السبت، 16 مايو 2020

إحراز الأجر بتنويع الأعمال الصالحة في ليلة القدر!



إحراز الأجر بتنويع الأعمال الصالحة في ليلة القدر!

سمعت أمس، مقطعاً صوتياً قصيراً، لفضيلة الشيخ صالح العصيمي.. يذكر فيه: أن العمل في ليلة القدر، خاص بالصلاة، وقراءة القرآن، والدعاء، لا مطلق العمل.
واستدل لذلك، بقوله صلى الله عليه وسلم: (من قام ليلة القدر؛ غفر له ما تقدم من ذنبه).

وقال: من يستحسن التنويع في العمل، كالبر والصدقة والصلة.. فقد غلط في فهم المراد الشرعي منها، لأن هذه الأعمال غير مرادة فيها، وهو معنىً حادث، لا يعرف عن السلف -رحمهم الله-!


أقول -وبالله التوفيق، ومنه التحقيق-: عراني الدهش، ولازمني العجب، عند سماعي هذا الكلام؛ إذ فيه تضييق واسعِ العبادة على الناس، وتغليط من نوّع العمل، وتحديث معنى التنويع، وأنه لا يعرف عن السلف!

لكني، رجعت إلى كتب أهل العلم وفتاويهم؛ فكان هذا المزبور:
أولاً: استدل الشيخ على الخصوصية، بقوله صلى الله عليه وسلم: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً؛ غفر له ما تقدم من ذنبه) ووجه الدلالة عنده: أنه صلى الله عليه وسلم، خص ليلة القدر، بالقيام، فهي خاصة بها، ولازمة لها!

وهذا -في الحقيقة- فهم عجيب؛ إذ أنه صلى الله عليه وسلم، ذكر في هذه الليلة، أشرف ما فيها، وهي الصلاة، ولم يمنع من غيرها، بل لم يعدد سواها.
ثم، إن هذا لا يصلح دليلاً للحصر والخصوصية؛ لأن أجر القيام في الحديث، هو غفران ما تقدم من الذنوب، وهو زائد على ما جاء في خيرية هذه الليلة- بألف شهر، على ما سواها.
فلا يصح تخصيص الحديث للآية؛ لأن الثواب، مختلف.
فعليه؛ يقال: ورد تخصيص القيام في الحديث؛ لشرفه وفضله، وغفران ذنوب فاعله، وتبقى فضيلة الأعمال الصالحة كلها في ليلة القدر.. أنها خير من ألف شهر.

وعلى فرض الاستدلال، بحديث (من قام ليلة القدر ...)؟
أقول: كذلك، جاء في الحديث: (من صام رمضان ...) وجاء (من قام رمضام ...) فهل العمل متوقف في رمضان على الصيام والقيام؟
فإذا قلت: جاءت نصوص أخرى على فعل أعمال أخرى، غير الصيام والقيام، في شهر رمضان!
أقول: حسناً، وما لم يرد من الأعمال، فيها نص، هل يجوز فعلها في رمضان؟
فما قلته من التعليل عن ليلة القدر، يلزمك هنا!


ثانياً: قوله: هذا معنىً حادث، لا يعرف عن السلف -رحمهم الله-!

إطلاق غريب؛ لأن المنوِّع للأعمال الصالحة، غير مطالب بدليل، على تنويعه، في هذه الليلة؛ لأنه معلوم في العموم، وذِكْر المعلوم، غير وارد في كلام السلف، إلا على سبيل الإخبار.
وعليه؛ فالذي يطالب بالدليل، هو الحاضر والمانع.

على أن، مما يصلح دليلاً عاماً على التنويع في أعمال البر، في ليلة القدر.. هي عبادة الاعتكاف، فقد كان صلى الله عليه وسلم، يعتكف العشر، وفي العشر، ليلة القدر، لا محالة.

ثم، إن الأعمال الصالحة، منها ما هو مطلق، ومنها ما هو مقيد، فالمقيد؛ هو الذي يطالب فاعله بالدليل، أما المطلق؛ فلا؛ لأنه يدخل في عموم الأدلة، التي تحث على الأعمال الصالحة في كل زمان ومكان.
لكن، من خص هذه الليلة، بأعمال معينة، وأذكار مقيدة.. فهو الذي يطالب بالدليل، لكن أن يتعبد مستكثراً من أعمال البر والقرب؛ فلا ضير ولا ثرب.

ثم إني، وجدت أثراً.. أخرجه عبد بن حميد، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: العمل في ليلة القدر، والصدقة، والصلاة، والزكاة.. أفضل من ألف شهر).
(الدر المنثور: ٨/ ٥٦٨)

قال ابن باديس: "بيّن هذا الأثر- وفي معناه آثار كثيرة- أن خيرية ليلة القدر؛ راجعة إلى تفضيل الطاعة فيها، والعمل الصالح على غيرها من الليالي والأيام".
(آثار ابن باديس: ٢/ ٣٢٣)

وأخرج ابن جرير، عن عمرو بن قيس الملائي، في قوله: "ليلة القدر خير من ألف شهر".
قال: عمل فيها، خير من عمل في ألف شهر).
(الدر المنثور: ٨/ ٥٦٨)

ولفظة (عمل) جاءت نكرة، فتفيد العموم، أي: كل عمل صالح.


ثالثاً: لا أدري، لمَ التضييق على المسلمين، في مثل هذه الفضائل والفواضل؛ فإن ليلة القدر، ليست للمصلين فقط، بل هي للنفساء والحائض، والمسافر والمقيم، والمريض والمعذور.

عن جويبر، أن الضحاك، قيل له: أرأيت النفساء والحائض والنائم والمسافر؛ هل لهم في ليلة القدر نصيب؟
قال: نعم؛ كل من تقبل الله عمله، سيعطيه نصيبه من ليلة القدر، لا يخيبه أبدا.

