الأربعاء، 22 أبريل 2020

التهنئة بشهر رمضان.. سنة سيد ولد عدنان (عليه الصلاة والسلام)



سُنيّة التهنئة بشهر رمضان:

لا شك أن المسلم يفرح بمواسم الطاعات، ومواطن النفحات؛ ليتقرب بذلك إلى مولاه سبحانه وتعالى، بل يجد البهجة والسرور، والأنس والحبور؛ لما أولاه ربه سبحانه من النعمة- أن أبقاه حتى يشهد محافل الخير والبركات، والبر والنفحات.

وإن من أعظم مواسم الطاعات، هو شهر رمضان المبارك.

ففيه تأنس النفوس، وتفرح القلوب، وتنشرح الصدور، ويُزداد فيه من أعمال البر والخير، ويقصر عن أعمال الشر والضير.

قال الله تعالى: "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون".
فافرحوا أيها المؤمنون بشهركم، وتعرضوا لنفحات ربكم، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من خلقه، فاسألوا الله، أن تكونوا منهم. (١)


وإن من الأمور التي تكتمل بها الفرحة، وتتم بها النعمة: هو التهنئة بهذا الشهر الفضيل، الذي فيه من الفضائل والمزايا الجم الكثير، والغمر الوفير.

وإن الناظر إلى أصل التهنئة لا يخفى عليه حكمها، ولا يشتطّ في الحكم بالبدعة على من هنأ بها.

فالتهنئة: كما قرر غير واحد من أهل العلم، أنها (من العادات، وليست من العبادات) وينظر فيها إلى المعاني والمقاصد.

ولها أصل في الشريعة؛ فقد هنَّأ بعض الصحب، كعب بن مالك بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، وشرع سجود الشكر عند تجدد نعمة، أو دفع نقمة.

قال ابن القيم، في سياقه لفوائد قصة كعب بن مالك:
"وفيه دليل على استحباب تهنئة من تجددت له نعمة دينية، والقيام إليه إذا أقبل، ومصافحته؛ فهذه سنة مستحبة، وهو جائز لمن تجددت له نعمة دنيوية، وأن الأَوْلى أن يقال: يهنك بما أعطاك الله، وما منّ الله به عليك، ونحو هذا الكلام، فإن فيه تولية النعمة ربها، والدعاء لمن نالها بالتهني بها".
(زاد المعاد: ٣/ ٥٨٥).

وأجاب شيخ الإسلام حافظ عصره، بعد اطلاعه على ذلك: بأنها مشروعة، واحتج له بأن البيهقي عقد لذلك باباً، فقال: باب ما روي في قول الناس بعضهم لبعض في يوم العيد: تقبل الله منا ومنك، وساق ما ذكره من أخبار وآثار ضعيفة، لكن مجموعها يحتج به في مثل ذلك، ثم قال: ويحتج لعموم التهنئة؛ لما يحدث من نعمة، أو يندفع من نقمة بمشروعية سجود الشكر والتعزية، وبما في الصحيحين عن كعب بن مالك في قصة توبته، لما تخلف عن غزوة تبوك، أنه لما بشر بقبول توبته ومضى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قام إليه طلحة بن عبيد الله فهنأه وأقره النبي صلى الله عليه وسلم.
ينظر: (حاشية الجمل: ٢/ ١٠٥)


وفي رسالة السيوطي: (وصول الأماني)، نقَل فيها عن القمولي في (الجواهر) أنه قال: "لم أرَ لأصحابنا كلاماً في التهنئة بالعيدين والأعوام والأشهر، كما يفعله الناس، ورأيت -فيما نقل من فوائد الشيخ زكي الدين عبد العظيم المنذري- أن الحافظ أبا الحسن المقدسي: سئل عن التهنئة في أوائل الشهور والسنين: أهو بدعة أم لا؟
فأجاب: بأن الناس لم يزالوا مختلفين في ذلك، قال: والذي أراه أنه مباح؛ ليس بسنة، ولا بدعة".


قلت: هذا التحقيق، يتنزل على التهنئة بأوائل الشهور عموماً.

أما التهنئة بشهر رمضان على وجه الخصوص؛ فهو سنة نبوية ثابتة؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم، يبشِّر به أصحابه رضي الله عنهم، ويهنئهم.

قال الحافظ ابن رجب: "وكان النبي صلى الله عليه وسلم، يبشر أصحابه بقدوم رمضان..
كما خرجه الإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم، يبشر أصحابه، يقول: (قد جاءكم شهر رمضان- شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه، فيه تفتح
أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين- فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم)".
(لطائف المعارف: ٢٧٩).


َعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما حضر رمضان، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: (قد جاءكم -وفي رواية: أتاكم- رمضان؛ شهر مبارك؛ افترض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، ويغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغلّ فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم).
أخرجه أحمد والنسائي، وصححه الألباني، في (صحيح الترغيب: ٩٩٩) 
والشيخ شعيب الأرناؤوط.

قال الحافظ عبد الرحمن ابن رجب الحنبلي: "قال بعض العلماء: هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضاً بشهر رمضان.
كيف لا يبشر المؤمن بفتح أبواب الجنان؟
كيف لا يبشر المذنب بغلق أبواب النيران؟
كيف لا يبشر العاقل بوقت يغل فيه الشياطين؟
من أين يشبه هذا الزمان زمان".
(لطائف المعارف: ٢٧٩).

ويزاد على ذلك؛ لما في شهر رمضان المبارك؛ من تجدد النعم والطاعات، والقرب من رب البريّات، وتصفيد الشياطين والجان، وفتح أبواب الجنان، وغلق أبواب النيران.


