الاثنين، 17 فبراير 2020

تكافلٌ ولو بالدعاء!

تكافلٌ ولو بالدعاء!

بينا أصلي إحدى الصلوات؛ إذ سمعت في سجودي، بصوت خافت، رجلاً يقول: اللهم ارفع عنا ما نحن فيه!
وسبحان الله، عندما سمعته، دعوت بما به دعا، فله الأجر والثناء.

ثم قلت: لو أن كل فرد في اليمن، بل كل مسلم في العالَم = يدعو بهذا الدعاء لعموم المسلمين؛ لحصل الخير، واندفع الشر والضير؛ لأن دعاء المرء لنفسه، غير دعائه لغيره، خصوصاً ما تمر به بلاد الإسلام، من بلاء ووباء، لا سيما بلادي المنكوبة المنهوبة المغلوبة!

وللأسف، نحن اليمنيين، نعيش بين نارين:
-نار الفقر والقصف والحرب والمرض في الداخل!
-ونار التشريد والتجريد والتنغيص والمطاردة والمداهمة في بعض دول الخارج!

تخيلوا، الآن، وأنا أمشي في شارع فسيح عريض.. رأيت موقفاً، قفّ له شعري، وأوقفني مكاني، والله حقيقة، وقفت له وتوقفت!

رأيت امرأة محجبة مجلببة.. يبدو من ملامحها الظاهرة، أنها في العقد الثالث أو بداية الرابع.. رأيتها نائمة على رصيف الشارع، وأمامها طفليها الصغيرين، الذيَن لم يتجاوزا العاشرة تقريباً، وهم في نوم عميق، لا شك أنه في نظرهم عميق وهنيئ.. نوم هنيئ؟!
مساكين، لا يعلمون، أن أمهم في عذاب ممزق، وحياء محرق، ولكن:
وللضرورات حال لسن ندريه!

أرسلت صديقي؛ ليعطيها شيئاً ما، قال لي: إنها نائمة!
قلت له: اقترب منها، ونادها؟ ففعل.. فقامت -المسكينة- مذعورة من غفوتها، وناولها ما بيده.. فأخذته بكفها المرتعش، ورجعت لحالها الأول.. واضعة كفها تحت خدها، وذهبت تناجي نفسها، فهي خير صديق!
وخير لها -والله- من دنيا الزيف والكذب، والملق واللعب!

لا أكتمني، ولا أكتمكم.. أن حالها، لم يغادرني إلى لحظتي هذه، ولكن ما بوسعي أن أصنع، سوى ما صنعت!

وأجدني تالياً، قول ربي سبحانه، بملء فيّ، وعرض شدقي: "ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون".. بلى والله، منتقم في الدنيا، قبل الأخرى!

أخشى والله، (ولا نتمناه لأخواتنا المسلمات أياً كن، وحيث كن)، ولكنه سيكون، إن استمر هذا الظلم والهزء والذل!
أقول: نخشى أن نرى هذا الموقف المقض الممض، في بعض ديار المسلمين، الذين يصبحون ويمسون في بذخ شادخ، وسرف صارخ، وقد يكونون من الساخرين من هذه المرأة، ومن في مثل حالها، أو من الساكتين عن شأن غيرهم، وكأنه لا يعنيهم!
والله سنراه!

وقد رآه بعض آبائنا وأجدادنا.. رأوا ما هو أشنع وأفظع، وما هو للحياء أقطع، من هذا المنظر!
رأوا نساء شابات، قد غرزن أنفسهن استياء، وتذرعن بملحفتهن حياء، وهن يتسابقن إلى رجال ...؛ ليطحنوا لهم حبوب الذرة أو القمح؛ كفاء أكلة يأكلونها مع أهليهم!
نعم، والله، هذا ما حُدثته وأخبرته ممن شاهد هذا الموقف من نساء بلاد، هي اليوم في ذروة الثروة، أفلا يخشى من الدوران والدولان؟!

وما أشبه الليلة بالبارحة، ها نحن نرى إشارات واضحة، للعودة إلى ذاك الماضي المهين، ولا غرابة، فـ "إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين".

فيا أهل اليمن: ازدادوا استقامة فوق استقامتكم.. نعم، المساجد -بحمد الله- ممتلئة، والنساء متحجبة، والرحمة موجودة، ولكن: نتمنى الأحسن والأفضل، والأعلى والأكمل.

قال الشيخ حماد الأنصاري: "أهل اليمن، هم العرب حقاً، ولا نظير لهم في الأخلاق. 
وما وصفهم به النبي صلى الله عليه وسلم، بقوله: (الإيمان يمان، والحكمة يمانية)؛ لم يوصف به عربي قط".
(المجموع: ٦٩٣/٢).

ويا أهل اليمن.. ويا أهل الإسلام: عليكم لزوم طاعة ربكم، وطاعة رسولكم عليه الصلاة والسلام، ولازموا المراقبة للرقيب جل وعلا، وألّحوا على ربكم الرحيم الرحمن المتعال، بالدعاء والتضرع والابتهال.. فوالله، ليفرجن عنكم، وليفتحن لكم أبواب الأرض والسماء، فأبشروا وأمّلوا، وتفاءلوا بالخير؛ تجدوه.

وكتب: وليد أبو نعيم.
ح ي ١٤٤١/٦/٢٣



الجمعة، 14 فبراير 2020

زيف ما يسمى: عيد الحب!

زيفُ ما يسمى: عيد الحُب!

إن الاحتفال، بما يسمى: عيد الحب.. روماني جاهلي بهيمي بوهيمي، وُضع من أساسه لقس كافر زان، مسرف في هذا الشان، يسمى: فالنتاين، فحكم عليه بالإعدام في ١٤ فبراير، عام ٢٧٠ ميلادي!

فلما أُعدم، وضعوا له يوماً، تخليداً للزنا، وترسيماً للبغا، ولا زال يحتفل به الكفار، ويشيعون فيه الفاحشة والشر، والفحشاء والمنكر.

وهذا غير بعيد على أولئك البهم النهم؛ فقد أمضوا حياتهم كالأنعام، بل هم أضل سبيلاً "أوليك كالأنعام بل هم أضل سبيلا" "أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون" فهم لا يأنفون عن قول أو فعل، مهما عظم وضخم وفخم، ولا يستنكفون عن إعراء الأجساد، وإغراء الأطماع، وإلهاب الأسماع، وإمتاع الأبصار وافتضاض الأبكار، وعبادة الشهوات؛ لأنهم "ضل سعيهم في الحياة الدنيا" و"ليس لهم في الآخرة إلا النار" "فقد "ضل سعيهم في الحياة الدنيا" "وقد خاب من حمل ظلما"

لكن الغريب جداً.. أن يحتفل بهذا الحفل الماجن الآجن، العفن النتن.. بعض المسلمين، الذين يؤمنون بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً!

كيف يحلو لهم.. أن يشاركوا أعداء الإسلام، في هذا الحفل الإباحي .. وكيف يطيب لهم تبادل الورود الحمراء .. وكيف يفرحون بلبس وإلباس الملابس النكراء؟!

إن ما يسمى، بـ عيد الحب.. هو عيد النصارى والكفار، ومن وافقهم ورافقهم، ولا يجوز لنا نحن المسلمين؛ أن نسميه عيداً؛ لأن اللفظة شرعية توقيفية، فلا يجوز وضعها في مسمى آخر، ولا يجوز تقليدهم، ومجاراتهم، ففي ديننا ما يغنينا ويكفينا ويحمينا ويشفينا.

قال ابن تيمية: "الأعياد من جملة الشرع والمنهاج والمناسك، التي قال الله سبحانه عنها: "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" وقال: "لكل أمة جعلنا منسكاً هم ناسكوه" كالقبلة والصلاة والصيام، فلا فرق بين مشاركتهم في العيد، وبين مشاركتهم في سائر المناهج، فإن الموافقة في جميع العيد، موافقة في الكفر، والموافقة في بعض فروعه، موافقة في بعض شُعب الكفر، بل الأعياد، هي من أخص ما تتميز به الشرائع، ومن أظهر ما لها من الشعائر، فالموافقة فيها، موافقة في أخص شرائع الكفر وأظهر شعائره، ولا ريب أن الموافقة في هذا قد تنتهي إلى الكفر في الجملة".
(اقتضاء الصراط المستقيم: ١/ ٢٠٧)

وقال أيضاً: "لا يحل للمسلمين.. أن يتشبهوا بهم، في شيء مما يختص بأعيادهم، لا من طعام، ولا لباس، ولا اغتسال، ولا إيقاد نيران، ولا تبطيل عادة من معيشة، أو عبادة أو غير ذلك، ولا يحل فعل وليمة، ولا الإهداء، ولا البيع بما يستعان به على ذلك؛ لأجل ذلك، ولا تمكين الصبيان ونحوهم من اللعب الذي في الأعياد، ولا إظهار الزينة.
وبالجملة، ليس لهم أن يخصوا أعيادهم بشيء من شعائرهم، بل يكون يوم عيدهم عند المسلمين كسائر الأيام، لا يخصه المسلمون بشيء من خصائصهم".
(مجموع الفتاوى: ٢٥/ ٣٢٩)

وقال الذهبي: "فإذا كان للنصارى عيد، ولليهود عيد.. كانوا مختصين به، فلا يشركهم فيه مسلم، كما لا يشاركهم في شرعتهم، ولا قبلتهم".
(تشبه الخسيس بأهل الخميس: ٤/ ١٩٣)

وربما جرى من البعض: الخروج مع امرأة أجنبية، أو الكلام، أو التواصل والتراسل والتعاضل والتناسل!
ولا قوة إلا بالله، هو ملاذنا ومعاذنا.

وأسفي والله.. أن يحتفل مسلم أو مسلمة، بأعياد النصارى، الذين ليس لهم من وطر إلا متعهم الدنيوية، ولا يدينون بشيء، حاشا الانفلات من ربقة الالتزام، والتخلي عن أزمّة الاحتكام.

والمحتفلون بهذا الاحتفال.. مخالفون لنبيهم صلى الله عليه وسلم، فعندما جاء إلى المدينة، ووجد أهلها يلعبون في يومين، هما من أعياد الجاهلية، قال: (إن الله قد أبدلكم بهما، خيراً منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر).
رواه النسائي، وابن حبان بإسناد صحيح، عن أنس رضي الله عنه.

قال الحافظ ابن حجر: "استُنبِط منه: كراهة الفرح في أعياد المشركين، والتشبه بهم، وبالغ الشيخ أبو حفص الكبير النسفي -من الحنفية- فقال: مَن أهدى فيه بيضة إلى مشرك، تعظيماً لليوم؛ فقد كفر بالله تعالى".
(فتح الباري: ٢/ ٤٤٢)

والعجيب: أن من يزعم هذا الحب الواهم الهائم.. قد قتلَنا وشردنا وفرقنا وشتتنا وحاصرنا وعاصرنا، وأذاقنا الويلات، وجرعنا الصابات، وأكثر المحتفلين، في صمم أو عمى عن هذا الحق، "ولكن أكثرهم للحق كارهون"!

وإن الاحتفال بما يسمى: عيد الحب.. انهزامية روح، وضعف إيمان، وصغر نفس، وخور طبع، وانجرار وراء الغرب في كل ما يفعلون (حتى لو دخلوا جحر ضب، لدخلتموه) رواه البخاري ومسلم، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

أنترك الشرع الحنيف، ونتجه خلف كل خليف، ونلهث نحو كل عجيف؟!
اللهم براءة من صانعيه، وتبرؤاً من حافليه، وهذه الصيحة "معذرة إلى ربكم"

فحذار حذار، من هاته الاحتفالات الشائنة، والحفلات الخائنة، فإن فساد الظاهر، دليل على فساد الباطن، (والألسنة، مغاريف القلوب) و(كل إناء بما فيه ينضح) وإذا ثبت الإيمان في القلب، ظهر على الجوارح الطاعة والانقياد) فتنبهوا وانتبهوا ونبّهوا..