وقال الشافعي: "أستحب، أن يكون اجتهاده في يومها، كاجتهاده في ليلتها".
(الأذكار: ٣١٧)

وأخرج النسائي في (عمل اليوم والليلة) عن عائشة رضي الله عنها قالت: (لو علمتُ أي ليلة، ليلة القدر، لكان أكثر دعائي فيها: أن أسأل الله العفو والعافية).

قال النووي: ويُستحب أن يُكثر فيها من الدعوات، بمهمات المسلمين، فهذا شعار الصالحين، وعباد الله العارفين".
(الأذكار: ٣١٧)

بل جاء عن بعض السلف.. تفضيل بعض الدعاء على الصلاة فيها!
قال سفيان الثوري: (الدعاء في الليلة.. أحب إلي من الصلاة).


رابعاً: إن القرآن الكريم، أنزل بلسان عربي مبين، في لفظه ومعناه.. فإذا رجعنا إلى قوله تعالى: "ليلة القدر خير من ألف شهر"؛ يتبادر إلى الأذهان؛ جميع الأعمال الصالحة، دون تقييد، أو تخصيص، وهو ما عليه، علماء التنزيل، وأساطين التأويل.
فمن أين تخصيص القيام، دون ما سواه؟!

قال الطبري: "وأشبه الأقوال في ذلك، بظاهر التنزيل؛ قول من قال: عمل في ليلة القدر، خير من عمل ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر".
(تفسير الطبري: ٢٤/ ٥٣٤)

وقال البغوي: "قال المفسرون: "ليلة القدر خير من ألف شهر"، معناه: عمل صالح في ليلة القدر، خير من عمل ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر".
(معالم التنزيل: ٨/ ٤٩١)

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: دخل رمضان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن هذا الشهر، قد حضركم، وفيه ليلة، خير من ألف شهر، من حرمها، فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا محروم).
رواه ابن ماجه، وصححه الألباني.

فكيف بمن كان مريضاً، أو مسافراً، أو نائماً، أو من كانت حائضاً، أو نفساء..
وكيف حال، من لا يقوى على القيام؛ لضعف، أو كبر، أو عمل، أو مرض، أو غيرها من الأعذار؟!

هل يشملهم هذا الحرمان اللاهب؟!
اللهم، نعم، -على هذا الرأي-!

ولا مخرج لهم، إلا، أن بتنوع الأعمال الصالحة، فيعمل كل فيما يحب، دون تقييد أو تخصيص.

وقال مالك: "بلغني، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأى أعمار الناس قبله، أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمته، أن لا يبلغوا من العمل الذي بلغه غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خيراً من ألف شهر".
ينظر: (لطائف المعارف: ١٩٢)


خامساً: كل ما ورد من تخصيص أعمال صالحة في رمضان.. تشمل ليلة القدر؛ لأنها منه، وخروجها، يحتاج إلى دليل!

ومن ذلك:
رُوي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيُدارِسُه القرآن، فلَرسول الله صلى الله عليه وسلم، حين يلقاه جبريل، أجود بالخير من الريح المرسلة).
رواه البخاري.

ولذلك؛ كان من فقه الشافعي، أن قال: (أحب للرجل الزيادة بالجود في شهر رمضان؛ اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثيرٍ منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم".
(مختصر المزني: ١٥٦) وينظر: (بحر المذهب: ٣/ ٣١٢) للروياني، و(الشافي في شرح مسند الشافعي: ٣/ ٢٥١)

قال الماوردي: "وهذا كما قال. يختار للناس.. أن يكثروا من الجود والإفضال في شهر رمضان؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالسلف الصالح من بعده؛ ولأنه شهر شريف، قد اشتغل الناس فيه بصومهم عن طلب مكاسبهم، ويستحب للرجل أن يوسع فيه على عياله، ويحسن إلى ذوي أرحامه وجيرانه، لا سيما في العشر الأواخر منه، ويستحب لمن أمكنه إفطار صائم؛ أن يفطره، فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أفطر صائماً، كان له مثل أجره، من غير أن ينتقص من أجره شيئا)".
(الحاوي الكبير: ٣/ ٤٧٩)

وقال ابن القيم: "وكان من هديه -صلى الله عليه وسلم- في شهر رمضان: الإكثار من أنواع العبادات، فكان جبريل عليه السلام، يدارسه القرآن في رمضان، وكان إذا لقيه جبريل، أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، يكثر فيه الصدقة، والإحسان، وتلاوة القرآن، والصلاة، والذكر، والاعتكاف، وكان يخص رمضان من العبادة، ما لا يخص غيره به من الشهور".
(زاد المعاد: ٢/ ٣٠)

وقال ابن رجب: "وكان كثير من السلف.. يؤثر بفطوره، وهو صائم، ويصبح صائماً، منهم: عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وداوود الطائي، وعبد العزيز بن سليمان، ومالك بن دينار، وأحمد بن حنبل وغيرهم.
وكان ابن عمر.. لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين، وربما علم أن أهله قد ردوهم عنه، فلم يفطر في تلك الليلة.
ومنهم: من كان لا يأكل، إلا مع ضيف له، قال أبو السوار العدوي: كان رجال من بني عدي، يصلون في هذا المسجد، ما أفطر أحد منهم على طعام قط وحده، إن وجد من يأكل معه أكل، وإلا أخرج طعامه إلى المسجد فأكله مع الناس، وأكل الناس معه.
وكان منهم: من يطعم إخوانه الطعام وهو صائم، ويجلس يخدمهم ويروحهم، منهم: الحسن، وابن المبارك".
(اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى: ٧٨)