وهنا نقل مفيد للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، قال -رحمه الله-:
"هذه المسائل وما أشبهها، مبنية على أصل عظيم نافع، وهو: أن الأصل في جميع العادات القولية والفعلية؛ الإباحة والجواز، فلا يحرّم منها، ولا يكره إلا ما نهى عنه الشارع، أو تضمن مفسدة شرعية.
وهذا الأصل الكبير: قد دلّ عليه الكتاب والسنة في مواضع، وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره.

فهذه الصور المسؤول عنها، وما أشبهها؛ من هذا القبيل، فإن الناس لم يقصدوا التعبد بها، وإنما هي عوائد وخطابات وجوابات جرت بينهم في مناسبات لا محذور فيها، بل فيها مصلحة دعاء المؤمنين بعضهم لبعض بدعاء مناسب، وتآلف القلوب كما هو مشاهد.

أما الإجابة في هذه الأمور لمن ابتدأ بشيء من ذلك، فالذي نرى: أنه يجب عليه أن يجيبه بالجواب المناسب مثل الأجوبة بينهم؛ لأنها من العدل، ولأن ترك الإجابة يوغر الصدور، ويشوش الخواطر.

ثم اعلم أن هاهنا قاعدة حسنة، وهي: أن العادات والمباحات قد يقترن بها من المصالح والمنافع ما يُلحقها بالأمور المحبوبة لله، بحسب ما ينتج عنها وما تثمره، كما أنه قد يقترن ببعض العادات من المفاسد والمضار ما يُلحقها بالأمور الممنوعة، وأمثلة هذه القاعدة كثيرة جداً".
انتهى كلامه -رحمه الله-، من (المجموعة الكاملة لمؤلفات الشيخ عبد الرحمن السعدي- الفتاوى: (٣٤٨).

وقد طبّق الشيخ -رحمه الله- هذا عملياً، حينما أرسل تلميذه الشيخ عبدالله ابن عقيل، خطاباً له في أوائل شهر رمضان من عام ١٣٧٠، وضمّنه التهنئة بالشهر الكريم؟
فردّ الشيخ عبدالرحمن -رحمه الله- بهذا الجواب في أول رده على رسالة تلميذه: "في أسرّ الساعات وصلني كتابك رقم ٩ / ١٩ فتلوته مسروراً، بما فيه من التهنئة بهذا الشهر، نرجوا الله أن يجعل لنا ولكم من خيره أوفر الحظ والنصيب، وأن يعيده عليكم أعواماً عديدة، مصحوبة بكل خير من الله وصلاح".
انتهى كما في (الأجوبة: ٢٨٠) وفي (٢٨٤) ضمّن الشيخ رسالته لتلميذه التهنئة بالعشر الأواخر.

وعلى جواز التهنئة بشهر رمضان:  الشيخ الأمين الشنقيطي، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، وأعضاء اللجنة الدائمة.

وعلى ما سبق من الاستنباطات والنقولات؛ فمن هنَّأ بشهر رمضان؛ فقد وافق سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم العملية.

وإن قصد إدخال السرور على المسلمين، والتنبيه إلى التزوُّد من العمل الصالح، والتحذير من طول الأمل؛ فهذه مقاصد حسنة جليلة، يرجى له الأجر والثواب، من الله الكريم الوهاب. (٢)

هذا ما أردت قوله ونقله، وأسأل الله أن يلهمنا رشدنا، وأن يقينا شر أنفسنا، وأن يوفقنا لاغتنام الفرص في مواسم الطاعات، ويعيننا على البعد عن المعاصي والسيئات.
والله أعلى وأعلم، وهو أعز وأكرم، و(سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم).


كتبه: وليد بن عبده الوصابي.
١٤٣٩/٨/٣٠
١٤٤١/٨/٢٩


ح...................
(١) وقد كتبت مقالاً، بعنوان: (الفرحة الرمضانية: واجبة شرعية).

(٢) وقد كتبت مقالاً عن التهنئة بالعام الهجري، بعنوان: (قبس من الذكر في جواز التهنئة بالعام الهجري).



الاثنين، 20 أبريل 2020

قول: كيف الحال.. هل حقيقة، أم مجرد سؤال؟!


قول: كيف الحال.. هل حقيقة، أم مجرد سؤال؟!


طبعيٌ أن يَسأل الصغير والكبير، ويُسأل الصغير والكبير أيضاً، -ومن عرف ومن لم يعرف- عن الحال، وربما زِيد، فسئل عن الأهل والعيال؟!

حتى صارت عادة معتادة لدى البعض، -وهي لا تعني شيئاً، سوى: مجرد السؤال والمجاملة، أو العادة العادية، ودليلي: أن السائل قد ينتقل مباشرة إلى حديث آخر، لا يمت للحال بصلة، بل ربما، خاصم بعدها وقاضم، وربما لم يترك الفرصة؛ ليسمع الجواب!

ولا أدري، ماذا يطلق على هذا القول العجيب، والفعل الغريب؟!

ويكون جواب المسؤول: الحمد لله، أياً كان حاله!
وينتهي الأمر، وكأن شيئاً ما كان، ويذهب كل لسبيله!

ويذكرني هذا؛ بذاك الأعرابي الكوفي، الذي كان له صديق، يظهر له مودة ونصيحة، فاتخذه الأعرابي من عُدده للشدائد؛ إذ نزل بالأعرابي أمر، فأتاه، فوجده بعيداً مما كان يظهر له، فأنشأ يقول:

إذا كان وُدُّ المرء ليس بزائدٍ *** على "مرحباً" أو "كيف أنت" وحالكا؟!