وكتب : أبو نعيم وليد الوصابي
١٤٤١/٦/٢٠

 

الخميس، 13 فبراير 2020

خصال شتى في رجل فذ!(أبو إسحاق الحويني)


خصال شتى في رجل فذ!(أبو إسحاق الحويني)

الشيخ المحدث أبو إسحاق الحويني.. ممن قذف الله حبه في قلوب خلقه، فلا تكاد تجد رجلاً، إلا، ويذكره بالخير، ويثني عليه الجميل، ويتشوف لسماع حديثه العذب، المؤسس، بالآية والحديث، والممزوج، بالنكتة المحبوكة، والبسمة المفكوكة!
ولعل هذا الحب.. هو نتيجة دعائه، بـ (اللهم حببني إلى قلوب عبادك)!

والشيخ -كلأه الله-، ممن إذا رأيته؛ ذكرت الله، وذكرك بالله تعالى.. فهو منور الشيبة، مشرق الجبين، براق الثنايا، بسام الثغر.

وهو -شفاه الله-، للأمراض مزُور.. حتى بترت قدمه، وأرجو الله، أن تكون سبقته إلى الجنان.
ووالله، إني في ألم شديد عليه، لترادف أمراضه، وتعكر صحته، ولكنه، مع هذا، تجده صابراً محتسباً -حسب ما ينقل عنه، وهذا هو الظن بأهل العلم والعمل- فلا يكاد يشفى من سقم، ونبشر بتماثله للشفاء، إلا وينمى إلينا أخرى: أن الشيخ أدخل المستشفى! فـ "إنا لله وإنا إليه راجعون" ولا أظن هذا؛ إلا رفعة لدرجاته، وحطاً لسيئاته. -شفاك الله -شيخي -وإن لم ألزم ذاتك، فقد لزمت كتبك، ثم سمعت دروسك ومواعظك.
أسأل الله أن يرفعك إلى العافية، ويمسح عليك بيمينه الشافية.

وقد أعجبني في الشيخ خصال كثيرة، منها: سهولته في كلامه، وبسمته التي لا تكاد تفارقه، وحنوه ودنوه من الناس، ورفقه بالعوام، حتى أني سمعته يقول: (كل صفة نقص في المدعو، لا بد أن يقابلها صفة كمال في الداعية؛ وإن لم يكن كذلك؛ فليترك الدعوة، وليرحنا)!

والشيخ -شفاه الشافي- شديد التتبع لرسول الله عليه الصلاة والسلام، سمعته يقول: (أقول لكم عن تجربة، وأوصيكم بذلك-:
(من يوم أن عقلت، وعرفت يميني من شمالي؛ وأنا كلِفٌ غاية الكلَف بتتبع حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبحث عنها بالمنقاش)!
حتى أنه يذكر: أن هذا الاقتداء، جعله بعيداً عن الخصومات حتى بينه وبين زوجته.
وذكرني، بقول أبي عبد الله محمد بن خفيف: (ما سمعت شيئاً، من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا واستعملته حتى الصلاة على أطراف الأصابع، وهي صعبة)!

تلمس في الشيخ -عافاه الطبيب- تبحره في العلوم الشرعية بما فيها الأدب -الذي قلّ أن يجتمع أديب ومحدث-، أما علم الحديث؛ فهو جدوله ونهره وبحره ومحيطه!

والشيخ كثير الاستطراد في دروسه؛ فلا تسمع له درساً إلا وتخرج بفوائد جمة، ونصائح مهمة، ودرر نفيسة، وهمة كيسة، مع نكتة محببة، بلهجة قريبة، وبسمة حبيبة..

سمعته وهو يذكر حديث جابر، وقول الرسول عليه الصلاة والسلام، له: (هلاّ بكراً؛ تلاعبها وتلاعبك) كما في البخاري.
قال الشيخ: وفي رواية للطبراني: (وتعاضضها وتعاضضك)!
ثم قال الشيخ: الرواية ضعيفة؛ واحنا مش عاوزين مشاكل، تجي واحدة تشتكي، أن زوجها عضها! خلاص بأ، الرواية ضعيفة!

والشيخ -أقامه الله- شديد التتبع لأحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وآثار الصحب الكرام، والتابعين الفخام، ولا يكاد يجاوزهم..

ولعلك تعجب، إن سمعت منه، وهو يقول: إني منذ سمعت قول الرسول عليه الصلاة والسلام: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)؛ وأنا شديد التتبع لآثار هذه العصور، ولا أكاد أخرج عنهم! -أو كما قال -شفاه الله-.

ترى في كلامه الحبك والسبك، كأنما يحفظه عن ظهر قلب.

ترى فيه -حفظه الله- طرح التكلف تماماً، والأخذ بما سهل ويسر.

ترى فيه، آثار العبادة والطاعة، والخوف من الله مع رجائه سبحانه وتعالى.

ترى فيه، وتسمع منه.. خشية الله تعالى، والخوف منه، والنأي عن الألقاب الدنيوية، وقد اشتهرت عنه، مقولته (اخلع نياشينك)!

الشيخ وجل القلب، غزر الدمع، ولكن دون شهيق، وهذا هو بكاء القلب!

الشيخ كثير الثناء للسلف الصالح، والعلماء السابقين، والترحم عليهم، والاقتداء بهديهم، ولزوم غرزهم.
وهو شديد التواضع للعلماء المعاصرين، حتى وإن كانوا في أسنانه!

لم ألتق الشيخ قط، ولكني أحبه .. أحب علمه .. أحب خلقه .. أحب رفقه .. أحب بسمته .. أحب نهمته .. أحب قربه .. أحب تواضعه .. أحب حرصه .. أحب دعوته .. أحب فيه خصال الخير والفضل والنبل..
وأتمنى -حقيقة- أن أتشرف بلقيّه، وأرتشف من معينه، وأكتسب من رصينه، وأكرع من نميره، وأعل من مصبه.. -يسر الله لي لقاءه، ولقاء أهل العلم العالمين العاملين النابهين النابغين-. رب أجب واستجب.

وقد قرأت له -شفاه الشافي- كثيراً من تحقيقاته الرصينة، وتواليفه المتينة، كـ تحقيقه، لـ "الديباج" للسيوطي، وغير ذا من الأجزاء الفخيمة، والأسفار القديمة، وتأليفه، لـ "غوث المكدود" و "النافلة" و"نهي الصحبة" و"بذل الإحسان" و"تنبيه الهاجد" فكنت أعجب من طول تخريجاته للحديث، خصوصاً في "نافلته" وكيف استطاع، أن يحصل على تيك الأجزاء والمشيخات، التي الكثير عنها بمعزل، ولكن يزول عجبي، عندما علمت عن شغف الرجل بعلم الحديث، وتتبع آثاره، وحرصه على التزود والتروي والتشبع والتنهل حتى نهل وعلّ، ثم كرع..

اعذروني؛ لم أقصدها، وإنما هي جرة قلم!

كتبه من طرف الثمام: أبو نعيم وليد الوصابي.
١٤٤٠/٥/٢٢

#أمالي_رمضانية
#أنابيش_الكنانيش
https://t.me/walidabwnaeem


الأحد، 9 فبراير 2020

عندما يُذَلّ العزيز!

عندما يُذَلّ العزيز!

رجعت الآن من المسجد.. مرّ بجواري رجل طويل القامة، نحيل الجسد، في الأربعين من عمره المرير- تقريباً.. حملق إلي وشزرني، فارتبت منه، لا سيما في هاته الأيام، ثم سألني سؤالاً غريباً، لم أفطن له!

دخلت البيت، وإذا بطارق يطرق الباب! قلت: اللهم طارقاً يطرق بخير!
خرج أبو النعائم، فوجد رجلاً، قال له: أريد أبا نعيم، خرجت، وإذا ذات الرجل، بيده ورقة؛ فرابني منه ما راب، وأخذني ما ناب وجاب!
قال لي -وهو منكس رأسه-: اقرأ، أنا فلان بن فلان، أسكن بالقرب منك!

أخذت الورقة، وانزوى الرجل في زاوية! قرأتها، وإذا فيها، شكوى ممضة، وحكاية مقضة.. يخبرني فيها، بـ: أنه أستاذ في (مدرسة ...) وهو أب لبنين وبنات، وللدهشة؛ لم أتبين عددهم!
يقسم بالله العظيم؛ أنهم لم يذوقوا طعاماً، منذ الصباح!

مشيت نحوه، وأنا مثقل الخطى، كسير الحال، مبلبل البال!
سلمت عليه، وأنا أسترجع وأحوقل، وإذا بالرجل يبكي بانتحاب! 
نعم، يبكي بكاء دموع!

بكيت لبكائه، وشجوت لشجوه، ونكست رأسي نحو الثرى، وشعرت بأني، أنا الذليل، وناولته نزراً نزيراً، على قدر الوسع والفسح!

حينها، تذكرت ما وجدته في بعض كتب الأدب: قبح الله الضرورة، فإنها توقح الصورة!
وزدت أنا: قبح الله الحاجة؛ فإنها ترقق الديباجة!

وقد صور هذا المعنى؛ عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، فقال:
ألا قبح الله الضرورة، إنها؛ *** تكلّف أعلى الخلق، أدنى الخلائقِ!

وسبحان الله، قبل أن أقرأ محتوى ورقته.. قرأت في صورته: الفقر والفاقة، مع صدق ووداعة.. ولما دخلت البيت؛ سألت عن اسمه وسكنه؟ فأخبرت بتطابق ما خط وكتب. 

أقول: إن هذا الموقف، ليس بقصي عن أي فرد في العالَم، ولا نئي عن الخلق أجمعين؛ لأن دوام الحال من المحال، والأيام دوارة، والدنيا في تداول، والدهر قلّب! "فاعتبروا يا أولي الأبصار".
يا نفس كوني على الأهوال صبارة *** هذي صروف الدهر، والأيام دوارة

إن هذا الأستاذ الفاضل، لم يخطر بباله.. أن يصل إلى هذا الحال، فهو موظف لدى الحكومة، وكان يستلم راتباً شهرياً، يكفيه ذل الحال، ويقيه حر السؤال!
ولكن، الغلاء في سعار، والراتب متوقف أو شبهه، والحرب في ازدياد وأوار!
كلما قلنا: عساها تنتهي؟ *** قالت الأيام: هذا مبتداها! 

لم أسطع الكتْب؛ لفدح الخطب، واضطراب القلب، واستيلاء الكرب؛ لذلك، اُرتج علي، فتناثرت الكلم، واختلطت العبارات.. فجاء كلامي فدْماً عياً سمجاً.. ولكن يكفيني: صدق الشعور، وتصوير الموقف، ووصول الهدف.
وأختم، بـ "إنا لله وإنا إليه راجعون" هو وحده المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.

وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي.
١٤٤١/٦/١٥ الساعة الثامنة مساء، بـ ح ي.

الجمعة، 7 فبراير 2020

إزالة الغابشة في تعيين والد فاطمة وعائشة! أو: إزالة القاتمة في تعيين والد عائشة وفاطمة!


إزالة الغابشة في تعيين والد فاطمة وعائشة!
أو
إزالة القاتمة في تعيين والد عائشة وفاطمة!

كثيراً ما يمر بي في كتب التراجم والمشيخات، والبرامج والأثبات.. ذكر المسندتين الكبيرتين: فاطمة وعائشة ابنتا محمد بن عبد الهادي!

وكنت أظن آنذاك، أنهما ابنتا الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي.. بناء على أن حذف بعض أسماء الآباء من التراجم، من المتعارف، لا سيما إذا كان المحذوف مغموراً، والمثبت مشهوراً.