وقال ابن رجب أيضاً: "واعلم، أن مضاعفة الأجر للأعمال، تكون بأسباب، ... ومنها: شرف الزمان، كشهر رمضان، وعشر ذي الحجة، وفي حديث سلمان الفارسي المرفوع -الذي أشرنا إليه في فضل شهر رمضان-: (من تطوع فيه بخصلة من خصال الخير، كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة، كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه)، وفي الترمذي عن أنس: سئل النبي صلى الله عليه وسلم، أي الصدقة أفضل؟ قال: (صدقة في رمضان)، وفي الصحيحين، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عمرة في رمضان، تعدل بحجة) أو قال: (حجة معي)، وورد في حديث آخر: (أن عمل الصائم مضاعف).
وذكر أبو بكر بن أبي مريم، عن أشياخه: أنهم كانوا يقولون: إذا حضر شهر رمضان، فانبسطوا فيه بالنفقة.. فإن النفقة فيه مضاعفة، كالنفقة في سبيل الله، وتسبيحة فيه، أفضل من ألف تسبيحة في غيره.
قال النخعي: صوم يوم من رمضان، أفضل من ألف يوم، وتسبيحة فيه، أفضل من ألف تسبيحة، وركعة فيه أفضل من ألف ركعة.
فلما كان الصيام في نفسه مضاعفاً أجره، بالنسبة إلى سائر الأعمال.. كان صيام شهر رمضان، مضاعفاً على سائر الصيام؛ لشرف زمانه، وكونه هو الصوم الذي فرضه الله على عباده، وجعل صيامه أحد أركان الإسلام- التي بني الإسلام عليها".
(لطائف المعارف: ١٥١)


سادساً: إن تنويع الأعمال الصالحات، في ليلة القدر، نص عليه، من المعاصرين، الشيخ ابن باز‏‎، والشيخ الألباني..

قال -رحمه الله-: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، والمعنى: أن من قامها بالصلاة، وسائر أنواع العبادة- من قراءة، ودعاء، وصدقة وغير ذلك.. إيماناً بأن الله شرع ذلك، واحتساباً للثواب عنده، لا رياء، ولا لغرض آخر من أغراض الدنيا؛ غفر الله له ما تقدم من ذنبه".
(مجموع الفتاوى: ١٥/ ٤٣١)

‏‎وقال رحمه الله -عن قوله تعالى: "ليلة القدر خير من ألف شهر".. والمعنى: أن الصدقة فيها، والعمل الصالح.. يضاعف مضاعفة كثيرة، أفضل من العمل في ألف شهر، وهذا شيء عظيم، ينبغي على الناس الاستفادة في الإنفاق فيها، والإحسان فيها، والصلاة وغير ذلك، فإذا صنع طعاماً ليلة السابع والعشرين، أو تصدق بصدقة، أو زاد في الصلاة، كل هذا لا بأس به، يرجو أن توافق ليلة القدر.. فلا حرج في ذلك".
فتاوى نور على الدرب: ١٦/ ٤٨٨)


وقال الألباني: "ولا ينبغي تخصيص العبادات بأوقات، لم يخصها بها الشرع، بل يكون جميع أنواع البر مرسلة، في جميع الأزمان، ليس لبعضها على بعض فضل، إلا ما فضله الشرع، وخصه بنوع من العبادة، فإن كان ذلك؛ اختص بتلك الفضيلة، تلك العبادة دون غيرها، كصوم يوم عرفة، وعاشوراء، والصلاة في جوف الليل، والعمرة في رمضان.
ومن الأزمان، ما جعله الشرع مفضلاً فيه جميع أعمال البر، كعشر ذي الحجة، وليلة القدر- التي هي خير من ألف شهر، أي: العمل فيها، أفضل من العمل في ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر، فمثل ذلك: يكون أي عمل من أعمال البر، حصل فيها، كان له الفضل على نظيره في زمن آخر، فالحاصل: أن المكلف، ليس له منصب التخصيص، بل ذلك إلى الشارع، وهذه كانت صفة عبادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم".
(موسوعة الألباني في العقيدة: ٢/ ٥٠٨)


سابعاً: كيف للمتعبد.. تمييز ليلة القدر عن غيرها، والجزم بذلك، والبتّ فيما هنالك، لا سيما، قبل أفولها، وطلوع صبحها؟!
فرجعنا، إلى جعْلها- كسائر الليالي، في تنوع الأعمال الصالحة، دون زيادة أو نقصان!
فكأن الكلام في تخصيصها.. تحصيل حاصل، لا غير.


هذه نقاط، أردت بها التنويه والتنبيه، فما كان فيها من صواب؛ فمن الله وحده، وما كان فيها من شطط؛ فمني والشيطان، والحق أحق أن يتبع، وأولى أن يستمع،
والله أعلى وأعلم، وأولى وأكرم.


وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي.
١٤٤١/٩/٢٣


الخميس، 14 مايو 2020

لك الله يا يمن الإيمان والفقه والحكمة!

لك الله يا يمن الإيمان والفقه والحكمة!

إنا لله وإنا إليه راجعون.. نظرت الآن، إلى مقطعين.. تضج منهما الرحمة، وتتألم الفطرة، وتتشحط الأمانة، وتتوأد الصغيرة.. تحكي، حال بلادي، وقد سفحت بأقذار المجاري، وفاضت بأوساخ المزابل، ونافت على البلايا والرزايا!

إنه والله، السم الزعاف، والوباء المحموم، والموت الزؤوم.

أقول: لك الله يا بلاد اليمن- الأرض الطيبة المباركة، الطيب أهلها!

لا أملك، إلا أن أكرر قول المرأة، في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (أيلي أمرنا، ويغفل عنا.. بيننا وبينك الله يا عمر)!

رضي الله عن أمير المؤمنين، الذي كان يقول: (والله، لو عثرت بغلة في العراق؛ لخشيت أن يسألني الله عنها)!