ولم يك إلا كاشراً أو محدثاً *** فأفٍ لودٍ ليس إلا كذلكا

لسانك معسولٌ، ونفسك بَشّة *** وعند الثريا من صديقك مالَكا

وأنت إذا هَمَّت يمينك مَرَّة *** لتفعل خيراً قاتلتها شمالك


وقال آخر:
تودّ عدوي ثم تزعم أنني *** صديقك، ليس النوك عنك بعازبِ

وليس أخي من ودني رأي عينه *** ولكن أخي من ودّني في المغائبِ

ومن ماله مالي إذا كنت معدماً *** ومالي له إن عضّ دهر بغاربِ

فما أنت إلا كيف أنت؟ ومرحباً! *** وبالبيض رواغ كروغ الثعالبِ


أقول: هذا حال الكم الكثير، والجم الوفير، حاشا بعض الكرام، الذي (إذا قال؛ فعل)!
ولا أعني بـ (إذا قال؛ فعل)؛ إعطاء المال، أو إنهاك الجسد، بل أعني: الانتباه لعظم هذا السؤال، فليكن بعده، حسن الإنصات والإعمال!

ولكن، أن يطرأ على صديق تغيّر، أو يحل به تحيّر، فلا يشعر به إلا: الصديق الصدوق، والمحب الشعور، الذي يهمه شأنه، ويغمه شينه!

فيسأل سؤالاً زائداً عن السؤال الزائف عن الحال؟
كأن يقول: ما لي أراك مهموماً، ولمَ أسمعك مغموماً... هل تشعر بأنغاص، أو  تعاني من أنقاص؟
فيكون جوابك: "الحمد لله رب العالمين".

فيأبى عليه، ويصرّ إليه، إلا ما أخبره بداخلة أمره، وخبي خبره، فيقول: نعم، الحمد لله، ولكن أنت صديقي، وأنا أشعر بك يا رفيقي.
ثم يضيف: ولا خير في صحبة بدون شعور!
فيكون جواب الصديق: نعم، أمرُّ ببعض الكروب، وزارتني بعض الخطوب، -والحمد لله-، وأرجو دعاء ربك الكريم، علام الغيوب.

فيمضي داعياً، ولشكواه شاكياً، ولبكاه باكياً، ولكن بعد أن عمل معه، ما يخفف الوطأة، ويقضي النسأة، ويروي الغلة، ويسد الخلة، بما يسطيع ويستطيع.

فيشعر بنفسه، وقد ارتاحت ولانت، وشعرتْ بالونيس والأنيس، وأيقنت أن الصاحب ليس مجرد جليس، بل له واجبات، وعليه مهمات.

ولكن.. ولكن: أين هؤلاء الشعورون، الذين يؤنسون ويونسون إخوانهم وأصدقاءهم، ومن يعرفون؟!
أين هم، لا تجدهم إلا في النزر النادر، والقليل السائر، فهم: أندر من الكبريت الأحمر، وأقل من الجمل الأحمر، وأعدم من البقر الأصفر، في القلة والندرة!
فإلى الله المشكى والملجى.

وصار الأمر، كما قال الحريري:
لا تغترر ببني الزمان، ولا تقل: *** عند الشدائد لي أخ ونديمُ

جربتهم، فإذا المعاقر عاقر *** والآل آلٌ، والحميم حميمُ


بل بعضهم، لا يسأل حتى عن زوجته، إذا رأى عليها تغيراً، أو لمس منها تنكرا!
وكأنه، أمر لا يعنيه، وشأن ليس شأنه!
وكأنه، يحسب أنه في يوم القيامة، لا لوم عليه ولا ملامة: "لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه"!
والله المستعان.

لا يا أُخي، لا زلت في الدنيا، وأعيذك بالله أن تكون منهم يوم يقوم الناس لرب العالمين، فاعمل جميلاً، تلقه هناك.

وإذا نظرنا إلى هذا الخلق اللئيم.. رأينا أنه خلق وافد علينا من الغرب الكافر الغادر، الذي يؤمن بالماديات والمحسوسات، ولا يعرف معنى الإخاء، بل لا يعلم للقرابة معنى!


فيا أيها الأصدقاء: تفقدوا إخوانكم، واسألوا عن أحوالهم، وتلمسوا حاجتهم، فلا يخلو أحدهم من أمْر أَمِر.. كل على قدر أربه وغرضه.

فهذه تعاليم الإسلام، وأخلاق رسول الأنام -عليه الصلاة والسلام-، فقد كان دائماً ما يسأل عن أصحابه، بل كان يسأل عن الجميع، ويحرص على هداية الكافرين، بل كان يتلهف عليه الصلاة والسلام، ويتشوف لإخوانه المسلمين أجمعين، الذين لم يولودا بعد!
فـ لا إله إلا الله، أيّ قلب يحويه بين جنبيه، هذا الرسول العظيم، عليه أفضل الصلاة، وأتم التسليم.

ولم يكن سؤاله عليه الصلاة والسلام، مجرد سؤال فحسب، حاشاه بأبي وأمي صلى الله عليه وسلم، بل كان يعمل بموجب السؤال..
فمن كان مريضاً؛ زاره، ومن كان محتاجاً؛ ماره، ومن يبغي مشورة؛ شاره..
وهكذا، يقضي لكل حاجته، ويسد فاقته، ويفتق خلته.

فأيّ خلق يحمله، وأيّ نفس كبيرة لديه، وأيّ صدر فسيح عنده؟!
لا ضير، فقد زكاه ربه: "وإنك لعلى خلق عظيم".

ويجدر بنا ويجمل، ويحسن ويفضل.. أن نتبع رسولنا الكريم، عليه الصلوات والتسليم، بل هذا هو الواجب علينا، قال الله تعالى: "يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول"، وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، إلا لصارف، ولا صارف.

ويا أخي: لا تقل، أنا لا أحتاج لأحد! بلى -وربي- أنت بحاجة إلى أصغر صغير، فكيف بالكبير، مصداق ذلك، قول النبي عليه الصلاة والسلام: (المؤمن للمؤمن كالبنيان)، وهل رأيتم بنياناً يقوم دون تكاتف من بعضه؟!