أقول: هذا ما كنت أحدس، ثم تاقت نفسي أن أتثبت من غور ذلك، وأقف على كنه ما هنالك.
فبدأت بحثي، ولكني فوجئت أني لم أجد -حسب اطلاعي- على من اسمها (فاطمة و عائشة) بنت محمد بن أحمد بن عبد الهادي!
فأدركت حينها، أن أباهما آخر، غير صاحبنا الشمس الحافظ الإمام!

وما يوقع في الإشكال، هو: تطابق اسم والدهما باسم صاحبنا، ثم زيادة اسم أحمد، ثم اتفاق نسبيهما تماماً؛ لأنه عمه!

فالحافظ، هو: شمس الدين، أبو عبد الله، محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن قدامة المقدسي الحنبلي  الجماعيلي.

ووالد المحدثتين، هو: شمس الدين، أبو عبد الله، محمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن قدامة المقدسي الحنبلي  الجماعيلي.

ثم وجدت ما يزيح اللثام، ويزيل الركام..
قال تقي الدين محمد بن أحمد الحسني الفاسي، تـ٨٣٢، -في ترجمة والد الشيختين-: "وهو والد شيختينا: فاطمة، وعائشة".
ينظر: (ذيل التقييد: ١/ ١٦٨).

وقال أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني، تـ٨٥٢، -وهما شيختاه-: "فاطمة بنت محمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي المقدسية ثم الصالحية، أم يوسف، كان أبوها محتسب الصالحية، وهو عم الحافظ شمس الدين ابن عبد الهادي ...".
قلت: فبان أن الحافظ ابن عبد الهادي، ابن عمهما.
وكأنهما -الفاسي والعسقلاني- حدسا إلى لبس وغموض، فأكدا ووكدا.
وقد رويا غليلي، وشفيا عليلي، فجزاهما الله خير الجزاء وأوفاه، وأجزله وأكفاه.

ثم بعد هذا الكشف من الحافظين الماهرين.. عدت إلى التاريخ (والتاريخ: كشف وكاشف وكشاف) ولم أتنبه وقتها، للتاريخ؛ اكتفاء بالشهرة!
فوجدت أن فاطمة قد ولدت سنة ٧١٩، وولادة عائشة كانت سنة ٧٢٤، والشمس الحافظ ابن عبد الهادي، ولد سنة ٧٠٤!
أي: عندما ولدت فاطمة، كان عمر الحافظ خمسة عشرة سنة، وحين ولادة عائشة، كان عمره عشرين سنة!
فكان رواء أنفع للغلة، وشفاء أنجع للعلة!


وهذه ترجمة مختصرة لكل منهما، ولوالدهما:
أما الوالد..
فهو: شمس الدين، أبو عبد الله، محمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن قدامة المقدسي، محتسب الصالحية، وبهذا عرف وشهر.

سمع على الفخر علي بن أحمد بن عبد الواحد مشيخته، تخريج ابن الظاهري.
ومات سنة تسع وأربعين وسبعمائة، ٧٤٩.
ينظر: (ذيل التقييد: ١/ ١٦٨) و (الوفيات: ٢/ ٦١) لابن رافع.


وأما فاطمة..
فهي: فاطمة بنت محمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسية ثم الصالحية، أم يوسف.

ولدت سنة تسع عشرة وسبع مئة، (٧١٩) وسمعت الكثير على أحمد بن أبي طالب الحجار، وأجاز لها أبو نصر ابن الشيرازي، ويحيى بن سعيد وآخرون من الشام، وحسن الكردي، وعبد الرحيم النشاوي وآخرون من مصر.

قرأ عليها ابن حجر كثيراً من الكتب والأجزاء بالصالحية.
قال: "ونعم الشيخة كانت، ماتت في شعبان، سنة ثلاث وثمانمائة، (٨٠٣) وقد جاوزت الثمانين".
ينظر: (إنباء الغمر: ٢/ ١٨٠) و (المجمع المؤسس: ٢/ ٣٥٠).


وأما أختها..
فهي: عائشة بنت محمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد ابن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسية ثم الصالحية.

ولدت سنة أربع وعشرين وسبعمائة، (٧٢٤) وأحضرت في الرابعة على أحمد بن أبي طالب الحجار، وسمعت عليه أربعي الطائي، وأربعي الحجار وغير ذلك، وأسمعت صحيح مسلم على جماعة من أصحاب ابن عبد الدائم، ومعظم السيرة على عبد القادر بن الملوك.

وشاركت أختها فاطمة في كثير من المسموعات والمجازات، وتفردت، وممن أجاز لها: إبراهيم بن صالح بن العجمي من حلب، والشيخ شرف الدين البارزي من حماة، والبرهان الجعبري من بلد الخليل، وعبد الله بن محمد بن يوسف من نابلس، وسمع منها الرحالة فأكثروا، وكانت سهلة في الإسماع، سهلة الجانب. ومن العجائب: أن ست الوزراء كانت آخر من حدثت عن ابن الزبيدي بالسماع، وماتت سنة ست عشرة وسبع مائة. (٧١٦)
ثم كانت عائشة.. آخر من حدثت عن صاحب (ابن الزبيدي) أبي العباس الحجار بالسماع، وبين وفاتهما مائة سنة!

قرأ عليها ابن حجر كثيراً، وأجازت لأولاده: زين خاتون، ورابعة، ومحمد.

ماتت في ربيع الأول، سنة ست عشرة وثمان مائة" (٨١٦)
ينظر: (إنباء الغمر: ٣/ ٢٥) و (المجمع المؤسس: ٢/ ٣٥٠).


وذكر الفاسي، في (ذيل التقييد: ٢/ ٣٦٥): امرأة أخرى، تسمى: دنيا بنت محمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي المقدسية.
ولم يذكر لها ولادة ولا وفاة ولا أشياخا!
قلت: ويظهر توافق اسمها مع اسمي: عائشة وفاطمة؛ فلعلها أختيهما. والله أعلم.


قلت: وهذه الأسرة العلمية.. غصن من دوحة المقادمة المقادسة الباسقة الواسقة، التي شمرت للعلم، وكابدت في سبيله، حتى بدّت غيرها، وبزّت من سواها.
وأصلهم من جمّاعيل بـ نابلس، ثم ارتحلوا منها، بسبب تسلط النصارى، في أول رجب، سنة ٥٥١، وكان أول المهاجرين، شيخ المقادمة وكبير المقادسة: الشيخ أحمد بن محمد ابن قدامة.
وكانوا كلهم على مذهب السلف في الاعتقاد.
وهم كثيرون، ومن كثرتهم.. ترجم إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد ابن مفلح، تـ٨٨٤؛ ترجم في (المقصد الأرشد) لنحو خمسين عالماً منهم، فـ "ما شاء الله لا قوة إلا بالله".

هذا ما صار وكان، من الإشهار والبيان، لهاته الأسرة الآسرة بالعلم، والمُسرة بالفهم، رحمهم الله وغفر لهم، وأسكنهم فسيح الجنات، وسقى بقعتهم صيب الودقات.

وكتب: أبو نعيم وليد بن عبده الوصابي.
١٤٤١/٦/٤
الساعة الثانية بعد منتصف الليل من ليلة الخميس. ح ي



الاثنين، 3 فبراير 2020

قراءة في "الرحلة الحجازية" لليوسي.. الرحلة العجيبة، والسفرة الغريبة!

قراءة في "الرحلة الحجازية" لليوسي.. الرحلة العجيبة، والسفرة الغريبة!


قرأت (الرحلة الحجازية) لأبي علي الحسن بن مسعود اليوسي، تـ١١٠٢، بعناية عبد المجيد خيالي، ومراجعة وتقديم أحمد شوقي بنبين..
قرأتها في جلسة اختلستها من غير الزمان، وتسنمتها من نوائب الحدثان، بعد أن هجعت العيون، وأطبقت الجفون، وتلاحمت الشؤون، وتلاطمت الشجون.. روّحت بها عن روحي مما أمضها، ونفست عن نفسي مما أقضها.. فسلا الخاطر، وقرّ الفؤاد، وانشرح الصدر.
والحمد لله على جليل نعمه، وجميل مننه، ولطيف حننه، لا أحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه لا رب سواه، ولا إله غيره.

فأقول -وبه أستعين، وله أستكين-: الرحلة الحجازية.. هي رحلة قام بها العلامة الحسن بن مسعود اليوسي، واصطحب معه ابنه محمد، ومعهم جمع من المغاربة.. قصدوا في رحلتهم زيارة البيت الحرام، ويمموا صوب من تهفو إليها الأنام.

وسبحان الله، كيف يتمزع الإنسان شوقاً إلى تيك البقاع، ويتمعط حزناً على تلك الرباع، ويتقطع ألماً على ذياك التلاع.

ولعل هذا، هو إجابة دعوة الخليل إبراهيم عليه السلام، في إخبار الله عنه: "فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم".
قال ابن كثير: "فليس أحد من أهل الإسلام إلا وهو يحنّ إلى رؤية الكعبة والطواف، فالناس يقصدونها من سائر الجهات والأقطار".
(تفسير القرآن العظيم: ٥/ ٤١٤)

يا كعبة الله الشريفة اشرقي *** للطائفين وحلقي بسماكِ

النور في مبناك باهر *** والعلم والتوحيد في معناكِ

وقد كان الواحد من المتقدمين إذا أراد سفر الحج؛ أعد العدة من سنين؛ لأنه سيمكث في سفره سنينا!
ولا يصبر على بلوى السفر ولأوائه إلا قوي القلب، صلب البدن، حديد الصبر، شديد الحمل.

شوقي إلى الكعبة الغراء قد زادا * فاستحمل القلص الوخادة الزادا

-واسمعوا إلى صاحبنا، مشيراً إلى وعثاء السفر ووصبائه، وهوله ونكبائه، حيث يقول: "وهذه الطريق لا بد فيها من زين وشين، وخشونة ولين، وفرح وقرح، وغنى وعنی، ... والعيد على الغيد، والنعيم للمقيم، والغريب لا يطيب، إن الزعفران عطر العذاری، وغبار الطريق عطر الرجال"!

-ويقول: "ومن أراد أن يكون كذلك.. فعليه باقتحام هذه المسالك، ويتجلد لهذه المهالك، ویری ویشم، ويخفض ويرفع، ويجوع ويشبع، ويعز ويذل، ويكثر ما لديه ويقل، والله تعالى هو الموفق والمعين".

-ويقول: "فإذا حصلت صحة القلب، وقوة الذهب، ومزجتا بقوة الرب..
فحينئذ يشفى الكرب، وتنال الرغب،  ويكمل الطلب، وفي الله الكفاية والرجاء، وإليه سبحانه الملتجا، وليس هذا مخصوصاً من مصر، وإنما هو من أول الأمر، وابتداء السير، وإلا فارقد في بيتك، واغتنم راحتك ودعتك، ولا تتكل على ما ليس في الحمل، فإنه قيل: (اعقلها وتوكل) وبذلك أمر الله تعالى: "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا"، ومن حدثته نفسه أن يبلغ أرض الحجاز، بالخريطة والعكاز، فقد أكذبته نفسه وهو آثم، ويخلف لا قاعد ولا قائم، ويندم حيث لا ينفعه الندم، ويكو بين الوجود والعدم، والعدم أقرب إليه، والوصول أبعد عليه، وهذا ما شهدنا ورأينا، لا ما سمعنا وظننا، والله تعالى يبلغ الأمنية، ويصلح النية بالنبي وصحبه، وآله وحزبه.(١)

إذا امرؤ لم يركب الأهوالا *** ولم يقاس الهم والأثقالا

فأعطه المرود والمكحالا *** وعدّه من أهله عيالا!