لا ندري، ما نقول: وقد تعثر اليوم في اليمن.. الرجال والنساء .. تكردس الصغار والكبار .. تكربس الصلحاء والفضلاء .. تقرطس العلماء والفقهاء .. تعثروا حتى فاتوا وماتوا!

ماذا نقول، وقد ضاقت المقابر، عن قاصديها؟! ماذا نقول، وقد أقفلت المستشفيات أمام وارديها؟! ماذا نقول، وقد قعد الناس في بيوتهم، ينظرون إلى صرعاهم وهلكاهم؟!

بيننا وبينكم الله.. يا من توليتم أمرنا، وغفلتم عنا.

اللهم ولِّ علينا، من يخافك ويخشاك ويتقيك، واصرف عنا كل عتل غليظ، جعظري جواظ.

اللهم تولَ أمرنا، ولا تكلنا إلى أنفسنا، ولا إلى أحد.. طرفة عين يا رب العالمين.
"يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعالاً لما تريد.. أسألك بعزك الذي لا يرام، وبملكك الذي لا يضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك.. أن تكفينا ما أهم وأغم، وأحزن وأشجن.. يا مغيث أغثنا .. يا مغيث أغثنا .. يا مغيث أغثنا".

وكتب: وليد أبو نعيم.
١٤٤١/٩/٢٢

القول المصدَّق في حكم طلب الدعاء من المتصدَّق!


القول المصدَّق في حكم طلب الدعاء من المتصدَّق!

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، ومن والاه.
وبعد:

فإن من المسائل، التي يكثر طرقها، والكلام عنها: مسألة، طلب المتصدِّق الدعاء من المتصدق عليه.

وأردت، أن أدلي بدلوي في أبيار القامات الأطهار، وأجهد في إعمال فهمي مع أفهامهم الرصينة، وعقولهم المتينة.

فأقول -مستعيناً بالمعين-:
أولاً: يستحب للمتصدق عليه، ويندب له.. الدعاء للمتصدِّق؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من صنع إليكم معروفاً؛ فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه؛ فادعوا له- حتى تروا أنكم قد كافأتموه).
رواه أبو داود والنسائي، بإسناد صحيح.

قال الموفق ابن قدامة: "وإن أعطاه صدقته؛ استحب أن يدعو له، لقول الله تعالى: "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم"، وروى عبد الله بن أبي أوفى قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أتاه قوم بصدقتهم؛ قال: اللهم صل على آل فلان، فأتاه أبي بصدقة، فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى).
متفق عليه.

ولا يجب الدعاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يأمر سعاته بذلك. ويستحب أن يقول: آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهوراً.
ويستحب للمعطي، أن يقول: اللهم اجعلها مغنماً، ولا تجعلها مغرماً".
(الكافي في فقه الإمام أحمد: ١/ ٤٢١)

وبوّب البخاري، بقوله: (باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة) 
(صحيح البخاري: ٢/ ١٢٩)

وبوّب عليه النووي، في شرحه لصحيح مسلم، بقوله: (باب الدعاء لمن أتى بصدقة).

وقال -رحمه الله-: "ومذهبنا المشهور: ومذهب العلماء كافة: أن الدعاء لدافع الزكاة؛ سنة مستحبة، ليس بواجب.
وقال أهل الظاهر: هو واجب، وبه قال بعض أصحابنا، حكاه أبو عبد الله الحناطي -بالحاء المهملة-، واعتمدوا الأمر في الآية.
قال الجمهور: الأمر في حقنا للندب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم، بعث معاذاً وغيره؛ لأخذ الزكاة، ولم يأمرهم بالدعاء.
وقد يجيب الآخرون: بأن وجوب الدعاء، كان معلوماً لهم من الآية الكريمة، وأجاب الجمهور أيضاً: بأن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، وصلاته سكن لهم، بخلاف غيره".
(شرح مسلم: ٧/ ١٨٤ - ١٨٥)

قلت: هذا، ما يستحب على المُعطَى؛ من الدعاء للمعطِي، والقول الحسن، والذكر الجميل.


ثانياً: طلب المتصدِق والمعطي- الدعاء من المعطى والمتصدق عليه..

وقفت على كلام جامع مانع، نافع ماتع، للإمام الهمام، شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية -رحمه الله- متفرق في بطون (مجموعه) المشبع بالعلم، والمتبع بالفهم، فهاكه، ولا تبغ فكاكه:

قال ابن تيمية: "والمحسن إليهم، وإلى غيرهم.. عليه أن يبتغي بذلك وجه الله، ولا يطلب من مخلوق- لا في الدنيا، ولا في الآخرة، كما قال تعالى: "وسيجنبها الأتقى * الذي يؤتي ماله يتزكى * وما لأحد عنده من نعمة تجزى * إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى * ولسوف يرضى" وقال: "ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً * إنما نطعمكم لوجه الله" الآية.
ومن طلب من الفقراء- الدعاء، أو الثناء.. خرج من هذه الآية؛ فإن في الحديث الذي في سنن أبي داود (من أسدى إليكم معروفاً؛ فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه؛ فادعوا له، حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه)؛ ولهذا كانت عائشة: إذا أرسلت إلى قوم بهدية، تقول للرسول: (اسمع ما دعوا به لنا؛ حتى ندعو لهم بمثل ما دعوا، ويبقى أجرنا على الله)، وقال بعض السلف: (إذا أعطيت المسكين، فقال: بارك الله عليك، فقل: بارك الله عليك).
أراد؛ أنه إذا أثابك بالدعاء؛ فادع له بمثل ذلك الدعاء- حتى لا تكون اعتضت منه شيئاً، هذا، والعطاء لم يطلب منهم".
(مجموع الفتاوى: ١١/ ١١١)