وصدق من قال:
ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻟﻠﻨﺎﺱ ﻣﺎﺩﺍﻡ ﺍﻟﻮﻓﺎﺀ ﺑﻬﻢ *** ﻭﺍﻟﻌﺴﺮ ﻭﺍﻟﻴﺴﺮ، ﺃﻭﻗﺎﺕ ﻭﺳﺎﻋﺎﺕُ

ﻭﺃﻛﺮﻡ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻣﺎ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻮﺭﻯ ﺭﺟﻞ *** ﺗﻘﻀﻰ ﻋﻠﻰ ﻳﺪﻩ ﻟﻠﻨﺎﺱ ﺣﺎﺟﺎﺕُ


والدنيا، ليست دائماً مواتية لك ومؤاتية، بل هي دول، والرحمن: "كل يوم هو في شأن".

ولله ابن الوردي، حيث قال في (نصيحة الإخوان):
اترك الدنيا، فمن عاداتها *** تخفض العالي، وتعلي من سفلْ!

وقال:
كم جهول بات فيها مكثراً *** وعليم بات منها في عللْ

كم شجاع لم ينل فيها المنى *** وجبان نال غايات الأملْ

فاترك الحيلة فيها واتكل *** إنما الحيلة في ترك الحيلْ

فأحسن؛ يحسن إليك.

وأما قبل،، فهذه كلمات كتبتها؛ لأني عايشت أثرها ووجدته ولمسته، وعانيته وحسسته، وعاينته وجسسته.

ولكم أن تتخيلوا حجم القضية التي لم ننتبه لها، من آلاف الأصدقاء، لم يسأل عن الحال، إلا قلائل من الرجال!
وبمقدار ما لمتُ إخواني وألومهم؛ ألوم نفسي وأوبخها.

وعلى كل، هي ذكرى وزفرى لي ولكم، علّها تجد كريماً يقبلها بمعروف، ويجعلها من المألوف.
والله يمنّ علي وعليكم بالأخلاق النبيلة، والخصال الجميلة، فـ (إن الله جميل، يحب الجمال) فتجملوا بالجمال والجمال والجمال..

محبكم: وليد بن عبده الوصابي،،
١٤٣٧/٦/٢٦
١٤٤١/٨/٢١



السبت، 18 أبريل 2020

أمراض اليوم ومرض القوم!

أمراض اليوم ومرض القوم!


أشهر الطواعين خمسة:
قال أبو الحسن المدائني: "كانت الطواعين العظام المشهورة في الإسلام خمسة:
١-طاعون شيرويه بالمدائن، على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، سنة ست من الهجرة.

٢-طاعون عمواس، في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان بالشام، مات فيه خمسة وعشرون ألفا، وكان سنة ثماني عشرة.

٣-طاعون الجارف في زمن ابن الزبير، في شوال سنة تسع وستين، هلك في ثلاثة أيام، كل يوم سبعون ألفاً، مات فيه لـ أنس بن مالك رضي الله عنه؛ ثلاثة وثمانون ابناً، ويقال: ثلاثة وسبعون ابناً، ومات لـ عبدالرحمن بن أبي بكرة أربعون ابناً.

٤-طاعون الفتيات؛ لأنه بدأ بالعذارى، في شوال سنة سبع وثمانين بالبصرة وواسط والشام والكوفة.

٥-طاعون في رجب، سنة إحدى وثلاثين ومائة، واشتد في شهر رمضان فكان يحصى في سكة المربد في كل يوم ألف جنازة أياماً، ثم خفّ في شوال".

(شرح مسلم: ١/ ٩٦) و (كتاب الأذكار: ١٥٥) كلاهما للإمام يحيى بن شرف الدين النووي.


قال أبو نعيم -كان الله له ومعه: الذي ينظر إلى هذا الوباء الجارف الحاصد.. يتسلى بالحاصل الآن، مع التفاؤل بالزوال؛ فإنه لا شيء مقارنة بأمراض من سلف.


وقد يقول قائل: كيف تصيب هذه الأمراض القاتلة، تلك القرون الفاضلة؟

أقول -والعلم عند الله تعالى-:
أولاً: إن الأمراض لا علاقة لها بالصلاح أو الفساد، وإن كان يستأنس بها، فللصالح؛ ابتلاء، وللطالح؛ بلاء.

‏‎‎عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن الطاعون؟ فأخبرني أنه عذاب يبعثه الله على من يشاء، وأن الله جعله رحمة للمؤمنين، ليس من أحد يقع الطاعون، فيمكث في بلده صابراً محتسباً، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر شهيد).
رواه البخاري.


ثانياً: إن الطاعون وباء معروف من قديم، ليس كأمراض العصر التي لم تكن تعرف في الزمن الماضي، بل كانوا يعدونه فضلاً من الله ونعمة؛ لأن المطعون شهيد.
وقد أُلِّفت في الطاعون، وفي فضله.. التواليف الكثيرة، حتى ناهزت المائة أو نافت!

ثالثاً: إن عدم مرض الكافرين، أو أخذ الظالمين، ليست رحمة بل هي نقمة.
ولا ننسى سنة الإمهال والاستدراج؛ لمن طغى وبغى؛ فحقت عليه كلمة العذاب..

قال تعالى: "سنستدرجهم من حيث لا يعلمون".
‏قال سفيان الثوري: "‏كلما أخطؤوا خطيئة؛ أنعمنا عليهم نعمة، وأنسيناهم الاستغفار".
(المخلصيات، رقم: ٢٣٥٢).

وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيت الله يعطي العبد على معاصيه من الدنيا؛ فاعلم أنه استدراج، وتلا قوله تعالى: "فلما نسوا ما ذكروا فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون").
رواه الإمام أحمد، وصححه الألباني.