-ويصلح هنا، أن أتمثل ببعض أبيات للعلامة جار الله محمود، حيث يقول:
سيري تماضر حيث شئت وحدثي *** أني إِلى بطحاء مكة سائرُ

حتى أنيخ وبين أطماري فتىً *** للكعبة البيت الحرام مجاورُ

يا من يسافر في البلاد منقباً *** إني إلى البلد الحرام مسافرُ

سأروح بين وفود مكة وافداً *** حتى إذا صدروا فما أنا صادرُ


وبعد، فهذه قراءة عابرة لهاته الرحلة الشاقة الحاقة:
*يظهر في الرحلة.. المنزلة العلمية الرفيعة التي وصل إليها العلامة الحسن اليوسي؛ فإنهم لا يكادون ينزلون منزلاً إلا وتهفو نحوه الأفئدة، ويقصد من جميع الأصعدة؛ للفتيا والقراءة والإجازة والاستفادة.

-فقد التقاه الفقيه محمد بن أحمد بن محمد، الملقب، بـ المكنى، وأنشده قصيدة حافلة بالألقاب العلمية، بل جعله مجدد ذلك العصر، ثم طلبه الإجازة له ولبعض أصحابه من أهل بلدته.
قال فيها:
أعالم أهل الأرض في كل ما قطر *** وعلامة الدنيا جميعاً بلا نکرِ

وقدوة أرباب الهداية والتقى *** مجدد دين الله حقاً بذا العصرِ

أيا شيخنا اليوسي یا شیخ وقته *** وعمدة أقطاب الوجود بذا الدهرِ(١)

مقيد هذا، المكنى محمد *** يحبكم سراً وفي ظاهر الأمرِ

يؤمل منكم أن تجيزوه بالذي *** رويتم وروّيتم من العلم والذكرِ

وإن لم يكن أهلاً لما رام منكم *** فإنكم أهل المودة والخيرِ

ومهما تفضلتم بذاك فعمموا *** لإخواننا في الله من أهل ذا المصرِ

كمثل ابن عفان المعظم قدركم *** وذكركم عبد السلام أخا البرِ

كذلك إبراهيم وهو ابن مصطفی *** كذلك سحبان أخي سالم الصدرِ

كذا علي وابن منصور الرضى *** وسائر أعواني على الخير والبرِ

كذاك علي عين أهل سفاقس *** وفاضل من فيها الملقب بالنورِ

فبالله، خذ يا سيدي بخواطري *** على ما ترى نظماً، وإن شئت بالنثرِ

فلا زلت مأوى للفضائل ترتجى! *** ولا زال نهر المجد في أرضكم يجري


-فلما تأملها سيدي الوالد، دفعها إلي، وأمرني أن أجيزه عن إذنه -حفظه الله ورعاه-، فكتبت له  هذه الأبيات:
أيا سيداً قد حاز كل فضيلة *** وعمم بالنعماء والفضل والبرِ

ويا محرز المجد الذي فاح نشره *** وملجأ هذا القطر في فادح الأمرِ

محمد المكنى ابن عالم عصره *** محط رحال الفاضلين مدى الدهرِ

وقد بلغت تلك المعاني کأنها *** حلی زانها الصواغ من خالص التبرِ

وما رمته منا فأهلاً ومرحباً *** وإن لم أكن أهلاً فملتمس العذرِ

أقول وحمد الله أول منطقي *** وذخري ذكر الله في السر والجهرِ

أجزت لكم في كل ما قد رويته *** وما قلت قيل من نظام ومن نثرِ

كذا الرفقاء الماجدون تعمهم *** إجازتنا من قاطنين بذا المصرِ

كذا الماجد النحرير عين سفاقس *** أبو الحسن النوري ذو المجد والفخرِ

وحدثتكم في ذاك عن شيوخنا *** ذوي العلم والعرفان والفضل والقدرِ

ومن شاء يستحصي ففهرس لنا *** تضيء بهم كالأنجم الطلع الزهرِ

على شرطها المعتاد في كل ذروة *** من الفهم والتحصيل والصدق في الذكرِ

فنسأل رب العرش أن يبلغ المنى *** ويصلح شأن الطالبين ومن يقري

بجاه النبي الهاشمي محمد ***  علیه سلام عاطر طيب النشرِ

وأصحابه والآل طراً وصحبه *** عليهم سلامي سرمداً دائم الذكرِ (٢)

فكتبت تحتها: وكتب عن إذن أبيه فلان بن فلان، فوقّع تحتها ما نصه: صحيح ذلك، وكتب الحسن بن مسعود اليوسي كان الله له.


-وقفة: عندما قرأت أبيات الفقيه المكنى، وحرصه على مشاركته الاستجازة بعض صحبه.. لما قرأت ذلك؛ سما في نفسي، ونبا في عيني؛ إذ كبرت نفسه حتى يشارك من لم يحضر فضل من حضر، ولم يحتجز الفضل لنفسه، ويخفيه عن بني جنسه!
كما هو غالب صنيع أهل زمننا الغابر؛ بل إن بعضهم يكذب حتى يدرك التفرد بالرواية، وهو خاوي الدراية!
قلت: وما يفعل هاته الأفعال، إلا صغير النفس، ضعيف الإيمان، قد طبعت الأثرة على قلبه، وقضت على لبه، "وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله".

-وممن التقاه: الشيخ محمد الخرشي -شارح مختصر خليل-؛ فقد جاء إليه، وقرأ عليه ورقات من صحيح البخاري، وأجازه، ولما رجعوا من الحج، وجدوه قد مات -رحمه الله وغفر له-.


*ومن ذلك: أنه كثيراً ما يذكر توسلات بدعية، واعتقادات عجيبة في المشايخ والصالحين، والتبرك بهم!
-لما وصلوا مصراتة، قال: "وهذه هي بلاد الولي الصالح المتبرك به حياً وميتاً! القطب سيدي أحمد زروق، نفعنا الله تعالى به"!

-بل حكى عن بعض الناس: أنهم يذبحون شاة، ويمزقونها شذر مذر، ويرمونها في البحر؛ وقاية من الغرق. ولم يعقب!

-وهو كثيراً ما يتوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم وآله.
وحاق الأمر: أن الوسائل في الدعاء توقيفية؛ لأنها في حكم الدعاء، وهو عبادة، كما جاء في الحديث الصحيح: (الدعاء هو العبادة)، فلا يجوز التوسل إلا بما صح وثبت، ولم يثبت التوسل بجاه الأنبياء أو الأولياء أو الصلحاء ونحوهم.


*ومن ذلك: أنه يذكر المناطق التي ينزلها، ويحكم عليها وعلى أهلها ومياهها: مدحاً أو قدحاً..
-فلما ذكر مصر، ذكر أنها خالية من العلم سوى الأزهر!
قال: "وليس في مصر من المساجد المشهورة للإقراء سوى جامع الأزهر، والغير لا تكاد تجد فيه مجلساً للعلم أصلاً، وما كنا نسمعه قبل مشاهدتنا وحضورنا هذه البلد من إفشاء العلم والحث عليه، وكثرة العلماء والمتعلمين، وتعاطي الفنون ومداولتها.. لم نر شيئاً من ذلك، إما لدثوره وانقراضه بموت أهله -كما في الحديث الشريف- وإما لهراء المارين بهذه البلاد، وهدرهم وكذبهم وافتخارهم، بكونهم لقوا أهل العلم والصلاح"!

-وقال: "وأما أحكام القضاء في هذه البلاد، والوقوف على الحدود والفصل بحكم الله وشريعة نبيه صلى الله عليه وسلم، وامتثال أمر الله.. فذلك غير موجود، والموصوف بذلك عديم ومفقود".

-وقال: وهذا دأب قضاة القاهرة أيضا. (أعط الفلوس واقطع الرؤوس)!

-ثم اتجه إلى مدح المغرب، فقال: "وما زال التمسك بالسنة المحمدية بمغربنا، -والحمد لله-، وظهور الحق والعدل، وتغيير المنكر وإخفاؤه لمن ابتلي بشيء من ذلك، بخلاف هذه البلاد -والعياذ بالله-، لا حياء ولا خفية، ولا يعيب أحد لأحد فعلاً، فديار الخمر الصراح مشهورة وسط أسواق المسلمين، وديار البواغي كذلك -قبحهم الله وقبح سعيهم- أخرجنا الله منها في الحين، وجعلنا من السالمين، وحفظنا بمنه، آمين".

-ثم كر إلى مدح حمامات مصر، فقال: "والحمامات أيضاً أكثر مما يحصى ويُعد، وجزاهم الله خيراً عن فعلهم في الحمامات، فإذا دخل الإنسان يعطونه مئزرين، ويدخل فيجد بيتاً وحده، وفيها الماء الحار والبارد، فإذا خرج لبسهما أيضاً، فيكون في جميع أحواله مستوراً".

-ثم فر إلى ذم المغرب، فقال: "وأما حمامات المغرب.. ففيها المناكر المفضوحة من كشف العورة، وعدم مبالاتهم بذلك، وازدحامهم على برمة الماء وهم عراة، وينظر بعضهم إلى بعض، فهذا فعل شنیع قبيح".

-وذم أهل مكة، فقال: "واعلم أنه مما يؤذيك في الطواف.. أهل مكة؛ فإنهم لا يتركون لك رأياً ولا عقلاً، وتراهم يتسابقون إلى الحُجاج، ويطوِّفونهم ويطلبون منهم الفلوس، ومن أراد أن يطوف بنفسه، ويستفرغ قلبه لذكر الله وعظمته، ويستحضر نيته، فلا يتركونه أو ينغصون عليه!
وكنت أقاسي منهم العناء التام حتى إني إذا تعلق بي أحد منهم.. أعطيته؛ ليفارقني، و هيهات.
والحاصل: لا تنجو منهم إلا بعد انصرام الحياء، وقبح الوري!، فيا لها من بلية فظيعة، تجد الرجل لا يقدر أن ينظر إلى ما فوقه هيبة وحياء من تلك الأماكن الشريفة، ولا يزالون به حتى ينطق بغير اختيار، ويبدي النفار والفرار!
وبهذا وصفوا أهل مكة، فقد نقل الغزي -نزيل مكة المشرفة في كتابه- قال الشيخ مظفر الأمشاطي:
"أهل مكة: عندهم أنفة وكبر وحسد، والكذب فاشٍ بينهم، والنميمة والخداع، والطمع فيما في أيدي الناس، والبغض للغريب، إلا أن يكون مع الغريب شيء من الدنيا
هم عبيد له حتى يسلبون ما معه، ثم يلمزونه بالسوء، ويسلقونه بألسنة حداد، وقد أنشد بعضهم فيهم قوله:
لا تنكرون لأهل مكة قسوة *** والبيث فيهم والحطيم وزمزمُ

آذوا رسول الله وهو نبيهم *** حتى حماه أهل طيبة منهمُ"!

ثم ثنى بمدح أهل المدينة، فقال: "وأما أهل المدينة.. فمخالفون لهم، في كونهم يغلب عليهم الترحم، وحب الغريب ومواساتهم، والإحسان إليهم، وفي طبعهم الجود والكرم، "يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة"".

-وذكر أن الترك: يجعلون الناس بين أيديهم كالذباب أو كالكلاب!

-وقال عن طرابلس: "طيبة الهواء، مسلية للخاطر، منشرحة للصدر، وأكثر أهلها الترك.
قال: وذكر لنا الثقات: أن فيها ثلاثة مساجد، وثلاثمائة خمارة"!

-وقال -عن نساء عين ماضي-: "وقد خص الله تعالى نساء هذه البلدة بحسن وجمال، لا يكاد يوجد في غيرها، وهم ينتسبون للشرف".