وقال -رحمه الله-: "فالمؤمن يرى: أن عمله لله؛ لأنه إياه يعبد، وأنه بالله؛ لأنه إياه يستعين، فلا يطلب ممن أحسن إليه- جزاء، ولا شكوراً؛ لأنه إنما عمل له ما عمل لله، كما قال الأبرار "إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا"".
(مجموع الفتاوى: ١٤/ ٣٢٩)

وقال -رحمه الله-: "فكل ما يفعله المسلم من القُرَب الواجبة والمستحبة، كالإيمان بالله، ورسوله، والعبادات البدنية والمالية، ومحبة الله، ورسوله، والإحسان- إلى عباد الله بالنفع، والمال.. هو مأمور بأن يفعله، خالصاً لله رب العالمين، لا يطلب من مخلوق عليه- جزاء؛ لا دعاء، ولا غير دعاء.. فهذا مما لا يسوغ- أن يطلب عليه جزاء؛ لا دعاء ولا غيره". 
(مجموع الفتاوى: ١/ ١٩٠) وينظر: (قاعدة جليلة: ١٧٠)

قلت: هذا كلام شيخ الإسلام، وهو كلام رصين، وفهم متين، عوّل فيه على الأدلة، مع فهمه الغوير، ونبهه الغزير.

قلت: ولعل من كره طلب المتصدق الدعاء من المتصدق عليه؛ لأمور:
-لما في طلب الدعاء، من السؤال.
-ولما فيه من المقاضاة والمقاصاة.
-ولما يبدو فيه، من التعالي والترفع.
-ولما يشعر الفقير، بالنقص، وربما الذلة والتخضع.

والذي يظهر -والله أعلم-؛ أن طلب الدعاء.. لا يصل لدرجة الحرمة، أو بطلان الصدقة؛ لحديث عبد الله بن بسر -من بني سليم-، قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى أبي، فنزل عليه، فقدم إليه طعاماً، فذكر حيساً أتاه به، ثم أتاه بشراب، فشرب، فناول من على يمينه، وأكل تمراً، فجعل يلقي النوى على ظهر أصبعيه- السبابة، والوسطى، فلما قام، قام أبي، فأخذ بلجام دابته، فقال: ادع الله لي؟ فقال: اللهم بارك لهم، فيما رزقتهم، واغفر لهم، وارحمهم). 
رواه مسلم والترمذي والنسائي من طرق.

قلت: يفهم، من هذا الحديث -والله أعلم-؛ جواز طلب الضيف، الدعاء من المضيف.
ولكن، لا يقاس عليه، ولا يستدل به-؛ لأمور:
-لأن ما ذكر- من أسباب منع طلب الدعاء من المتصدق عليه.. منفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لكماله وعصمته- عليه الصلاة والسلام.
-ولأنها ليست صدقة عليه، عليه الصلاة والسلام.
-ولأن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، مستجاب على التحقيق.
-ولأننا لا نستطيع القول أو الجزم- أن طلبه الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم، كان في مقابل الضيافة.

ولكن، يؤخذ منه -والله أعلم-؛ عدم تحريم طلب الدعاء من المتصدق عليه؛ لأنه لو كان حراماً؛ لبينه النبي صلى الله عليه وسلم.
ولا أعني، أن ضيافة الرسول صلى الله عليه وسلم، كانت عليه صدقة؛ لا، بل هي إكرام وضيافة؛ لأن الصدقة، لا تحل للنبي صلى الله عليه وسلم، وآله؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (أخذ الحسن بن علي رضي الله عنهما، تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كخ، كخ؛ ليطرحها، ثم قال: أما شعرت، أنا لا نأكل الصدقة).
وفي رواية: (أما علمت، أن آل محمد صلى الله عليه وسلم؛ لا يأكلون الصدقة؟) رواه البخاري ومسلم.

والضيافة؛ واجبة، قال ابن قدامة: "والواجب: يوم ليلة، والكمال: ثلاثة أيام". (المغني: ١١/ ٩١)

قلت: والواجب؛ أولى، أن لا يطلب عليه أجراً، أو يطلب فيه دعاء؛ لأنه متعلق بالذمة، ولا تبرأ إلا به.


ولكن الأفضل والأكمل.. أن لا يُطلب الدعاء، ممن أنفق عليه وتصدق؛ لأنه أبقى للفضل، وأوفى للأجر.

والله سبحانه وتعالى، قد تكفل بمجازاة المنفق والمتصدق، بجزاء عظيم فخيم، ولعل أعظمه؛ أن المتصدق لا خوف عليه ولا حزن، قال تعالى: "الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون".
فـ بخٍ بخٍ، هذا الفضل العظيم..
وواهاً واهاً، هذا الخير العميم..

فإذا كان الأمر كذلك؛ فأنفق وتصدق، دون مَنٍّ أو أذى، واطلب جزاءك من العليم الحكيم، و"إن الله يجزي المتصدقين"، وأبشر بالعوض من الله تعالى: "وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين" وفي الحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما مِن يوم يصبح العباد فيه، إلا ملكان ينزلان، فيقول: أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً) رواه البخاري ومسلم. 

هذا، ما أردت بيانه، وقصدت تبيانه، وأرجو أن يكون لله خالصاً، وعلى الحق صواباً، ولا أعدم -إن شاء الله- أجراً من ربي، أو نصحاً، من صحبي.
وسبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم.


وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي.
١٤٤١/٩/١٤


الأربعاء، 13 مايو 2020

عشرون انقضتْ!

عشرون انقضتْ!
لم يكدْ مداد قلمي يجفّ من كَتبي، مقالي: (عشرٌ انقضتْ) إلا وتتابع الأيام سراعاً، فكتبت (وانتصف الشهر)!
وها أنا اليوم، أكتب: (عشرون انقضتْ)!