و‏‏قال الإمام الطبري: "وأصل الاستدراج: اغترار المستدرَج، بلطف من استدرجه، حيث يرى المستدرَج أن المستدرِج إليه محسن، حتى يورِّطه مكروهاً".
(تفسير الطبري: ١٣/ ٢٨٧)

رابعاً: إن الدنيا ليست موطناً للفوز والانتصار؛ لأنها دار ابتلاء واختبار، ومن المعلوم: أن الفوز أو الخسران، لا يكون إلا بعد الاختبار والامتحان؛فلذلك كان القوم (وهم القوم حقاً)؛ يأنسون بالأمراض، بل إن بعضهم: كان يتهم نفسه إذا لم يمرض!

وهذا أكرم الخلق، وقرين الحق؛ كانت تعتريه الأمراض والأسقام..
قال ابن رجب: "وكان صداع الرأس، والشقيقة.. يعتريه كثيراً في حياته، ويتألم منه أياماً- وصداع الرأس من علامات أهل الإيمان، وأهل الجنة".
(لطائف المعارف: ١٠٥)

بل جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، ما يدهش في ذلك!
عن أبي هريرة قال: (مرّ برسول الله صلى الله عليه وسلم، أعرابي، أعجبه صحته وجلده، قال: فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: متى أحسست أم ملدم؟ قال: وأي شيء أم ملدم؟ قال: الحمى، قال: وأي شيء الحمى؟ قال: سخنة تكون بين الجلد والعظام، قال: ما لي بذلك عهد! قال: فمتى أحسست بالصداع؟ قال: وأي شيء الصداع؟ قال: ضربان يكون في الصدغين والرأس، قال: ما لي بذلك عهد! قال: فلما قفا أو ولى الأعرابي، قال: من سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل النار؛ فلينظر إليه).
أخرجه أحمد في مسنده، والبيهقي في شعب الإيمان، وضعفه أحمد شاكر، وصححه الألباني، والوادعي.

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم اجعل فناء أمتي قتلاً في سبيلك، بالطعن والطاعون).
رواه أحمد وصححه الألباني.

"قال العلماء: أراد -صلى الله عليه وسلم-: أن يحصل لأمته، أرفع أنواع الشهادة، وهو: القتل في سبيل الله بأيدي أعدائهم- إما من الإنس، وإما من الجن".
(فتح الباري: ١٠/ ١٩٠).

وقال ابن حجر: "والطاعون لمُؤمِني هذه الأمة.. رحمة، وشهادة".
(بذل الماعون في فضل الطاعون: ٧٨).

خامساً: كانوا يعدّون الأمراض؛ مواسم، للتوبة والأوبة!
قال أبو الوفاء ابن عقيل: "الأمراض.. مواسم العقلاء؛ يستدركون بها ما فات من فوارطهم وزلاتهم، إن كانوا من أرباب الزلات، ويستزيدون من طاعاتهم، إن لم يكونوا أرباب زلات، ويعتدونها، إن خلصوا منها بالمعافاة.. حياة بعد الممات، فمن كانت أمراضه كذا؛ اغتنم في الصحة صحة، فقام من مرضه: سليم النفس والدين.
والكافر.. ينفق على الأدوية، ويعالج الحمية، ويوفي الطب الأجر، وليس عنده من علاج دينه خبر.. فذاك ينصرع بالمرض انصراع السكران، ويفيق من مرضه إفاقة الإعداد لسكر ثان".
(كتاب الفنون: ١/ ٤١٣).

والبلاء عندهم كالدواء.. يقول ابن القيم: "ابتلاء المؤمن، كالدواء له، يستخرج منه الأدواء، التي لو بقيت فيه، أهلكته، أو نقصت ثوابه، وأنزلت درجته، فيستخرج الابتلاء والامتحان منه تلك الأدواء، ويستعد به لتمام الأجر، وعلو المنزلة".
(إغاثة اللهفان: ٢/ ٩٣٥).


وأخيراً: الواجب على الجميع: الثقة بالله تعالى، وصدق التوكل عليه سبحانه، والتوبة والأوبة إليه، ومراقبته في كل خلوة وجلوة، والإكثار من فعل الطاعات والقربات، والابتعاد عن المعاصي والسيئات.

ويتوجب على الجميع: أن يتكافلوا ويتآلفوا ويتقاربوا ويتعاونوا ويتآزروا.. فيما بينهم، وكل يتفقد قريبه وجاره، ولنبتعد عن الأثرة والأنانية.
وإن فرج الله قريب.


وليد بن عبده الوصابي.
١٤٤١/٧/٢٣

الخميس، 16 أبريل 2020

رحيل المسند المعمر محمد إدريس الكاغاني:


رحيل المسند المعمر محمد إدريس الكاغاني:
#وفاة_علم
توفي اليوم الخميس ١٤٤١/٨/٢٣، مجيزنا المعمر محمد إدريس بن الشيخ السيد رسول الكاغاني الهزاروي.. عن مائة سنة ونيف.

ولد الشيخ -رحمه الله- سنة ١٣٣٥هـ في قرية راجوال، من أعمال هزاره في باكستان.

وأخذ التعليم الابتدائي من أبيه الشيخ السید رسول، وسمع "صحيح البخاري" و"جامع الترمذي" على شيخ الإسلام حسين أحمد المدني، و"صحيح مسلم" على العلامة إبراهیم البلیاوي، و"سنن أبي داود" على الشيخ إعزاز علي الأمروهي، و"سنن النسائي" على الشيخ عبدالحق نافع، و"سنن ابن ماجه" على المفتي رياض الدين، والشيخ أبي الوفاء الشاهجهان فوري.

واستفاد من العلامة عبيد الله بن الإسلام السندي، وحضر لدى الشيخ أحمد علي اللاهوري في دورته التفسيرية.

