة، منها: ذبيحة الفرع والعتيرة، وتطلق على شاة، كانوا يذبحونها، في العشر الأُول من رجب.


وتطلق أيضاً: على الذبيحة التي كانوا يذبحونها لأصنامهم، ثم يصبّون دمها على رأسها.


وقد اختلف الفقهاء، في حكمها، على أقوال، ملخصها، ثلاثة أقوال:


الأول: الكراهة؛ وهو قول المالكية، وقول لبعض الشافعية، والحنابلة؛ وحجتهم: أن العتيرة، منسوخة.


واستدلوا، بحديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (لا فرع ولا عتيرة).

رواه البخاري.


وجزم الشيخ محمد ابن إبراهيم آل الشيخ، في (فتاويه: ٦/ ١٦٥) بتحريم العتيرة، وقال: "قوله صلى الله عليه وسلم: (لا فرع ولا عتيرة) فيما أفهم الآن، أنه: أقرب إلى التحريم".



الثاني: الاستحباب؛ وهو قول لبعض الشافعية، والحنابلة.


واستدلوا، بعدة أحاديث، منها:

عن مخنف بن سليم الغامدي رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال بعرفات: (يا أيها الناس، على كل أهل بيت، في كل عام أضحية وعتيرة.. هل تدرون ما العتيرة؟ هي التي تسمونها: الرجبية).

رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة، والبيهقي، وحسنه الألباني في (صحيح أبي داود).


وعن نبيشة، أنهم قالوا: يا رسول الله: إنا كنا نعتر في الجاهلية، يعني في رجب؟ قال: اذبحوا لله، في أي شهر كان، وبرّوا لله، وأطعموا).

رواه النسائي.


وعن الحارث بن عمرو، أن النبي صلى الله عليه وسلم، سئل عن الفرع والعتائر؟ فقال: من شاء فرع، ومن شاء لم يفرع، ومن شاء عتر، ومن شاء لم يعتر).

رواه النسائي، وضعفه الألباني، في (ضعيف النسائي)


وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم، سئل عن العتيرة؟ فقال: العتيرة حق).

رواه أحمد، والنسائي، وحسنه الألباني، في (صحيح الجامع: ٤١٢٢)



وهو قول ابن سيرين وغيره من العلماء.


قال ابن رجب: "وحكاه الإمام أحمد، عن أهل البصرة، ورجحه طائفة من أهل الحديث المتأخرين، ونقل حنبل عن أحمد نحوه".

(لطائف المعارف: ١١٧).


وقال ابن رجب أيضاً: "وهؤلاء جمعوا بين هذه الأحاديث، وبين حديث أبي هريرة (لا فَرَع ولا عتيرة) بأن المنهي عنه هو: ما كان يفعله أهل الجاهلية من الذبح لغير الله، وحمله سفيان بن عيينة على أن المراد به نفي الوجوب.

(اللطائف: ١١٨).



قال ابن حجر: "واستنبط الشافعي، منه: الجواز؛ إذا كان الذبح لله، جمعاً بينه وبين حديث (الفَرَع حق)؛ وهو حديث أخرجه أبو داود، والنسائي، والحاكم، من رواية داود بن قيس عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبدالله بن عمرو.


وقال الشافعي -فيما نقله البيهقي من طريق المزني عنه-: الفَرَع شيء كان أهل الجاهلية يذبحونه، يطلبون به البركة في أموالهم، فكان أحدهم يذبح بكر ناقته أو شاته؛ رجاء البركة فيما يأتي بعده، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم، عن حكمها، فأعلمهم أنه لا كراهة عليهم فيه، وأمرهم استحباباً، أن يتركوه حتى يحمل عليه في سبيل الله.


وقال النووي: نص الشافعي، على أن الفرَع والعتيرة.. مستحبان.


وقال أيضاً: الصحيح، عند أصحابنا: استحباب الفرَع والعتيرة".

ينظر: (فتح الباري: ٩/ ٥٩٦) بتصرف.



الثالث: الإباحة، وهو قول وسط، بين التحريم والاستحباب؛ جمعاً بين الأدلة.

قال ابن حجر: "وقوله (حق)؛ أي: ليس بباطل، وهو كلام خرج على جواب السائل، ولا مخالفة بينه وبين الحديث الآخر: (لا فَرَع ولا عتيرة)؛ فإن معناه لا فرَع واجب، ولا عتيرة واجبة، وقال غيره: معنى قوله: (لا فرَع ولا عتيرة)؛ أي: ليسا في تأكد الاستحباب كالأضحية؛ والأوَّل، أولى".