-وذكر عن صنهاجة، أنهم: لم يلقوا فيها داراً ولا جاراً، ولا منزلاً ولا قراراً، فبئست القرية، وأما ناسها فكأنهم خشب مسندة!
قال فيها:
فلو أبصر الشيطان صورة وجهها *** تعوذ منها حين يمسي ويصبح

-وقال عن تمززيت أولاد عباد: "وهي بلدة قليلة، خالية من شياطين الإنس، وأهلها همج مسلمون، لا ينفعون ولا يضرون"!

-وقال عن بسكرة: "وليس فيها من يضيف ولا من يقري"!

-وذكر أنهم منذ جاوزوا تازة.. ما رأوا أهل العقول والصلاح والكرامة!

قال أبو نعيم: والذي أراه -والله أعلم-، أن إطلاق المدح أو الجرح لبلدة كاملة بأهلها وما فيها؛ غير متوجه؛ وذلك لاستحالة الإحاطة، وتغير الأزمان، وتبدل بني الإنسان، فهي أحكام أشبه ما تكون بالفردية! والله أعلم.

*ومن ذلك: نقد الوالد العلامة لبعض الأشعار الغالية، والأفعال الخاطئة..
-مثل: نقده قول القائل:
يا ابن الأكارم من عدنان قد علموا *** وتالد المجد بين العم والخالِ

أنت الذي نزل الأيام منزلها *** وتمسك الأرض من خسف وزلزالِ

وما مددت مدى طرف إلى أحدٍ *** إلا قضيت بأرزاق وآجالِ

فقال: "قد والله أخطأ الشاعر، هذا من خواص الباري سبحانه وتعالى، هلا قال:
يا مالك الملك يا من لا شريك له ***  یا بارئ الخلق من سفل ومن عالِ

أنت الذي تنزل الأيام منزلها *** وتمسك الأرض من خسف وزلزالِ".


-ونقد بعض أفعال بعض الحجاج، كإيقادهم الشموع على ظهور الجمال في الوقدة، فحكم ببدعيتها.

-ونقد تولي المرأة، قال: "ونزلنا بموضع منها يسمونها: غابة ابن علوش، وسبب نزولنا: أن امرأة يقال لها: أم النون بنت بنو عكازة، ولها ولد يقال له: الكدوم، وأبوها كان ملكاً في قومه، ثم مات، وتولى الملك بعده ابنها، وهو الموجود الآن، وهي أيضاً ملكة، فأرادت أن تحج معنا، فحصرت الركب، فأقام عليها، فجاءت عشية النهار بالطبول والمزامر، وخيلها ورماتها، فضربت لها قبة من حرير ونزلت، وما رأيت أقلّ من هؤلاء الناس عقلاً وديناً وأمانة وتمييزاً.
ويدل على ذلك: تملك المرأة عليهم، وانقيادهم لطاعتها، حتى إنها تفعل فيهم ما أرادت، وقد قال عليه السلام: (لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة) ولا يلقاك أحد منهم، إلا وترى الخيانة في عينيه".


*ومن ذلك: أنه كان يعرّج على بعض المسائل والأحكام، كأحكام الحج والعمرة، والتنبيه على بعض البيوع.

-ومن ذلك: ذكره بعض التنبيهات الجغرافية والمعرفية والعبادية..
ذكر أن الميقات في زمنه.. في رابغ، ولم يعد الناس يعرفون الجحفة التي هي الميقات المحدد في الشرع، بل ليست على ممر الحاج، قال: "والحاصل أن العمل جرى برابغ حتى لا تجد من يعرف الجحفة، ولا من يخبرك عنها".

-وذكر أنه يقال: أن أهل الكهف في منطقة النكيزات، وأن هناك آثار البنيان العتيق، ولا ماء فيها، ووصفها بالقبح والصلابة!

قلت: لعله يعني بذلك، ما ذكره ابن عاشور، في قوله: "ويوجد مكان بأرض سكرة، قرب المرسى من أحواز تونس، فيه كهوف صناعية، حقق لي بعض علماء الآثار من الرهبان النصارى بتونس: أنها كانت مخابئ لليهود يختفون فيها من اضطهاد الرومان القرطاجنيين لهم.
ويجوز أن يكون لأهل كلتا الملتين، اليهودية والنصرانية، خبر عن قوم من صالحيهم، عرفوا بأهل الكهف، أو كانوا جماعة واحدة ادعى أهل كلتا الملتين خبرها لصالحي ملته، وبني على ذلك اختلاف في تسمية البلاد التي كان بها كهفهم".
(التحرير والتنوير: ١٥/ ٢٦٤).

قلت: ولا يعرف -والله أعلم- على وجه التحديد، مكانهم ولا زمانهم..

قال الفخر الرازي في (تفسيره: ٢١/ ٤٥٣) -بعد أن ذكر عدة أقوال في تعيين زمانهم ومكانهم-: "العلم بذلك الزمان، وبذلك المكان.. ليس للعقل فيه مجال، وإنما يستفاد ذلك من نص، وذلك مفقود، فثبت أنه لا سبيل إليه".

قلت: وحدد بعض المؤرخين.. يقول ابن الأثير: "كان أصحاب الكهف أيام ملك اسمه: دقيوس، ويقال: دقيانوس، وكانوا بمدينة للروم اسمها: أفسوس، وملكهم يعبد الأصنام ... وكانوا من الروم، وكانوا يعبدون الأوثان، فهداهم الله، وكانت شريعتهم شريعة عيسى عليه السلام.
وزعم بعضهم: أنهم كانوا قبل المسيح، وأن المسيح أعلم قومه بهم، وأن الله بعثهم من رقدتهم بعد رفع المسيح، والأول أصح".
(الكامل في التاريخ: ١/ ٣٢٥).

-وذكر أن قرى الحجاز كلها.. أخصاص، وبنيان قليل!
قلت: أما اليوم، فعمائرها تناطح الجبال، بعد أن كان اعتمادهم على الجمال!

-ونبه أن وادي فاطمة هو مر الظهران.
قلت: وفاطمة، هي زوجة بركات بن أبي نمي -أحد حكام مكة المكرمة- لا كما يظن البعض، أن المقصود: فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم.

-وأفاد أن باب بني شيبة.. هو باب السلام عند العامة.

-وأفاد أن مسجد نمرة.. بناه علي بن أبي طالب.
قلت: وقد يسمى: مسجد عرفة، ومسجد إبراهيم خليل الرحمن. -كما عند الأزرقي-.

-وذكر أن العمل في عهده جاري على التعجيل في المبيت بمنى، ومن أراد أن يزيد المبيت مخالفاً للناس؛ فإنه يخاف على نفسه وماله.
قال: "وقد كنا أردنا ذلك، فلم يتمكن الأمر، ولم يوفق أحد على ذلك"!

قلت: أما اليوم، فلعل كلا الأمرين يستويان: التأخر والتعجل، ولم يعب فعل أحدهما.

-وذكر أن كراء الديار في أيام الحج.. غال كثير، ومن لم يقدر على الكراء، يبني خيمته بـ باب الشبيكة، إلا أن السرق هناك كثيرون مع التحفظ.

-وذكر أن عنب وسفرجل ورمان الطائف من وادي العباس، ليس لذلك نظير في الدنيا أصلاً بلا ارتياب إلا أنه لا يشبعه إلا من كثر رياله، وقوي نواله!

-وذكر أن "ماء زمزم يتركك خاوي الركبتين والضلع، بادي الأنين والوجع، ضعيف الحركات، أصفر الوجنات، وذلك كله خير وشفاء من كل ضر"!

-وذكر أن ميزاب الكعبة.. صنعه السلطان أحمد بن محمد ابن السلطان مراد، وهو من فضة مموه بالذهب، منصوب فوق الحجر، وذلك سنة اثنتين وعشرين وألف (١٠٢٢)، وأخذ الميزاب العتيق، وهو الآن في خزائنهم بالقسطنطينية الكبرى يتبركون به".

-وذكر طواف الوداع، وقال: "واعلم أنه لا هدي على من تركه، بخلاف طواف القدوم، فعلى من تركه هدي، والله أعلم".

قلت: طواف الوداع واجب في قول الجمهور، وعلى تاركه فدية دم، سواء كان تركه لعجز أو نسيان أو سهو، ولا يعذر في تركه إلا الحائض.

-وقال -عن الحجر الأسود-: "ومن يطمع أن يجده خالياً فهو خال، ولكن مع هذا الزحام كله، واجتماع الخلق إليه من كل فج عمیق، فلكل نصيب، فمن رأى تخالف الخلق عليه، وازدحامهم.. ييأس من البلوغ، ثم لا يشعر حتى يقبله ويصدر مجبور الخاطر، ولله الحمد والمنة".

قلت: وهذه آية ظاهرة في بركة ذاك المكان الطاهر، الذي وطئه الأنبياء والصحابة، والأنقياء والقرابة.


*ومن ذلك: ذكره بعض عجائب وغرائب المياه والأرواح والموت والغارات..
-فمن أنواع المياة:
ماء دفنة، مثل اللبن لوناً وطعماً!
وثان: ماء يورث الحمى.
وثالث: ماء يقطع الأكباد.
ورابع وخامس: ماء عذب فرات، وماء مر أجاج، وهما قريبان من بعضهما.
وسادس: ماء يغلي كالقدر.
وسابع: ماء يستنبط بذراع، وماء يستنبط بأربعة حبال.
وثامن: ماء شربه يورث الهم والغم لا ينساغ بوجه ولا حال.
وتاسع: ماء يسهل البطن إسهالاً مفرطاً مضراً.
وعاشر: ماء من شربه وهو في صحة واعتدال، نفعه، ومن شربه وهو في ضعف وهزال، قتله.
وحادي عشر: ماء يقتل الإنسان كالسم الناقع.
وثاني عشر: ماء يفسد المزاج.
وثالث عشر: ماء يورث الكسل.
ورابع عشر: ماء يحرق لحرارته، وبجانبه ماء بارد.
وخامس عشر: ماء أمرّ من الحنظل.

-ومن أنواع الرياح:
ذكر ريحاً تحرق الفؤاد، وتمزق الأكباد، في مورد التميمي بالقرب من درنة، فإذا شرب الإنسان سقط على الفور!
وثانية: ريحا تخرج من البحر كريح الفرن، وقد أغشي على كاتب هذه الرحلة من الظهر إلى الليل.
وثالثة: ريحا كالنار، في وادي النار، من أصابته يلتوي عنقه ويخر صريعاً، وأمره والده أن يلبس ثياباً غليظة ثقيلة، وكان إذا ظهر من جسده شيء تحرق، ومات بهذه الريح سبعة عشر مائة جندي!
وكان هناك طبيب تركي يعالج من هذه الريح، بدقيق الفول ملتوتاً بالماء، فسأله كاتب الرحلة، فقال: إن هذه الريح تمزق في الفؤاد، فتحدث ثقباً في الرئة، فإذا شرب من هذا الفول، انسدت تلك الثقب فلا يضره شرب الماء بعد ذلك، وإذا شرب الماء وحده مات في الحين.
ورابعة: مثل هذه الريح، وهو ريح ناري في كركارش، ومات جراءه من الناس والإبل الكثير.
وخامسة: ريحا شرقي.. أذهب الماء، ونشف القرب، فترى القربة مشدودة ممتلئة، كما هي، فإذا فككت عفاصها لم تلق فيها إلا الريح، والجلد الصحيح" وذلك في مفازة مقطع الكبريت.
وسادسة: ريحا تقلع الثوب عن صاحبه، وتذهب به كرهاً، وكثير من الناس بلغ الدار عرياناً، وضل في هذه الريح خمسة وعشرون رجلاً فلم يظهر لهم أثر، ولا بلغ عنهم خبر!