نعم، ها نحن نودّع عشرين يوماً من أيام ضيفنا المبارك.
أيامه تعدو عدْواً، وتحدو حدواً، بل وتجري جرياً، ليس لها توقّف ولا هجوع، بل حركة وزموع!

وهذا كله، من أعمارنا القصيرة القليلة- التي لا ندري متى يفجؤنا فيها الأجل، ونحن مقصرون في العمل (نسأل الله طول العمر، مع حسن العمل):

إنما الدنيا كظل زائلٍ *** أو كضيف بات ليلاً، فارتحلْ

أو كطيف قد يراه نائم *** أو كبرق لاح في أفق الأملْ

يا من بدنياه اشتغلْ *** وغرّه طول الأملْ
الموت يأتي بغتةً *** والقبر صندوق العملْ

ومن يعلم من نفسه.. القصور والتواني؛ فليجتهد فيما بقي، ولا يكن بالواني!

قال ابن القيم:
يا خاطب الحور الحسان وطالباً *** لوصالهن بجنة الحيوانِ

لو كنت تدري من خطبت، ومن طلبـ *** ـت، بذلت ما تحوي من الأثمانِ

أو كنت تدري أين مسكنها، جعـ *** ـلت السعي منك لها على الأجفانِ

ولقد وصفت طريق مسكنها، فإن *** رمت الوصال فلا تكن بالواني

أسرع وحث السير جهدك إنما *** مسراك هذا ساعة لزمانِ

فاعشق وحدّث بالوصال النفس *** وابذل مهرها ما دمت ذا إمكانِ

واجعل صيامك قبل لقياها، ويـ *** ـوم الوصل يوم الفطر من رمضانِ

واجعل نعوت جمالها الحادي وسرْ *** تلقى المخاوف وهي ذات أمانِ

فبين أيدينا.. العشر الأخيرة، وهي خير مما بقي..
وقد جاء عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (الأعمال بالخواتيم).
رواه البخاري.
وجاء عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (إنما الأعمال بخواتيمها، كالوعاء: إذا طاب أعلاه؛ طاب أسفله، وإذا خبث أعلاه؛ خبث أسفله).
رواه ابن حبان، وحسنه الشيخ شعيب الأرنؤوط في (صحيح ابن حبان، برقم: ٣٣٩)

وإن العشر الأواخر.. أفضل أيام الشهر، بل أفضل أيام الدنيا، فلنشمّر عن ساق الجد والاجتهاد، فقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم، يشدّ مئزره، ويحيي ليله، ويوقظ أهله في هذه العشر الجلّى الفضلى.

قال ابن الجوزي: "وينبغي أن يكون الاجتهاد، في أواخر الشهر.. أكثر من أوله؛ لشيئين: أحدهما: لشرف هذا العشر، وطلب ليلة القدر، فقد روينا فيما تقدم: (اطلبوها في خمس بقين، أو ثلاث، أو آخر ليلة)، والثاني: لوداع شهر، لا يدري هل يلقى مثله أم لا؟".
(التبصرة: ٢/ ١٠٣)

وليلة وصل بات منجز وعده *** سميري فيها بعد طول مطالِ

شفيت بها قلباً أطيل غليله *** زماناً فكانت ليلة بليالي

ولنواصل العمل، ولنطرد الوسن، ونهجر الرقاد.. علّ نفحة من نفحات ربنا تدركنا، ونحن في صلاة، أو ذكر، أو تصدق، أو على أي عمل صالح آخر.. 
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: (افعلوا الخير دهركم، وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحات من رحمته- يصيب بها من يشاء من عباده).
رواه الطبراني في "الكبير"، وقال الهيثمي: إسناد رجاله، رجال الصحيح، وحسنه الألباني في (الصحيحة، رقم: ١٨٩٠).

""يصيب به من يشاء من عباده"، فمن أصابته؛ سعد سعادة، لا يشقى بعدها أبداً، فإن أعظم نفحاته، مصادفة دعوة الإجابة، يسأل العبد فيها الجنة، والنجاة من النار، فيجاب سؤاله، فيفوز بسعادة الأبد قال الله تعالى: "فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز"، وقال: "فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق" إلى قوله: "وأما الذين سعدوا ففي الجنة" 

ليس السعيد الذي دنياه تسعده *** إن السعيد الذي ينجى من النارِ

عباد الله: إن شهر رمضان، قد عزم على الرحيل، ولم يبق منه إلا القليل، فمن منكم أحسن فيه؛ فعليه التمام، ومن فرط؛ فليختمه بالحسنى، والعمل بالختام، فاستغنموا منه ما بقي من الليالي اليسيرة والأيام، واستودعوه عملاً صالحاً، يشهد لكم به عند الملك العلام، وودعوه عند فراقه بأزكى تحية وسلام.

سلام من الرحمن كل أوانِ *** على خير شهر قد مضى وزمانِ

سلام على شهر الصيام فإنه *** أمان من الرحمن كل أمانِ

لئن فنيت أيامك الغر بغتة *** فما الحزن من قلبي عليك بفانِ"
(لطائف المعارف: ٢١٦)

ويا عبد الله، إن أحسنت فزد، وإن أسأت فعُدْ.
واعلم، أنك إلى ربك راجع، "إن إلى ربك الرجعى" "يأيها الإنسان إنك كادحٌ إلى ربك كدحاً فملاقيه". ستلقى ما قدّمت، وتحصد ما زرعت:

فمن زرع الحبوب وما سقاها *** تأوّه نادماً يوم الحصادِ

ازرعْ جميلاً، تحصد جنة وخميلاً، وتُكسى إستبرقاً وحريراً.