وهو من الرواة عن الشيخ محمد إلياس الكاندهلوي وغيره من أهل العلم والفضل والعلو.

واشتغل بالتدريس في مدرسة بـ "جهلم"، واستمر فيها مدة طويلة مع الإمامة في مسجد من مساجدها.

وقد أُجزت من الشيخ، بوكالة الشيخ ظهور أحمد الحسيني -كوفئ بالخير-، يوم الجمعة ١٤٤١/٧/١٨، عبر الماسنجر.

رحم الله الفقيد رحمة الأبرار، وأسكنه جنات تجري تحتها الأنهار.

ملاحظة: استفدت الترجمة من ترجمة منشورة للدكتور محمد أكرم الندوي لشيخه الكاغاني.

وليد بن عبده الوصابي.
١٤٤١/٨/٢٣

الاثنين، 13 أبريل 2020

دموع السَّحَر!

دموع السَّحَر!

بينا أنا في نوم متقطع (وكيف يهنأ المغترب بنوم؟)؛  وكنت على موعد مع عيش روحي، ولهو نفسي.. مع أهلي وولدي!

بينا أنا في هذا الجو المأزوم، إذ بي أسمع نشيجاً متهدجاً، لم أتبينه، ولم أكن أتحينه!
قلت: صاحبي مزكوم -شفاه الشافي، وعافاه المعافي، وداواه المداوي-!

انقلبتُ على جنبي الآخر؛ فسمعت حسيساً، وإذا به صاحبي، يقوم من فراشه الخشين، إلى الخلاء!

انتظرت، حتى رجع إلى مكانه؛ لأن جفني كان قد انفتح وأبى علي الإغماض!

قدّر البين بيننا فافترقنا *** وطوى البين عن جفوني غمضي

قد قضى الله بالفراق علينا *** فعسى باجتماعنا سوف يقضي


عاد صاحبي، ففاتحته وحادثته، وتكلمت معه وإليه، وإذا بصوته مبحوح، ثم قال: ذكرت أولادي؛ فنزلت دموعي!

وإذا سمعت نشيج نفسي بالدجى *** أبكي شباباً ضاع في السفرانِ!

عند سماعي كلمة (الأولاد)؛ استوفزت، وقمت متكئاً على مرفقي، وتذكرت نفسي المثخنة، وروحي المتعبة، وعيني المقرحة:

كلانا مريضان في بلدة *** وكيف يعود مريض، مريضا؟!

لكني، لم أقف مكتوف الأيدي، واجم الفؤاد، مخروس اللسان.. بل استحضرت كل ما قدرت عليه، من: مواساة ومؤاساة، وقصص ومواقف، وتجارب وأخبار.. حتى سلا صاحبي قليلاً..
وكيف له السلاء جميعه، وهو مفرّق الجسد، ممزع القلب، "خالي الوفاض، بادي الأنفاض"!

أيها الراكب الميمم أرضي *** أقرِ من بعض السلام لبعضي

إن جسمي، كما علمت، بأرضِ *** وفؤادى ومالكيه، بأرضِ!


وكأني به حينها، يودّ- لو أن له أجنحة؛ لطار بدون مطار، ولكن، لا جناح، بل ولا معير جناح!

أسرب القطا، هل من يعير جناحه *** لعلِّي إلى قد من هويت أطيرُ؟!

فلما كانت الليلة الثانية؛ زارته أشجانه أخرى؛ فأسالت دموعه، وأتعبت فؤاده، وأجهدت روحه، وأقضّت مضجعه، وأبلّت مخدعه!


آه، أما آن لك أيتها الأحزان.. أن تغادري مخدعنا.. أما آن لك أيتها الأشجان.. أن تفارقي مجمعنا.. أما آن لك أيتها الأتراح.. أن تصارمي مرتعنا؟!

ألا تكفينا الغربة، التي تجلدنا بسياطها الذفيفة.. ألا يكفينا الحجر، الذي عطلنا عن أعمالنا الحفيفة.. ألا يكفينا الضجر، الذي يلهب نفوسنا الشفيفة.. ألا يكفي ... ألا يكفي؟!

رباه، طال الأسى، وزاد القسى، وأنت -وحدك- المعاذ والملاذ؛ فاكتب لنا حياة: هنيئة مريئة، مريحة فريحة، بديعة وديعة، يا رب يا رب.

و ع ي
١٤٤١/٨/١٩

السبت، 11 أبريل 2020

ليتك ما جيت، وقعدت بالبيت!

ليتك ما جيت، وقعدت بالبيت!

هكذا قال له كثير ممن قابله، عندما سافر من بلاده، إلى بلاد أخرى؛ للعمل والرزق؛ وذلك قبل تمدد هذا الفيروس المستطير! (كفى الله المسلمين شره وضره وحره وجره)
فلما جاء المسكين؛ لم يقدّر له عملاً؛ إذ كان الحجز والحجر!

فكان أصحابه، كلما قابلوه.. أسمعوه هذه العبارة المصمة المحمة المغمة (ليتك ما جيت، وقعدت بالبيت)!

ومعنى كلامهم: لو أنك قعدت في بلدك، وبين أهلك وولدك، وحجزت نفسك ثَم!

فكان يجيبهم برضى واطمئنان، وكلمات ملؤها الإيقان والإيمان: لو كان اختياري المحض؛ لكنت نادماً، لكني استخرت ربي سبحانه وتعالى، "وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة"، و"والله يعلم وأنتم لا تعلمون".

إن ربي جل وعلا، (العظيم، العليم، الحكيم، الرحيم، الحليم، الكريم)؛ لن يقدر لعبده المؤمن (وأنا أرجوه) إلا الخير والتيسير، واللطف والتدبير، وإن ظُنّ بدءاً، أنه ليس كذلك.
(والشر ليس إليك) سبحانك، ما أعظم شانك.