-ومن الغارات:
ذكر أنهم رأو على شاطئ النيل قبالة بولاق نحواً من أربعمائة فارس، أظهروا أنهم يلعبون فرحاً بالحجاج، والكيد معرب عنهم، وما قهرهم إلا الرصاص والخوف من الموت.

وأخبر، أن هؤلاء قد يقتلون ويمثلون أشر ما يكون.

وهؤلاء القطاع النهاب السراق.. عانوا منهم في أكثر من موطن، ولكن دحرهم الله وقهرهم.

وذكر عن بعض الأماكن: أن فيها لصوصاً ماهرين، يقول عن أهل دمّد: يسرقون النوم من الأجفان!
وقال عن أهل تاجورة: فإنهم يسرقون هدب الأشفار!

-ومن الموت:
عجائب موت كثير من الحجاج بسبب الأوبئة القاتلة، والجوع والعطش، والرياح والأتربة القاضية
ففي ريح واحدة.. مات سبعة عشر مائة جندي!
وفي ريح كركارش.. مات جراءها من الناس والإبل الكثير.
وعلى كل، ففي هذه الرحلة، قد "مات من الناس، ما لا يعد ولا يحصى: عطشاً وحراً، وسيراً قوياً"


قلت: وقد طالت رحلتهم حتى ملّوا السفر، وملهم السفر، وتكبد أهليهم آلام الشوق، وأسقام الجوى..
فها هو أحد إخوته، يرسل بقصيدة كلها تولع وتلوع، وشوق وتباريح.

قال كاتب الرحلة: "ومن جملة ما كتبه إلى الأخ الشقيق الولي الرفيق:
كتبت ودمعي واكف يترقرق *** يجم على إنسان عيني فيغرقُ

وصار السهاد آلف العين واصطلى *** لظى البين قلب في جواه يحرقُ

ولم أر كالبين الممض مهنداً *** وثيئاً به بين الجوانح يرشقُ

إلى الله أشكو ما ألاقي من الأسى *** ومن عصبة دمعي بهم يتدفقُ

فواجري ماذا أجنّ من الجوى *** ومن عظم الشوق الفؤاد يمزقُ

أعد الليالي ليلة بعد ليلة *** كما قال قبل العامري المموقُ

أخي وابن أمي بنتَ عني فلم أجد *** سلّواً وباب الصبر عني مغلقُ

وخلفتموني مفرداً لا أنيس لي *** ولا واجداً خلاً به أترفقُ

وسرتم وسار القلب نحو مسيركم *** فجسمي مغترب وقلبي مشرقُ

أقول -وقد سالث من العين عبرة-: *** متى يجمع الشمل الشتيت المفرق؟

فأسأل رب العرش تعجيل أوبة *** لكم دون ما سوء یکون ويعلقُ

فنعطى مطالباً، ونقضي مآرباً *** ونكفى مراهباً بشيء وتغلقُ

علیکم سلام الله ما ذر شارق *** وما ناح قمري بروض مطوقُ

سلام كعرف المسك طاب له الشذا *** يصبك منه حيثما کنت ریّقُ


قلت: هذه بعض القراءات والتقييدات لهذه الرحلة المتعبة الملغبة، التي أتعبتني وأنا قاعد على فراشي، وبين يدي أهلي وأطفالي؛ لأني كنت أسير معه بقلبي، وأتوقف إذا وقفوا، وكأني أشاركهم النجود والأعناق، وأشاطرهم الظفر والإخفاق -أظفرنا الله بمنه وكرمه-.

وقد استغرقت رحلتهم من يوم خروجهم من ديارهم إلى رجوعهم إليها؛ عشر سنوات وسبعة أشهر إلا خمسة أيام!

فقد خرجوا أول ربيع الثاني سنة اثنتين وتسعين وألف ١٠٩٢، ثم توقفوا، ثم ابتدؤوا الرحلة من تمززيت، يوم الخميس الثاني عشر من جمادى الأولى عام أحد ومائة بعد الألف.
ورجعوا يوم الأحد الخامس والعشرين من شوال ١١٠٢.

فـ لا إله إلا الله.. من أجل حج أيام؛ تصرمت من أعمارهم أعواما، وأنفقوا أموالاً ضخاما، ولاقوا أهوالاً عظاماً!
إنه الإذعان للواحد الديان .. إنها الاستجابة لداعي الإنابة .. إنها التقوى الذي تورث القوى .. إنه الاستشعار بعظمة الآمر، التي تتقطع في سبيله المرائر!
ألم يقل خبيب بن عدي:
ولست أبالي حين أقتل مسلماً *** على أي جنب كان في الله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ *** يبارك على أوصال شلو ممزعِ


فيا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك، وعظيم سلطانك، هب لنا قوة من عندك، تغنينا وتكفينا وتؤوينا وتحمينا وتهدينا وتقينا، أنت ولينا، فاغفر لنا وارحمنا، وأنت أرحم الراحمين.


وهذا ملخص الرحلة إجمالاً، بذكر مواطن نزولهم، وتسمية طرقهم، دون التعريج على تفاصيلها؛ لأنها قد تقدمت تضاعيفها:
وصلوا مراكش أول ربيع الثاني سنة اثنتين وتسعين وألف، وسلكوا طريق رباط سلا، ثم رباط آزمور، وبعد ثلاث سنين رحلوا منها يوم الإثنين لثلاث بقين من صفر لقرية الزاوية البكرية، وخرجوا منها يوم الإثنين أوائل رجب عام ١٠٩٨هـ، ونزلوا بشعاب حمود، ورحلوا منها أول صفر إلى قرية صنهاجة صفرو، ونزلوها يوم الأحد التاسع من الشهر، ثم رحلوا منها يوم الأربعاء أواسط جمادی الثانية عام مائة وألف، ونزلوا فاساً يوم الخميس من غده بدار علي بن رحمون بدرب العلوج بالطالعة، ولها باب ينفذ لدرب السراج، فلم تستقم له أيضاً سکنی، وبقوا فيه سبعة أشهر ونصفاً، وخرجوا منه يوم الأحد لثمان بقين من المحرم لتمام المائة، ونزلوا بقرية تمززيت، وهناك خلفوا العيال، فخرج مع والده من الدار يوم الخميس الثاني عشر من جمادى الأولى عام واحد ومائة وألف، وتوجه والده لفاس، فأقام فيه شهراً ويومين، ثم خرج الركب ورحل منه يوم السبت الرابع عشر من جمادی الثانية، وباتوا عند أولاد الحاج، على حاشية وادي سبو، ورجع المترجم لأخذ ما بقي، وبات بمطيطة، ثم اجتمعوا مع الوالد عند أهل الوادي، ويوم الأربعاء بات عند مكناسة بوادي قنصرة، ورجع المترجم لمدينة تازة، ثم سافروا ووصلوا لعين ماضي، ثم نزلوا بقرية سيدي خالد، ورحلوا لإقليم الزاب، فدخلوا بسكرة، ومروا بمقام سيدنا عقبة، ثم حمة توزر، وباتوا بحمة قابس، ومن وادي الرأس إلى النيل ما ترى ماء حلواً يجري على وجه الأرض، وبلغوا قبالة جزيرة جربة، ونزلوا بمليتة، وأقاموا بطرابلس تسعة أيام، وباتوا بتاجورة، ثم مسراتة، وهناك آخر ما تراه من البنيان إلى مصر، وباتوا بخراب أجدابية، وصعدوا قبة الجبل الأخضر، وهو حد برقة البيضاء، وبلغوا مورد التميمي، ووصلوا سوق درنة، وبلغوا جرجوب، ووردوا منهل الشمامة، وبلغوا وادي الرهبان، ثم وصلوا قبالة بولاق يوم الجمعة الرابع عشر من شوال، ثم بلغوا عجرود ووادي التيه، وسطح العقبة، ثم وصلوا مكة، وأقاموا بها خمسة عشر يوماً،(٣) ثم زاروا المدينة المنورة، ثم رجعوا إلى مصر، وأقاموا بمصر أربعة أشهر وتسعة أيام، ثم خرجوا من مصر، يوم الخميس الخامس عشر من جمادی الثانية، وبلغوا عين ماضي خامس شوال، ثم بلغور تازة، وبلغوا الدار بتمززيت يوم الأحد الخامس عشر من شوال ١١٠٢.
ينظر: (الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام: ١/ ٥ - ٦).
للقاضي عباس بن إبراهيم السملالي المراكشي التعارجي المالكي، تـ١٣٧٨.

"ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين" "ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب" "ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم"


وكتب: وليد أبو نعيم.
١٤٤١/٦/٧



ح..................
(١) قُطْب، جمعها: قطوب وأقطاب وقِطَبة.
والقطب لغة: المحور القائم المثبت في الطبق الأسفل من الرحى يدور عليه الطبق الأعلى.
وقد يطلق القطب، على سيد القوم، ويطلق أيضاً على ملاك الشيء ومداره، ولعل هذا هو ما اصطلح عليه أهل التصوف، من اعتقادهم بأن الأقطاب أو الأغواث أو الأبدال.. لهم التصرف في أقضية الوجود وأقداره! وهي عقيدة باطلة مائلة فائلة.
ينظر من مراجع القوم: (الفتوحات المكية: ٢/ ٤٥٥) للشيخ ابن عربي الحاتمي، و (اليواقيت والجواهر: ٢/ ٧٩) للشيخ عبد الوهاب الشعراني.
وينظر من مراجع أهل السنة (هذه هي الصوفية) للشيخ عبد الرحمن الوكيل، و (الفكر الصوفي: ٣٤٣) للشيخ عبد الرحمن عبد الخالق.

وأما الحديث، المروي في ذلك.. فيقول ابن القيم: "أحاديث الأبدال والأقطاب والأغواث والنقباء والنجباء والأوتاد.. كلها باطلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقرب ما فيها: (لا تسبوا أهل الشام؛ فإن فيهم البدلاء، كلما مات رجل منهم أبدل الله مكانه رجلاً آخر) ذكره أحمد، ولا يصح أيضاً، فإنه منقطع".
(المنار المنيف: ١٣٦)

(٢) الوسائل في الدعاء توقيفية، فلا يجوز التوسل إلا بما صح وثبت، ولم يثبت التوسل بجاه الأنبياء أو الأولياء أو الصلحاء ونحوهم.

(٣) وقد تعجبت جداً؛ أن تكون هذه الرحلة الطويلة العريضة؛ للحج والعمرة، ثم لم يكثوا فيها إلا خمسة عشر يوماً! فالله أعلم.



الخميس، 30 يناير 2020

وترجّل الشيخ (بوخبزة) الأمين.. بعد عقود من السنين!

وترجل الشيخ (بوخبزة) الأمين.. بعد عقود من السنين!
#وفاة_علم
توفي مجيزنا الشيخ العلامة الفقيه الأديب الشاعر الناثر، مؤرخ المغرب وزينها، ومحدثها ونديها: أبو أويس محمد بن الأمين بوخبزة الحسني الإدريسي العمراني، صباح اليوم الخميس ١٤٤١/٦/٥، عن سن يناهز الـ ٨٨ عاماً.

وكان قد تعرّض، لزكام حاد، وضيق في التنفس، فاقم من مشكلات قلبه، فنقل في حال حرجة، إلى قسم الإنعاش، بإحدى المصحات الطبية الخاصة، بمدينة تطوان، يوم الثلاثاء ما قبل الماضي، حيث اكتشف الأطباء تعطل وظائف جزء مهم من قلبه، اضطرهم إلى الاستعانة بالتنفس الاصطناعي.

وسيُشيع جثمان الراحل، عصر غد الجمعة، بمقبرة ابن كيران الإسلامية بتطوان، حيث ستنطلق الجنازة من منزله الكائن بحي سيدي طلحة بتطوان، وفق ما أوضحته أسرته لـ(العمق).