أودّع بعضك يا رمضان، بل أكثرك، بل ثلثيك!
أودعك حبيبي الكريم، وضيفي العظيم، على أمل أن تتمهل قليلاً في بقيّتك.

وقد كان جعفر الصادق.. يدعو في آخر رمضان، فيقول: اللهم رب رمضان، منزل القرآن.. هذا شهر رمضان- الذي أنزل فيه القرآن، وقد تصرم، أي رب، فأعوذ بوجهك الكريم؛ أن يطلع الفجر من ليلتي هذه، أو يخرج رمضان.. ولك عندي ذنب تريد أن تعذبني يوم ألقاك.

وأنا أضرع إلى سيدي ومولاي.. أن يهبنا الصحة والعافية، والتوفيق والتحقيق، للاستيقاظ لعمل الصالحات، والابتعاد عن عمل السيئات.

أسألك ربي، لي ولإخواني وأخواتي.. توفيقاً وإعانة، وتحقيقاً وصيانة، وكفاية ووقاية وهداية.
اللهم وفقنا لكل خير، وجنبنا كل شر وضير.

وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي.
١٤٣٧/٩/٢٠
١٤٤١/٩/٢٠

#أمالي_رمضانية
#أنابيش_الكنانيش

الثلاثاء، 12 مايو 2020

رمضان: بين حجْرين!

رمضان: بين حجْرين!

تتلهف الأنفس، وتشتاق القلوب، وترنو الأعين.. لمجيء رمضان- الضيف الكريم، والزائر اللطيف!

وقد كان يقدم، هذا القادم الرحيب، والمساجد؛ مشرعة، والبيوت؛ مفتحة، والناس؛ في بهجة وارتياح!
وجاءنا رمضان، هذه المرة، ونحن -بحمد الله- في خير وعافية، ولكنه أتى، والعالم في حجر، عن شهود لياليه، وفي حظر، عن حضور أماليه!

ضجّت القلوب، وحزنت النفوس، ودمعت العيون؛ لإغلاق المساجد، ومنع التزاور، وعدم الخروج من البروج!

هذا الحجر الأول، وهو حجر عام، أصيب به أكثر العالَم، وهو يتعلق بالأجساد!

لكن، هناك حجر ثاني، وهو حجر خاص، وهو يتعلق بالأرواح!
إنه حجر الاغتراب عن الوطن، والغياب عن الأهل والولد، والنأي عن الوالدة والوالد!

إنه تألم الروح، وتعذب النفس، وتحير الفكر، وتشتت الذهن، فبينما الأرواح محبوسة في حيز من الجسد الضيق؛ إذ سجنت الأجساد الصغيرة، في مساحة ضيقة، من الأرض، لا تتجاوز الأمتار!
فهو حبس داخل حبس.. فخبروني؛ كيف التعامل مع الحبسين؟!
ولو كان سهماً واحداً لاتقيته *** ولكنه سهم وثان وثالث!

إنني أغبط، من عنده أهله، في هذه الأزمة الخانقة.. نعم، أغبطهم؛ لأنسهم ببعض، والجلوس معهم الليل والنهار: يتضاحكون .. يتراكضون .. يتمازحون .. يتبادحون... إنه ملك حقيقي، فاحمدوا الله على هذا الملك العظيم.

غريب يقاسي الهمّ في أرض غربةٍ *** فيا ربِّ قرّب دار كل غريبِ


مررت اليوم، في صلاة التراويح، بقوله تعالى -عن أيوب عليه السلام-: "وآتيناه أهله ومثلهم معهم"؛ فسالت مآقي دموعها، وأبت نفسي هجوعها!

يا رب..
وآنسني بأولادي وأهلي *** فقد يستوحش الرجل الغريبُ

وقد هنا: للتكثير؛ لأن الاستيحاش، هو الغالب على المغترب.

والله، إني أشعر بغصة، وأحس بتنغيص؛ لحلول رمضان، وأنا ناء وقصي.
بل -والله- إن الدمعة لتتدحرج في عيني، والشجى يقف في حلقي، والضيق ينتابني.. 
ولكن: ثقتي بربي الكريم الرحيم سبحانه وتعالى، أن يخفف عني اللوعة، ويهدئ ما بي من التياع، وهو سبحانه فاعل ذلك لا محالة.

وإني تركت اختياري، لاختيار ربي العليم الحكيم جل وتقدس، فإن اختيار المرء لنفسه؛ يشوبه النقص والقصور، وينتابه الهوى والغرور..

أما اختيار الله سبحانه؛ فهو اختيار عليم حكيم حليم عليم رحيم كريم، يضع الأمور في مواضعها، وإن ظنها العبد ليست كذلك، وهو أعلم ما يصلح عبده.
وفي الحديث: (استضحك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: عجبت لأمر المؤمن- إن الله لا يقضي له قضاء، إلا كان خيراً له). رواه أحمد، وابن حبان، وإسناده صحيح.
ينظر: (معجم الشيوخ: ١٦٩) لابن جميع، و(سير أعلام النبلاء: ١٥/ ٣٤٢) تحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط.

سلِ الله الإياب من المغيب *** فكم قد رد مثلك من غريبِ
سل الهم عنك بحسن ظنٍ *** ولا تيأس من الفرج القريبِ


وهو سبحانه، غني عن عذابي وعذابكم، فهو القائل جل وعلا: "ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكراً عليما".
فالحكمة قد تغيب عن الخلق تماماً، وقد تظهر بعد مدة، وقد يرزق الله سبحانه عبده من الإيمان والإيقان، ما يهون عليه المصائب، ويصرف عنه المعائب.

عذراً، للإطالة، فهي سانحة سنحت على فكري الكليل، وجسدي العليل.. فأبديتها، على علاتها وهناتها.
رباه، تفريجاً وتخريجاً، منك وحدك لا شريك لك، فأنت المعين، وبك المستعان، ولا قوة إلا بك.