إن أفعال الله سبحانه.. دائرة بين الرحمة والحكمة، فالرحمة: تكون ظاهرة للعيان، أما الحكمة: فقد تخفى عن عقل الإنسان؛ لضعف كنهها وإدراكها، ولكنها قد تتبين بعد أمد.

حارتِ الأفكار في حكمة مَنْ *** قد هدانا سبْلنا عزّ وجلْ

"فإن كل ما فعله الرب ويفعله.. لا يخرج عن العدل والحكمة، والمصلحة والرحمة".
(مفتاح دار السعادة: ٢/ ١١٠)

وكنت أرى الناس، حين سماعهم هذا الثبات- التي تتكسر عليه جماجم الشكوك، ورؤوس الاعتراض، وزوابع الشيطان؛ يسكتون ويعجبون، ثم يقولون: صدقت والله، هذا قضاء الله وقدره. 

"اللهم إليك خرجت، وأنت أخرجتني، وإليك جئت، وأنت جئت بي، وبفنائك أنخت، وأنت حملتني..
اللهم قلبي وناصيتي بيدك، لم تملِّكني منهما شيئاً؛ فكن أنت وليي، واهدني سواء السبيل، واقدر لي الخير حيثما كان، ثم رضّني به".


وكتب: وليد أبو نعيم
١٤٤١/٨/١٨



الاثنين، 6 أبريل 2020

رحيل الأديب الغيور اللوذعي اليلمعي علي بن عبد الله الواسعي

رحيل الأديب الغيور اللوذعي اليلمعي علي بن عبد الله الواسعي:

وفاة علم

قرأت اليوم الاثنين ١٤٤١/٨/١٣، نبأ وفاة الأستاذ الصحفي الطبيب الأديب الغيور اليلمعي علي بن عبد الله الواسعي.

مات -رحمه الله وغفر له-، نئياً قصياً عن البلد والولد.. فقد مات في دولة تركيا، بهذا الوباء الحال، فيروس كورونا! فـ "إنا لله وإنا إليه راجعون"، (إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى).

والأستاذ علي، من مواليد عام ١٣٤٩ / ١٩٣٠م بمدينة آنس، محافظة ذمار، منطقة جهران، في الجنوب الغربي من العاصمة صنعاء الشماء.

سكن العاصمة صنعاء، ولبث فيها، حتى عام ٢٠١٤م، فسافر، ولا يريد السفر، ولكن (مكره أخاك لا بطل)!

متزوج، وأب.. لثلاثة أبناء، وثلاث بنات -حفظهم الله ورعاهم، وجعلهم خير خلف لخير سلف-.

كان -رحمه الله- متشوفاً للعلم والمعرفة من صغره، فقد دخل الكتاب، ثم المدرسة العلمية، الذي درس فيها: الفقه، والعربية، والتفسير، وأصول الفقه، وأصول الدين.

وكان -رحمه الله- متشوقاً؛ ليرى المدارس والجامعات العملاقة في بلده الذي عاش ردحاً من الزمن، في منأى عن العالَم الخارجي!
قلت: (وفي هذا خير وشر، ليس المكان محل تفصيله).

وكان يسعى بجده وكده؛ ليخرج بلده الحبيب (اليمن السعيد) من وهدة رقاده، والرجوع له إلى سالف مجده وأمجاده.

أسس مجلة الإرشاد؛ لتكون نبراساً وضاءاً، ومقباساً وقاداً، للجيل اليمني المثابر، وظل رئيساً لتحريرها مدة (١٢) اثني عشر عاماً.

ثم أسس مجلة النور، ثم مجلة التحرير؛ لنفس الهدف العلمي، والسمو الروحي.

وكتب مقالات أسبوعية متفرقة ومتنوعة، في بعض الصحف اليمنية، منها: الصحوة ـ الوحدة ـ الميثاق ـ ٢٦ سبتمبر.

ثم عمل بوازارة الصحة، مديراً عاماً للصحة الوقائية، بعد ابتعاثه عام ١٩٦٦م، لدوارت صحية، إلى دمشق الفيحاء.

ثم انتقل إلى العمل الإعلامي، فعمل في إذاعة صنعاء، فكان مشرفاً على البرامج، وكان يكتب ويقدم بعض البرامج، كبرنامج "أضواء على الدّستور" و "جريدة الصّباح" و "الأسرة" كما أنشأ برنامج "فتاوى".

ثم عمل في المجلس الوطني، ثم تسلم نائباً للأمين العام، لمجلس الشورى.

وخلّف تراثاً مطبوعاً ومخطوطاً، من ذلك:
-جمع مذكرات العزي صالح السنيدار، وطبعت، باسم (الطريق إلى الحرية).

-كتاب عن رحلاته إلى أوربا وأمريكا وأندونيسيا وباكستان.

-حوار مع ملحد.

-بحث عن المرأة.

-تأملات مجنون.
ويقول عن هذا الكتاب: "الإنتاج الذي أعتز به أكثر من غيره؛ هو "تأملات مجنون"؛ وذلك لأنني مررت بحالة فقدت فيها وعيي، وفي نفس الوقت كنت أشعر بأن حالتي غير طبيعية.. وبعد أن شفيت -والحمد لله- صوّرت كل ما مر بي في تلك الحالة".

أقول: ولكن، يلفّك العجب، ويحفّك الغرب.. حين أن تبحث عن ترجمة واسعة للعالم العامل؛ فلا تجد إلا نتفاً وأفتات، من مقالات ولقاءات!
ثم تتلفت أخرى، إلى تراثه- من مقالات ومؤلفات؛ فلا تظفر منها، ولو بلمظة ولا ومضة!