ولد شيخنا -رحمه الله- في ٢٦ ربيع الأول ١٣٥١، وتوفي والده سنة ١٣٦٧، ففتّ موته في عضده، لكنه لم ينقطع عن الدرس والتحصيل.

يقول بوخبزة: "وفي فاتح رجب ١٣٦٧هـ، توفي والدي -رحمه الله- ففُتّ في عضدي، وخمدت جذوة نشاطي، وتأخرت عن كثير من دروسي؛ انشغالاً بالعيش، وحل المشاكل المخلفة، وسعياً على الوالدة والإخوان، ولم أنقطع قط عن الدراسة والمطالعة، واقتناء الكتب، ودارست إخواني الطلبة الأدب والعلم.

وفي نحو عام ١٣٧٠هـ زرت مدينة فاس، ومكثت بها أياماً، أخذت فيها دروساً على الفقيه الشهير محمد بن العربي العلوي بالقرويين في (أحكام القرآن) لابن العربي.

وبعد ذلك، عرض علي الفقيه القاضي الحاج أحمد بن تاوَيْت -رحمه الله- العمل معه كاتباً بعد أن عينته وزارة العدل قاضياً ثانياً عند اتساع العمران، وازدحام السكان، فأنشأت محكمة شرعية أخرى بحي العيون غربي الجامع، فقبِلت وعملت معه كاتبا".

درس شيخنا -أحسن الله نزله- في المسجد أو ما يسمى بالعتيق في سن مبكرة، وتلقى مبادئ القراءة والكتابة، والحساب، والدين، وبعض قصار السور، ثم أتم حفظ القرآن، ثم بعض المتون العلمية كـ (الآجرومية)، و(المرشد المعين على الضروري من علوم الدين)، و(الخلاصة) وهي (ألفية ابن مالك)، وبعض (مختصر خليل) في الفقه المالكي.

ثم التحق بالمعهد الديني بالجامع الكبير، ومكث فيه نحو عامين حيث تلقى خلالها دروساً نظامية مختلفة في التفسير، والحديث، والفقه، والأصول، والنحو، والبلاغة على يد ثلة من العلماء النوابغ الذين عاصرهم.

ومنهم:
-محمد بن عبد الصمد التُّجكاني.
-محمد بن عبدالكريم أقَلعي الشهير بالفحصي.
-محمد بن عبدالله القاسمي (خليفة القاضي).
-العربي بن علي اللُّوهْ (الوزير في الحكومة الخليفية).
-محمد بن حمو البقالي الأحمدي.
-محمد المصمودي.
-التهامي المؤذن الغرباوي.
-محمد الزكي الحراق السَّرِيفي. 
-أحمد القْصِيبي الأَنجري.
-عمر الجَيّدي الغُماري وغيرهم. 

وقد أجازه كثير من أهل العلم، قال: "كما أجازني مشافهة، كثير من العلماء، من أشهرهم:
-الشيخ عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني، عند زيارته لتطوان، واعتذر عن الكتابة ووعد بها، فحالت دونها مواقفه السياسية.
-الشيخ عبد الحفيظ بن الطاهر الفاسي الفهري، مشافهة بمصيف مرتيل.
-الشيخ الطاهر بن عاشور، بمنزله بتونس عام ١٣٨٢هـ، واعتذر عن الكتابة بالمرض والضعف، وهو من شيوخ شيخي ابن الصديق، ولم تكن لي عناية بالإجازات.
-الشيخ أبي الفيض أحمد بن الصديق الغماري إجازة عامة بما حواه ثبته الكبير، المسمى "البحر العميق في مرویات ابن الصديق" ويقع في مجلدين، ناولنيه الشيخ في أصله الذي بخطه، المحفوظ الآن عند بعض تلامذته بطنجة، ويوجد فرعه بخطي، بخزانة تطوان العمومية، وثبته المسمى "المعجم الوجيز للمستجير" المطبوع بالقاهرة، في جزء لطيف.
-الشيخ صفاء الدين الأعظمي البغدادي.

وتدبجاً.. مع:
-الشيخ محمد بن عبد الهادي المنوني المكناسي.
-الشيخ أبو عبد الرحمن عبد الله بن عبد الرحمن بن عقيل الحنبلي المكي.
-الشيخ أبو أحمد عبد الله بن محمد بن عامر الأحمدي.
-الشيخ مشعل بن حميد اللهيبي الحربي المكي.

ومناولة لبعض كتبه من:
-الشيخ محمد ناصر الدين بن نوح نجاتي الألباني الأرناؤوطي، بمنزله، بالمدينة النبوية عام ١٣٨٢هـ".

وكان طلاعاً للمعالي، ساهراً الليالي.. فقد أصدر مجلة "الحديقة" وهي مجلة أدبية ثقافية، استمرت خمسة أشهر، غير أنها توقفت في رمضان خلال نفس السنة، وكانت بمثابة مجلة الطلبة الوحيدة، في شمال المغرب، حيث كان ينشر فيها نجباء الطلبة وكتابهم وشعراؤهم وقصاصهم.

ثم أصدر جريدة "البرهان" وهي جريدة خطية سخرها؛ لانتقاد سياسة الاستعمار الإسباني في التعليم، واضطهاد الطلبة، والتضييق عليهم، ولم يصدر منها إلا العدد الأول، فكتب مدير المعهد الديني رسائل إلى رئيس الاستعلامات الإسباني "بلدا"، يُخبره فيها باستفحال نشاط الطلبة السياسي، وصدور الجريدة وما يكتُب فيها الشيخ الأمين بوخبزة- وهو غير طالب بالمعهد ومتهم بالوطنية، من مقالات تمس سياسية إسبانيا.. فاستدعي، وناله من السب والشتم والتهديد والأذية ما قرت به عين المدير للمعهد الديني الإسلامي وأذنابه، ولما يئس هذا المدير "الأمين التمسماني" من انتقام الإدارة الإسبانية منا كتب إلى الباشا "اليزيد بن صالح الغُماري" بمثل ما كتب به إلى "بِلدا" فغضب الباشا وأمر بإدخال بوخبزة ورفاقه إلى السجن.

ثم إن الشيخ -طيب الله مرقده- غادر ميدان الصحافة، وانقطع عن كل نشاط من هذا القبيل، وانكب على التدريس والكتابة، ونشر مقالات كثيرة في عدة صحف ومجلات كمجلة "لسان الدين" التي كان يصدرها الدكتور "الهلالي" بتطوان، ومجلة "النصر" و "النبراس"، وجريدة "النور" وغيرها.

ونظم قصائد وأنظاماً كثيرة، معظمها في الإخوانيات، ضاع أكثرها، كما يتوفر على كنانيش فيها تقاييد ومختارات ومقطوعات لا يجمعها نظام، ولا يضمها باب.

وشيخنا -كرمه الله- من علماء أهل السنة في المغرب، محقق وباحث مدقق، من مشاهير رجالات العلم والثقافة العربية الإسلامية، ومن العلماء المشهود لهم بالإحاطة الواسعة بمحتويات خزائن الكتب العربية الإسلامية.. قديمها وحديثها، مخطوطها ومطبوعها. 

ومن أقواله في ذلك: السنة النبوية القولية والفعلية، كفيلة بحل مشاكل العالمين، والله تعالى يقول: "أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم".
والسنة بيان للكتاب، وهي مقرونة به، لن يفترقا حتى يرد النبي صلى الله عليه وسلم على حوضه -كما ورد-.
ومن زعم قصور السنة عن دحض مذاهب الملحدين وأفكارهم، وشبهاتهم وأباطيلهم.. فإنما أُتي من جهله.

وكان شيخنا -طيب الله ثراه- محباً لشيخ الإسلام ابن تيمية، موصياً بكتبه، ومما قال: دللتُ بعض الملحدين، إلى دراسة بعض كتب شيخ الإسلام ابن تيميه كـ "درء تعارض العقل والنقل"، ففعل، وأسلم وآمن.

وكانت له مكتبة، تعج بآلاف الكتب الإسلامية، في مختلف الفنون والعلوم، ما بين مخطوط وحجري ومطبوع.
ويذكر الشيخ: أن سبب اهتمامه بالمخطوطات.. هو الدكتور محمد تقي الدين الهلالي، وأحمد بن الصديق الغماري.

وقد أثرى المكتبة الإسلامية بكوكبة من التواليف النافعة، والتحاقيق الناجعة.
ومنها:
-جراب الأديب السائح، في ١٥ مجلدا.
-الشذرات الذهبية في السيرة النبوية. 
-صحيفة سوابق وجريدة بوائق، من جزئين.
-فتح العلي القدير في التفسير (وهو تفسير لبعض سور القرآن الكريم).
-نظرات في تاريخ المذاهب الإسلامية.
-ملامح من تاريخ علم الحديث بالمغرب.
-نشر الإعلام بمروق الكرفطي من الإسلام.
-الأدلة المحررة على تحريم الصلاة في المقبرة.
-مظاهر الشرف والعزة المتجلية في فهرسة الشيخ محمد بوخبزة.
-أربعون حديثاً نبوياً في النهي عن الصلاة على القبور واتخادها مساجد وبطلان الصلاة فيها.
-دروس في أحكام القرآن من سورة البقرة.
-نقل النديم وسلوان الكظيم.
-رونق القرطاس ومجلب الإيناس.
-تحصين الجوانح من سموم السوائح. (وهي تعقيبات على رسالة السوائح لعبد العزيز بن الصديق).
-إبراز الشناعة المتجلية في المساعي الحميدة في استنباط مشروعية الذكر جماعة.
-ديوان الخطب.
-النقد النزيه لكتاب تراث المغاربة في الحديث وعلومه.
-الجواب المفيد للسائل والمستفيد. (بالاشتراك مع الشيخ أحمد بن الصديق).
-تعليقات وتعقيبات على الأمالي المستظرفة على الرسالة المستطرفة، للشيخ ابن الصديق الغماري.
-استدراك على معجم المفسرين.
-عجوة وحشف.
-رحلاتي الحجازية.
-إيثار الكرام بحواشي بلوغ المرام.
-التوضيحات لما في البردة والهمزية من المخالفات.
-الاحتلال الإسباني والهوية المغربية: المقاومة والتدافع الثقافي.
-فهرس مخطوطات خزانة تطوان.

ومن تحقيقاته:
-تحقيق جزء من (التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد) للحافظ ابن عبد البر النمري.
-تحقيق أجزاء من (الذخيرة) للقرافي المالكي.
-تحقيق أربعين حديثاً في الجهاد، لعلي بركة الأندلسي.
-تحقيق (الرسالة الوجيزة المحررة في أن التجارة إلى أرض الحرب وبعث المال إليها ليس من فعل البررة) للفقيه محمد الرهوني.
-تحقيق وصية بن عمار الكلاعي لابنه.
-تعليق على (الرائية لابن المقري اليمني، في الرد على الاتحاديين).
-تحقيق جزء من (النوادر والزيادات) لابن أبي زيد القيرواني.
-تحقيق (شهادة اللفيف) لأبي حامد العربي الفاسي.
-تحقيق شرح القاضي عبد الوهاب، على الرسالة، لابن أبي زيد القيرواني.
-تحقيق (سراج المهتدين) لابن العربي المعافري.