(فتح الباري: ٩/ ٥٩٦)


وأورد المجد ابن تيمية، في (المنتقى) عدة أحاديث، في مشروعية العتيرة، فقال الشوكاني، في (نيل الأوطار: ٥/ ١٦٦): "وقد اختلف في الجمع بين الأحاديث المذكورة، والأحاديث الآتية، القاضية بالمنع من الفرَع والعتيرة، فقيل: إنه يجمع بينها، بحمل هذه الأحاديث على الندب، وحمل الأحاديث الآتية على عدم الوجوب ذكر ذلك جماعة؛ منهم: الشافعي، والبيهقي وغيرهما، فيكون المراد بقوله: (لا فَرَع ولا عتيرة)؛ أي: لا فرع واجب، ولا عتيرة واجبة".


وقال ابن قدامة: "فإذا ثبت هذا.. فإن المراد بالخبر؛ نفي كونها سنة، لا تحريم فعلها، ولا كراهته، فلو ذبح إنسان ذبيحة في رجب، أو ذبح ولد الناقة لحاجته إلى ذلك، أو للصدقة به، أو إطعامه.. لم يكن ذلك مكروهاً".

(المغني: ٩/ ٤٦٥)


وقال النووي: "فأما تفريق اللحم، على المساكين.. فبر وصدقة، وقد نص الشافعي، أنها: إن تيسرت كل شهر، كان حسناً".

ينظر: (شرح مسلم: ١٣/ ١٣٧) و(المجموع: ٨/ ٤٤٦) و(روضة الطالبين: ٣/ ٢٣٣)



وقال الألباني: "هذا، وقد أفادت هذه الأحاديث.. مشروعية الفرَع؛ وهو الذبح أول النتاج، أن يكون لله تعالى، ومشروعية الذبح في رجب وغيره، بدون تمييز وتخصيص لرجب على ما سواه من الأشهر، فلا تعارض بينها وبين الحديث المتقدم (لا فَرع ولا عتيرة)؛ لأنه إنما أبطل صلى الله عليه وسلم، به الفرع، الذي كان أهل الجاهلية يذبحونه لأصنامهم، والعتيرة -وهى الذبيحة- التي يخصون بها رجباً، والله أعلم).

(إرواء الغليل: ٤/ ٤١٣)


وأجازها شيخنا العلامة مقبل الوادعي، بتصحيحه حديث نبيشة، قال: "هذا حديث صحيح، على شرط الشيخين".

(الجامع الصحيح: ٤/ ٢١٤).


وأجاز الشيخ العثيمين: الفرع، وكره العتيرة.

(الشرح الممتع: ٧/ ٣٢٥)


وأجابوا عن حديث: (لا فرَع ولا عتيرة).. بثلاثة أجوبة:


أحدها: أن المراد، نفي الوجوب.


الثاني: أن المراد، نفي ما كانوا يذبحونه لأصنامهم.


الثالث: أن المراد، أنهما ليسا كالأضحية، في الاستحباب، أو ثواب إراقة الدم.


وأجابوا عن دعوى النسخ.. بأنها غير مسلّمة، ولا يقال بالنسخ هنا؛ لرواية الحارث بن عمرو -والذي فيه الأمر بالعتيرة- وكان ذلك في حجة الوداع، وهي بعد إسلام أبي هريرة، كما هو معلوم.


وكذلك الأحاديث، الدالة على النهي عن العتيرة، ليس فيها بيان زمن وقوع النهي بالنسخ؛ فلا يصار إليه.


ثم إنه، يمكن الجمع بين القولين؛ بأن تحمل أحاديث النهي، على من قصد الذبح للصنم، أو الذبح لغير الله تعالى، والأحاديث الأخرى، على الأصل والجواز، ومن قرأ أقر.



والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.



وكتب: أبو نعيم وليد بن عبده الوصابي.

١٤٣٦/٧/٨

١٤٣٨/٧/٣

١٤٤٢/٧/٧


الجمعة، 19 فبراير 2021

رحيل أحد أكابر علماء الأتراك!

رحيل أحد أكابر علماء الأتراك!

#وفاة_علم


توفي اليوم، مساء الجمعة ١٤٤٢/٧/٧، مجيزنا، الشيخ العلامة، والمجاهد الزاهد، والمنور المعمر: محمد أمين سراج التوقادي التركي.


المدرس في مسجد السلطان محمد الفاتح.


كان عالماً عاملاً، درس على أكابر علماء عصره، في أنحاء المعمورة، من عرب وعجم، حتى عجم عوده، فكثر رواده، وأخذ عنه ثلة من أهل العلم وطالبيه، بين دارس ومستجيز.


وقد كان مولده، عام ١٩٣١م، في توقاد، ودأب على الطلب في صغره، عند والده، في خفية عن الحزب الكافر، حتى أسر والده، فواصل تعليمه، حتى تخرج على يد علماء الزمان.


رحمه الله رحمة الأبرار، وأسكنه جنات تجري تحتها الأنهار.


وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي.

١٤٤٢/٧/٧

الأربعاء، 17 فبراير 2021

شناعة أقوال وبشاعة أفعال!



شناعة أقوال وبشاعة أفعال!

قرأت حكاية عن ابن أبي الزناد.
وهي كما وجدتها:
قال ابن أبي الزناد، لعمه: ماذا أصنع عند الجماع؟
قال: يا بني: إذا خلوت، فاصنع ما أحببت.
قال: يا عم، أنت ماذا تصنع؟ قال: يا بني، لو رأيت عمك يجامع، لظننت أنه لا يؤمن بالله العظيم!

قلت: عندما قرأتها، استغربتها واستعجبتها، واستشنعتها واستبشعتها، فلما رجعت إلى مرجعها، لم أجد -حسب بحثي-، من ذكرها، غير الجاحظ، في كتابه (تفاخر السودان والبيضان) وفيه من الفحش ما ينأى عنه السمع، وينبو الطبع.
على أنه قال -بعد الحكاية-: (وهذان من ألفاظ المجان)!

قلت: وابن أبي الزناد، هو الإمام عبد الرحمن بن أبي الزناد، من سلسلة إسناد البخاري، فيبعد أن يسأل ذلك، أو يتظرف بما هنالك.

وإن كان، فلا يكون ذيوع هذا على العام والعامة.
وإذا كان من عقل الرجل أن يخفي بعض الحديث في الدين والعلم، فكيف بإفشاء مثل هذا التمجن والتجنن!

وفي صحيح البخاري، عن علي موقوفاً: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذّب الله ورسوله؟!

ونحوه في مقدمة صحيح مسلم، عن ابن مسعود قال: ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة.

وكان ابن عباس.. يخفي أشياء من حديثه، ويفشيها إلى أهل العلم.

وعن علي: خالق الفاجر مخالقة، وخالص المؤمن مخالصة، ودينك لا تسلمه لأحد.

وعلى كل: من أتانا بالسند الصحيح المتصل إليه، وإلا فلا يحل رواية مثل هذا.

وإذا وجدنا السند الصحيح المتصل.. فما لنا ولمثل هذه الروايات، وهاته الأقوال، وتلك الأفعال.. مالك ولها، دعها وشانها، وخلها وحالها، قالها رجل لا نبي، وماذا تفيدنا، وما الذي ترفدنا؟!

إن الإنسان، ليس بمعصوم، وهو من الغغلة والسهو بمكان.. أفنتبعه في كل سقطة، ونتتبعه على كل ساقطة؟!

أما وجدنا في حكاية ألفاظ العفاف والعفائف.. كفاية، حتى نتمجن ونتماجن؟!

أفليس التحرز عن هذه الأقوال، أهدى طريقا، وأقوم سبيلا، مع جلال قدر قائليها؟!

ودائماً دائماً.. تجد -إذا أمعنت وأنعمت-؛ أن هذه الأقوال، مدخولة أو منحولة؛ لأمور:
-إما أنهم تحدثوا بها عن حال معينة، وفي زمن معين.
-أو أنهم تحدثوا بها سراً لبعضهم، على وجه الهزل والتندر.
-أو أنها لا تصح إليهم؛ لضعف السند، أو نكارة المتن.

والعجيب، أنا نجد في كتب المصطلح: (نكارة المتن وإن صح السند) ولكن، كأن بعضهم، يعني بذلك، نكارة متن الحديث المرفوع فقط، لا الموقوف والمقطوع!
فاعجب.

‏ولله در شيخ الإسلام ابن تيمية؛ حين نبه على هذا، بقوله: "والمنقول عن السلف والعلماء، يحتاج إلى معرفة بثبوت لفظه، ومعرفة دلالته، كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله".
(مجموع الفتاوى: ١/ ٢٤٦)

وعلى كل، فمثل هذه الأقوال، أو الأفعال؛ لا يصلح حكايتها أمام الأحداث أو العوام؛ لأنها لا تخلو من حالين: إما وضع اللائمة على العلماء والأئمة، ونزع الثقة منهم. وإما النيل من الدين، والخوض مع المبطلين، وربما يكون هذا طريقاً إلى الزيغ والضلال.
نسأل الله السلامة والعافية.

ثم إن كثيراً، مما يورده الجم من أهل الأدب والتاريخ، كـ (الأغاني) و(المستطرف)، و(العقد)، و(محاضرات الأدباء)، و(رسائل الجاحظ)، و(الدارات) ونحوها.
فيها كل فظيع مستفظع، وكل قبيح مستبشع.
وليس هي كتب رواية واستقصاء، إنما كتب أدب ومسامرة، فلا يؤخذ منها التاريخ الصحيح، أو الرواية الوثيقة -كما فعل بعض الحنق-!
فلننأ عن ذاك، وفقني الله وإياك.

وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي.
١٤٤٠/٥/٩


رحيل أحد علماء التهائم!

 رحيل أحد علماء التهائم!

#وفاة_علم


توفي اليوم، السيد العلامة المسند: أحمد بن عبد العزيز القديمي، عن عمر جاوز التسعين، قضاها في خدمة العلم والتدريس والفتيا.

 

وقد زرته قبل أسبوع، واستجزته لي ولكثير من أصحابي.

وعندما زرته، وسألته عن عمره، فقال: يزيد على التسعين.


ولا زالت في يده أوراق يراجعها؛ ليفتي أصحابها، وقد قال لي: زرني مرة أخرى!

ولكن: فاجأه الموت -والله المستعان-.

رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه جنات شاسعة.


وهو أحد أصحاب الأسانيد اليمانية التهامية العالية، الذين يبذلونها للآخرين، دون لأي أو أثرة، مع تنكر البعض لهم، فالله مجازيهم، ولهؤلاء حسيب.


وقد اتصلت الآن على ابنه محمد عبد العزيز، معزياً له ولإخوته وأخواته وذويه، فأخبرني: أنه توفي الساعة الخامسة من عصر هذا اليوم، في مشفى الأمل، بالحديدة.


وأخبرني أنه كان مريضاً، منذ زيارتي له، ولكنه كان ينظر في الفتاوي والأوراق، دون كلل أو ملل أو ضجر!

إنا لله وإنا إليه راجعون،،


وكتب: وليد بن عبده الوصابي،،

١٤٣٧/٥/٨

الاثنين، 15 فبراير 2021

بابا: تقدر ترسل لي فلوس.. عشان أشتري جزمة!

 بابا: تقدر ترسل لي فلوس.. عشان أشتري جزمة!


هذه رسالة، من صبية صغيرة، كما هي، بلا تزويق أو تسويق، أرسلَتها إلى والدها، في ديار الغربة البئيسة!


أراني إياها، والدها، ويكاد الدمع ينحجر في محجره ويتحجر، ويخلولق الدم في جسده أن ينفجر ويتفجر!


أرانيها -ولم أكن صديقه، وإنما هي موافقة ومصادفة-؛ لأشاركه همه وغمه، ولا يبغي مني ديناراً ولا درهما، إنما يبغي الاستدلال لي: أن الغربة، خلبة ونهبة، (وقد يستدل بالمثال، إذا عدم الدليل، أو أعوز الاستدلال)!


آه، أبا أحمد، ليتك، لم ترني ما أريتني.. ليس تبرماً أو تورماً، ولكن رسالة فلذتك، قد آذتني -والله- وأنكتني.


بكيت براءتها، وخفة ظلها، وحسن أدبها، وجمال لفظها. (وما أبرأ الصغار، في كل ما يقولون ويفعلون!)


أحزنتني رسالتها: الصغيرة الكبيرة، في آن واحد!

صغيرة، في صِغر طلبها.

وكبيرة، في تعليق الإرسال، على قدرة والدها!


وقد وقفت عند هذا التعليق.. أنظره .. أتأمله .. أتفحصه.. فلم أخرج إلا بحَزن وشجن، وأسى وقسى، وسرح وترح، ولكن "لله الأمر من قبل ومن بعد".


ثم وردت بخَلدي، ودارت بفكري.. أسئلة كثيرة:


-كيف لهذه البنية.. أن تمشي بين لِداتها، بنعل مهترئة، بل منقطعة؟!


-كيف لهذه الصبية.. أن تقدم عقلها، على عاطفتها، وقد عجزت ذلك، كبار النساء وكبرياتهن؟!


-لماذا لم تخبر أمها، بانقطاع نعلها؟!


-لماذا طلبت الإرسال لنفسها، في كلمة "لي"؟!


-لماذا لم تطلب قبلاً، نعلاً ثانية، قبل انقطاع فردتها، -كما هو شأن الكثيرات؟!


-هل هناك صغيرة غيرها، تطلب ما طلبت، أو تعاني مما عانت؟!


-هل أدرك صبيات غيرها، بعِظم هذا الطلب؟!


-هل توقع بنيات غيرها، زوال النعم، التي يغتدون فيها ويروحون؟!


-ما هو حالها، وقد عجز والدها، عن شراء نعلها؟!


-ماذا لو علمت تريباتها، برسالتها هذه؟!


أسئلة كثيرة، لا أطرحها على ضيفي، بل أطرحها على نفسي، وعلى من شاء من بني جنسي.. علّ فيها عظة واعتباراً، ونبهة واذكاراً.


وأختم، دون ختْم أو ختام، فماذا عساي أن أختم، وقد خُتم على القلوب، واختُتمت الدروب-.


وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي.

١٤٤٢/٧/٣