وللأسف، كم في بلدان العالَم من علماء فضلاء، وأشياخ نبلاء، ولكنهم في غياهب النسيان، وفي سباسب السهوان، لا سيما بلدي الحبيب، المسكين اللهيب، المغلوب على أمره: قبلاً وحالاً، فهم دوماً- في رزوح أو نزوح!
فـ "إنا لله وإنا إليه راجعون"، و (لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم).

وكان - مترجمنا الفقيد-؛ يسوؤه ما يرى من تخلفات ومخالفات ما بعد الثورة اليمنية، فاسمعه يقول: "الذي تحقق من الآمال؛ "الثورة" على الوضع الذي كنا نعيش فيه.. أما الذي لم يتحقق بعد؛ فهو تنقية الثورة مما لحق بها.. وما زلنا نجاهد لكي يعود لها وجهها الإسلامي المشرق".

وكان صاحبنا؛ أديباً إسلامياً خالصاً، كارهاً للحداثة والتغريب، فانظره عندما سئل:
"كيف تنظرون إلى رافعي راية الحداثة في الأدب، وماذا تقولون لهم؟
فأجاب: يكفي في الرد عليهم:
-أن دعوتهم منقولة من الغرب حرفياً، وليس فيها من العربية غير الكلمات العربية!
-كما أنها، ليست مجرد مذهب في الأدب -كما يزعمون- بل إنها تُخفي وراءها، هدفاً لكل مقوماتنا.. إنها واحدة من الحركات الهدامة التي ابتلينا بها منذ زمن بعيد".

واقرأه، -مبيناً حيز الحرية المزعومة-: "هناك دائرة، من تعداها لا يقبل منه ذلك، أما ضمن هذه الدائرة- دائرة الإسلام وثوابه، فكل رأي يدخل ضمن الاجتهاد.. ولكن هؤلاء يريدون القفز فوق الإسلام، ويريدون أن يسمع لقولهم.. مع أن الحرية المطلقة التي لا قيد عليها قط؛ ليست إلا خيالاً، ومَن يتغنون بذلك ليس عندهم هذه الفوضى بل هناك قيود يقفون عندها".

وكان -طيب الله ثراه-؛ لا يهادن في الدين، كما يفعل بعض الرقعاء، أو يهاود في القيم، كما هي تراخيص الرخصاء، رغم سفره إلى دول غربية عديدة.

وما أعظم موقفه ذاك، مع المرأة الغربية، التي مدّت يدها لمصافحته، أمام جمع من الناس؛ فرفض مصافحتها بلطف واحترام، مكتفياً رد السلام بالكلام؛ مبيناً لها، أن دينه يحرم عليه ذلك!
فغضبت أولاً، فلما علمت صلابته وصرامته؛ أكبرته وأعظمته!

قلت: وتالله، إنه لموقف يعجز عنه الكثير.. فعندما تقرأ، سير أو مذكرات بعض الأدباء؛ تصك سمعك، وتقذي عينك، تيك العلاقة الخسيسة التعيسة بينهم وبين نساء أحنبيات، وربما كان أمام أزواجهن!
وعندي أمثلة على ذلك وشواهد، لكني أطوي عنها كشحاً:

سيعيد الله كلاً منهمُ *** وسيجزي فاعلاً ما قد فعلْ
"ذلك بما قدمت أيديكم" و(والله الموعد).

بل لا يكتفي بعضهم بالعجز والضعف والخور، بل يمضي يدلل ويعلل، ويسوغ ويفرغ لموقفه المحرم المذمم!
وهذا لعمري، من الخذلان؛ أن تفعل معصية، ثم تدافع عنها!

وفي هذا المقام، أذكر موقف الشيخ الأديب الغيور علي الطنطاوي، عندما كان يحلق لحيته!
قال: "أما حلق اللحية؛ فلا والله ما أجمع على نفسي بين الفعل السيء، والقول السيء، ولا أكتم الحق؛ لأني مخالفه، ولا أكذب على الله، ولا على الناس.
وأنا أُقر على نفسي، أني مخطئ في هذا، ولقد حاولت مراراً، أن أدع هذا الخطأ، ولكن غلبتني شهوة النفس، وقوة العادة، وأنا أسأل الله أن يعينني على نفسي حتى أُطْلقها"، ثم علق في الحاشية، قائلاً: "وقد أعانني، فله الحمد".
(مع الناس: ١٧٧)

ربما، أطلت، وخرجت عن الهدف والقصد من السيرة، ولكنها زفرة غريب، في زمن عجيب؛ لأنه قلّ وندر- أن ترى أديباً متديناً!
نعم، وللأسف، قلما تلد الأمهات مثل فقيدنا الغيور: علي الواسعي؛ نفرح به ونأنس، وعلى كلٍ، فالله حافظ دينه، أياً كان أهله.

وإنك قارئ -أيها القارئ-، في سحنته؛ الصدق والصلاح، والسداعة والوداعة مع الصلابة والصداعة، وغزر النظر، وثقب البصر..

ولا أدري، لمَ تذكرني صورته، بشيخي الأديب المحقق: عبد الرحمن بن عبد القادر المعلمي -حفظه الله وأعزه-؟ ربما؛ لتقاربهما، في: الشبه الحسي والمعنوي، وفي الأدب، والهدوء، والتؤدة، والعمل بصمت، والبعد عن الأضواء، والغيرة على التوحيد والأعراض.

ملاحظة: استفدت ترجمة الفقيد، من بعض المقالات واللقاءات معه، ومن مقال الدكتور الفاضل أحمد بن محمد الجهمي المصباحي -وفقه الله-.

أسأل الله تعالى، أن يرحم هذا الغيور الفاضل، وأن يسكنه بحبوحة جنته، وأن يشفي أهله وذويه، ويلهمهم السلو والصبر، ويجزل لهم الفضل والأجر.

وكتب: وليد بن عبده الحطامي الوصابي.
١٤٤١/٨/١٣