ومن أخباره مع العلماء:
قال الشيخ -عن قصة زيارته للعلامة البشير الإبراهيمي-: وقد زرنا بالجزائر، مدناً كثيرة ... وكانت أول جمعة، أقيمت بعد إعلان الاستقلال بهذا المسجد الفخم (جامع كتشاوة)، وخطب به فيها: الشيخ البشير الإبراهيمي، خطبة نارية، بأسلوبه العجيب، ولهجته الصادقة، وما زالت نبراته ترن في آذاننا، وقد أذيعت يومها بالراديو. 
ولهذا كان من أهم مقاصد الرحلة، الاتصال بمثل هذا الشيخ والأخذ عنه. 
فسألت عنه كثيراً، ومن عجب أنني لم أجد من يعرفه -وهو أشهر عالم جزائري عمّ صيته المغرب والمشرق قديماً وحديثاً، ومواقفه في مناهضة الاستعمار ماثلة في آثاره خصوصاً جريدة (البصائر) التي كانت تعتبر بالمغرب والجزائر وتونس بمثابة قنبلة قوية المفعول، يحاكم ويعاقب من ضبطت عنده، فكان الناس يتواصون بقراءتها، ويبذلون ما شاء الله للحصول عليها، خصوصاً بعد ظهور طلائع الأزمة السياسية بالمغرب، التي انتهت بنفي الملك محمد الخامس وخلفه، فكان الشيخ البشير الإبراهيمي -رحمه الله- يتصدى لكشف المخطط الفرنسي، وفضح سياسة فرنسا وعملائها...

قلت -بوخبزة-: وظللت أسأل عنه غير يائس، إلى أن لمحت شاباً وسيماً، يتأبط كتباً وجرائد، فتوسمت فيه المعرفة، وسلمت عليه، وسألته عن أحوال البلد، ثم سألته عن الشيخ؟ فأخبرني أنه يعرفه، وأن سكناه بحي حيدرة، وهو بعيد، وأشار علي أن أركب الحافلة رقم كذا، وبعد الوصول إلى الحي -وهو كبير واسع- أسأل الشرطة؛ فشكرته، وامتطيت الحافلة إلى الحي، وقصدت الشرطة، فلم أجد عندهم خبراً عنه، ولما رأوا حيرتي وتعجبي.. أمرني أحدهم أن أتصل بمحطة البنزين، قائلا: إن جميع أهل الحي يمرون بسياراتهم عليها، وأصحابها يعرفونهم، فقصدتها وسألتهم، فأفادوني أن رجلاً أشيب، أعرج يمر أحياناً قليلة عليهم، وأنه يسكن بمفترق الطريق القريب، وأشاروا إليه.. فذهبت ووجدت دكاناً للمأكولات ثمة، فسألت صاحبه، فأشار إلى فيلا صغيرة، فقصدتها، وطرقت بابها مراراً إلى أن عزمت على الانصراف آيساً، فإذا بالشيخ يطل ملتفتاً خارج الباب، فتقدمت وسلمت، فسأل عني؟ فتعرفت إليه فرحب، واستدعاني للدخول خلفه!

ولأول مرة، رأيت الشيخ عياناً، وعلامة الهرم والإعياء بادية عليه، وعاهة العرج كبيرة، فجلسنا في حجرة متواضعة لا أثاث فيها، ولا فراش إلا بساطاً متواضعاً، ومنضدة صغيرة جداً عليها جرائد ومجلات، وعصا الشيخ، وبعد حديث قصير اعتذر الشيخ عن خلو البيت، قائلاً: بأن أثاثه وكتبه وأهله ما زالوا بالقاهرة.، كما تحدث الشيخ، عن بعض ذكرياته بالشرق كـ الحرمين، ودمشق، والعراق، ومصر، وعن نشاطه الصحفي والتعليمي.

وأخيراً، طلب مني أن لا أنساه من دعاء صالح من مظان الإجابة بالحرمين، وأن أزوره في العودة؛ ليأنس بي ... ولم يُكتب لي أن أزوره؛ لأنني عدت إلى وطني عن طريق أسبانيا. 

وقال عن الدكتور محمد تقي الدين الهلالي: "كما نفعني الله تعالى جداً، بدروس الدكتور محمد تقي الدين بن عبد القادر الهلالي الحسيني السجلماسي الذي قدم تطوان حوالي ١٣٦٥هـ في أعقاب الحرب العالمية الثانية، من أوربا، وأقام بين ظهرانينا نحو ست سنوات، تلقيت عليه خلالها دروساً في التفسير والحديث والأدب.

وكان يلقي هذه الدروس بالجامع الكبير، وكان يسرد عليه محمد بن فريحة، ويدرس بـ (الدر المنثور) للسيوطي و(الاعتصام) لأبي إسحاق الشاطبي.

وأحدث بتطوان نهضة أدبية، وشغل الناس بآرائه وأفكاره، وأثار الفقهاء والصوفية بانتقاداته، فلَمَزوه وآذوه، فهجاهم أقذع الهجو -رحمه الله-.

وقال عن العلامة السيد محمد بن عبد القادر المراكشي: "كما انتفعت كثيراً، بتوجيهات العلامة الأديب الوزير السيد محمد بن عبد القادر بن موسى المنبهي المراكشي منشأ التطواني داراً ووفاة، فكان يملي علي قصائده وأشعاره، ويذاكرني بلطائف المعاني وطرائف الآداب، وقد جمعت ديوانه في مجلد لطيف (توجد صورة منه بخزانة تطوان).

وقال -عن الشيخ أحمد الغماري-: وقد أصهرت إلى الأستاذ المحدث الكبير، بل كبير علماء الحديث بالشمال الإفريقي الشيخ أحمد بن محمد ابن الصّدّيق التجكاني الغُماري الطنجي، وكنت أعرفه من قبل، فأعجبت بسعة اطلاعه ورسوخ قدمه في علوم الحديث، فكاتبته وجالسته، واستفدت منه علماً جماً، وأعطاني من وقته وكتبه ما كان يضِنّ به على الغير، وأجازني إجازة عامة بما تضمنه فهرسه الكبير والصغير.

وأضاف: الشيخ أحمد بن الصديق.. هو الذي أجازني ابتداء دون طلب مني، ولم أكن معه على وفاق في الاعتقاد بالتصوف الفلسفي والصوفية، والمبالغة في ذلك، كما لم أكن أرضى تخبطه في السياسة، وتورطه في أوحالها، مما شوّه سمعته، وسوّد صحيفته.

وأضاف: (ومن الطريف في هذا الباب: أنه كان يُبغض الشام وأهله، ويصفهم بالشؤم على الإسلام وأهله، ويبطل ما ورد في فضله من أحاديث صحيحة، وظل كذلك إلى أن فر من المغرب إلى مصر، ثم زار الشام فأكرمه أهلها، وأقام له صوفيتها المآدب، فكتب إلى أخيه السيد حسن، يقول: بأنه رجع عن اعتقاده في الشام وأهله، وأن ما ورد في ذلك صحيح)!

وقال عن لقياه بالعلامة عبد الرحمن المعلمي: شربت الشاي مع اثنين من الناس بمكة، فلما قام أحدهما قلت للثاني: أريد أن أرى المعلمي؟! فقال لي: هو الذي كان يشرب معنا الشاي.(١)

وقال عن العلامة ناصر الدين الألباني: (ومما كان له الأثر الكبير في حياتي، ويعد وصلاً لما كان انقطع من انتهاجي منهج السلف الصالح، بعيداً عن تيارات التصوف الفلسفي، والتشيع المنحرف.. اتصالي بالشيخ المحدث السلفي الحق محمد ناصر الدين بن نوح نجاتي الألباني الأرناؤوطي ثم الدمشقي -نزيل عمّان البلقاء الآن مهاجراً بدينه مضيقا عليه بعد أن أخرج من دمشق ظلماً وعدواً-، فقد اجتمعتُ به بالمدينة المنورة، في حجتي الأولى عام ١٣٨٢، بمنزله، وأعطاني بعض رسائله، فاعتبرتها مناولة، فاستأذنته في الرواية عنه بها؛ فأنعم.

وزارني بـ تطوان مرتين: قرأت عليه في إحداهما: أبواباً من "السنن الكبرى" للنسائي المخطوطة بخزانة الجامع الكبير.

واجتمعت به بـ طنجة، بمنزل الشيخ الزمزمي ابن الصديق، وسمعت من فرائده وفتاواه الكثير، وبعث إلي من رسائله وكتبه المستطابة ما أحيا في قلبي كامن الشوق إلى تتبع هذا المهيع المشرق، والعناية بآثاره ومعالمه، والاستمساك بعراه، وما زلت إلى الآن لاهجاً بفضله، داعياً إليه).

وعندما طلب منه الأستاذ عبد الوهاب بن منصور -مؤرخ المملكة المغربية- ترجمة ليدرجها في موسوعته "أعلام المغرب العربي".. اعتذر عن كتابة ترجمة، بأنه تلميذ محب للعلم، وليس من الأعلام حتى يترجَم ضمنهم!

ثم تمثل بما قيل، قديماً:
لعمر أبيك ما نسب المعلى *** إلى كرم وفي الدنيا كريمُ
ولكن البلاد إذا اقشعرت *** وصوّح نبتها رعي الهشيمُ!(٢)

وعندما قال الشيخ محمد بن الحسن الفزازي: أعلم أهل المغرب، هو الشيخ محمد بوخبزة؟
قال: أستغفر الله، أنا طويلب علم، وبس!

وعندما طلب منه الشيخ أكرم زيادة، الإجازة؟
قال له: أنا في الحقيقة، ليس عندي من المسلسلات إلا حديثان: المسلسل بالأولية، ولا أحفظ سنده؛ لأنه طويل ونازل، وحديث المحبة!
وذكر أن حديث المحبة، أجازه به الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل!
وذكر أن الشيخ العقيل، زاره إلى بيته، وتدبجا.

وحديث الرحمة، يرويه عن الشيخ محمد المنوني المكناسي. 

قال أبو نعيم: ولا شك، أن هذه سمة علم، وشية إخلاص، وصفة خلق، وقد قيل:
إذا امتلأت كف اللئيم من الغنى *** تمايل إعجاباً .. وقال أنا أنا!

ولكن كريم الأصل كالغصن كلّما *** تحمّل أثماراً .. تواضع وانحنى

‏وقال آخر:
ملأى السنابل ينحنين تواضعاً *** والفارغات رؤوسهن شوامخُ!

وإننا نرى اليوم، بعض من هو حول الأشد هبوطاً أو طلوعاً، وقد حفظ نزراً من العلم، وشدا وشلاً من الفهم، وألف أو أُلف له، وحقق أو حُقق له.. إذا به يصعر خده، ويشيح وجهه، ويقطب جبينه، ويزم شفتيه، ويحقر غيره ويغمطهم، وينظر إلى غيره شزراً وبطراً، ويرد الحق، ويهضم الخلق، ويرى أنه شيخ الإسلام، ومفتي الأنام، ولا أحد يعلوه!
اللهم غفراً. 

قلت: وقد استجاز لي أحد الإخوة من الشيخ بوخبزة، عام ١٤٣٦ تقريباً.

ثم سمعت عليه مجلساً عبر البث: الأولية، والمحبة، سمعتها من لفظه، مع الإجازة بالعامة، يوم الإثنين ١٤٣٩/٤/٢١.

رحم الله الشيخ- وأسكنه فسيح جناته، وكتبه ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته.
وعزاؤنا في مصيبتنا، قول: "إنا لله وإنا إليه راجعون" فهي أرفع عزاء، وأنجع دواء، وأنفع سلاء.

وكتب: وليد بن عبده الوصابي.
١٤٤١/٦/٥

ح.................. 
 
(١) قال أبو نعيم: قصة لُقي العلامة عبد الرحمن المعلمي، وحكاية تواضعه وخموله.. جاءت مع خمسة من الأعلام: العلامة أحمد محمد شاكر، والعلامة ناصر الألباني، والعلامة فؤاد السيد، والعلامة محمد بوخبزة التطواني، والعلامة حمود التويجري، والله أعلم.

(٢) استفدت هذه الترجمة من مراجع: مكتوبة ومرئية ومسموعة، والتي أجريت مع الشيخ في بعض المنتديات واللقاءات.