وكتب: المعنى: أبو نعيم.
١٤٤١/٩/٢٠

الاثنين، 11 مايو 2020

تنبيه على خطأ، في عزو قول، إلى مصدر!

تنبيه على خطأ، في عزو قول، إلى مصدر! 
وجدت هذا الأثر، ‏عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "إن من الإيمان.. أن تحب أخاك عن غير معرفة، ولا قرابة، ولا مال أعطاك، لا تحبه إلا لله". 
‏وعزاه ناقله، إلى كتاب (‏صحيح الزهد، لسعيد: ٥٨٤٣)!


قال أبو نعيم: وعند رؤيتي هذا العزو، إلى كتاب الزهد، لسعيد!
أعدت النظر كرة أخرى، وقلت: من سعيد هذا؟؛ إذ لم أعلم عالماً، اسمه (سعيد) له كتاب مستقل في الزهد!

فالمصنفون في الزهد؛ كثر، منهم: أبو حاتم، وأحمد بن حنبل، وأبو داوود، وابن أبي الدنيا، والبيهقي، وابن أبي عاصم، وهناد، وابن المبارك، ونعيم بن حماد، وابن الأعرابي، وأسد بن موسى، والخطيب البغدادي، ووكيع، والمعافى بن عمران وغيرهم.. لكني، لم أجد من اسمه (سعيد) من بينهم!

إلا، إن يكن المقصود: الإمام سعيد بن منصور، صاحب كتاب (السنن) وكتاب الزهد، من ضمن سننه، كما هو صنيع عامة المؤلفين في السنن والجوامع!
ولا أعلم، إن كان، كتاب الزهد، الذي ضمن كتاب السنن، قد طبع، أم لا، وإن كان؛ فلا أعلم، إن كان فيه أم لا؟

ثم إن هذا الأثر، بهذا اللفظ، لم يذكر في أي من كتب الزهد!
لكني وجدته، في (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: ه/ ١٠٠٨) للإمام اللالكائي.

وقد جاء بمعنى هذا، حديث مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه: (... وأن تحب غير ذي نسب لا تحبه إلا لله عز وجل، فإذا كنت كذلك فقد دخل حب الإيمان في قلبك، كما دخل حب الماء للظمآن في اليوم القائظ ...). رواه أحمد، عن أبي رزين العقيلي، ولكن سنده ضعيف؛ لانقطاعه.

هذا، ما علمته، فبثثته، ومن علم غير ذلك؛ فليفد -شكر سعيه-.

وكتب: أبو نعيم.
١٤٤١/٩/١٨


#أمالي_رمضانية
#أنابيش_الكنانيش
https://t.me/walidabwnaeem

تنبيه في خطأ نسبة كلام لشيخ الإسلام.. إذا وافقت ليلة الجمعة، ليلة وتر!


تنبيه في خطأ نسبة كلام لشيخ الإسلام.. إذا وافقت ليلة الجمعة، ليلة وتر!

انتشر واشتهر، أن شيخ الإسلام ابن تيمية، قال: إذا وافقت ليلة الجمعة، ليلة وتر؛ فأحرى أن تكون ليلة القدر!


وبعد فتش ونبش، لم أجد هذا القول منسوباً، إلى شيخ الإسلام.

والذي وجدته، هو ما نقل عن الوزير ابن هبيرة..
قال ابن رجب: "وذكر الوزير أبو المظفر ابن هبيرة: أنه رأى ليلة سبع وعشرين، وكانت ليلة جمعة، باباً في السماء مفتوحاً، شامي الكعبة، قال: فظننته حيال الحجرة النبوية المقدسة، قال: ولم يزل كذلك إلى أن التفت إلى المشرق؛ لأنظر طلوع الفجر، ثم التفت إليه، فوجدته قد غاب.
قال: وإن وقع في ليلة من أوتار العشر، ليلة جمعة.. فهي أرجى من غيرها!

قال ابن رجب: "واعلم، أن جميع هذه العلامات، لا توجب القطع بليلة القدر".
(لطائف المعارف: ٢٠٣)
وينظر: (كشف اللثام شرح عمدة الأحكام: ٤/ ٤١) للسفاريني.

وقال الشيخ ابن باز: "قال بعض أهل العلم: إن كان في الأوتار، ليلة الجمعة.. كانت آكد وأقرب أن تكون ⁧‫ليلة القدر‬⁩".
‏(حديث المساء: ٢٢٠)

تنبيه آخر: لم يرد في نصوص الشرع، ما يدل على تخصيص ليلة القدر، لكنها، في جميع العشر: وترها، وشفعها.

قال الشيخ ابن باز: "وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، أنها في العشر الأواخر من رمضان، وأن أوتار العشر أرجى من غيرها، فقال عليه الصلاة والسلام: (التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، التمسوها في كل وتر).
وقد دلت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن هذه الليلة، متنقلة في العشر، وليست في ليلة معينة منها دائماً فقد تكون في ليلة إحدى وعشرين، وقد تكون في ليلة ثلاث وعشرين، وقد تكون في ليلة خمس وعشرين، وقد تكون في ليلة سبع وعشرين وهي أحرى الليالي، وقد تكون في تسع وعشرين، وقد تكون في الأشفاع.
فمن قام ليالي العشر كلها- إيماناً واحتساباً.. أدرك هذه الليلة بلا شك، وفاز بما وعد الله أهلها". 
(مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز: ١٥/ ٤٢٥)

وللمزيد.. ينظر: مقال (بذل النفع في أن ليلة القدر قد تكون في ليالي الشفع)!
والله الموفق وبه الثقة.


#أمالي_رمضانية
#أنابيش_الكنانيش


وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي.
١٤٣٩/٩/١٩
١٤٤١/٩/١٩