الأحد، 4 سبتمبر 2022

قال لي ولدي! (٣)

 


قال لي ولدي! (٣)


كنت في حديث مع أهلي وولدي، في أمور العبادة والطاعة، والرزق والمعيشة..


هرع ولدي، يقول: بابا، نريد أن نعتمر، ونقبّل الحجر الأسود، لعل الله يستجيب لنا؟!


فرحت بتعلقه بالعبادة، وحبه للطاعة، وعجبت من شفقته على الرزق!


فقلت: نعم، صدقت، فما أعظم الاعتمار، والافتقار للواحد القهار، والعمرة محتوية على أذكار وأدعية، وأقوال وأفعال وأحوال، وطاعات وقربات، مع ما يصحبها من تطامن وإخبات، ولا شك، أن ذلك، مظنة الإجابة، لا سيما عند الملتزم، وهو: ما بين باب الكعبة والحجر الأسود.


وأما الحجر الأسود.. فيشرع التكبير عند استلامه، وتقبيله، وإن لم يستطاع؛ فتكفي الإشارة إليه!


ويسنّ عند استلامه، قول: (بسم الله، والله أكبر، وإن زاد: اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم)



وأما الرزق، وما أدراك ما الرزق.. فهو المؤرّق والمقلق لجميع الخلق، ولكن، من توكل على الله، وعمل بالأسباب، وأيقن واستعان، مع صدق اللجأ إلى ربه المستعان.. أعانه الله ووفقه، ويسر أموره وسهلها.



قلت: وإن من النعيم العاجل والآجل.. نشوء النشء على العبادة، وحب الطاعة، والتعلق بالله سبحانه، ومراقبته في السر والعلن.



فيا أيها الآباء: اغرسوا في أبنائكم، مراقبة الله سبحانه، مع حمايتهم مما يضر.


وقد كان بعض السلف، يعلّم أطفاله الصغار، كيف يستحضرون رقابة الله عليهم، عن طريق ذكر الله بالقلب، فيعلّم ولده أن يقول: "الله معي .. الله يراني .. الله ناظري"

ويكرر ذلك مراراً، حتى يرسخ في قلبه هذا المعنى العظيم.


وهذا أسلوب نافع ناجع، إن استمر عليه الوالد والولد، مكّنه ذلك من استحضار مشاهدة الله له ومراقبته.


وللأسف، هذه تربية غائبة عن كثير من الآباء والأمهات، بل يلجؤون إلى مراقبتهم هم، وهم قاصرون!


وما أجمل، أن تجمع لولدك، بين: حمايتهم من المضار، ومراقبتهم للرقيب الجبار.


حفظك الله يا بني، وسددك وأسعدك، وإخوتك وإخوانك أجمعين.



وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي

١٤٤٤/٢/١


الجمعة، 19 أغسطس 2022

قال لي ولدي! (٢)

 


قال لي ولدي! (٢)


كنت ماشياً وولدي إلى مسجد خديجة، لأداء فريضة المغرب، فإذا به يسألني قائلاً: بابا، هل في الجنة صلاة؟

قلت له: لا، ليس في الجنة صلاة؛ لأنها دار جزاء، وليست دار تكليف، بل التكليف، في الحياة الدنيا، فمن أحسن هنا، سعد هناك، ومن أساء هنا، شقي هناك!


كان هذا، ما دار بيني وبينه، ثم نظرت في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيأكل أهل الجنة؟ قال: نعم، ويشربون، ولا يبولون فيها، ولا يتغوّطون، ولا يتنخّمون، إنما يكون ذلك جشاء ورشحاً كرشح المسك، ويلهمون التسبيح والتحميد، كما يلهمون النّفَس.

رواه مسلم.


وحديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن الرسول صلى الله عليه وسلم، في صفة أول زمرة تدخل الجنة.. (يسبّحون الله بكرة وعشياً)

رواه البخاري.



فإذا فيه.. أن في الجنة شيء من العبادات، والعبادات تكليفية، لكني، تدبرت الحديث، فوجدت فيه: "يلهمون"

والإلهام، ليس من التكليف في شيء، بل هو محض تفضل وتمنن بل وتنعم.


وقد قرر شيخ الإسلام، أن تسبيح أهل الجنة، من قبيل التنعم والتلذذ، فقال: "فهذا ليس من عمل التكليف الذي يطلب له ثواب منفصل، بل نفس هذا العمل، هو من النعيم الذي تتنعم به الأنفس وتتلذذ به".

(مجموع الفتاوى: ٤/ ٣٣٠)


فهي عبادات ملهمة، دون كلف ومشقة، مثل النفَس الذي لا يفتقر إلى عناء.


قال القرطبي: "هذا التسبيح، ليس عن تكليف وإلزام؛ لأن الجنة ليست محل تكليف، وإنما هي محل جزاء، وإنما هو عن تيسير وإلهام، كما قال في الرواية الأخرى: (يُلهمون التسبيح والتحميد والتكبير، كما تلهمون النفس)

ووجه التشبيه: أن تنفس الإنسان لا بدّ له منه، ولا كلفة ولا مشقة عليه في فعله، وآحاد التنفيسات مكتسبة للإنسان، وجملتها ضرورية في حقه؛ إذ يتمكن من ضبط قليل الأنفاس، ولا يتمكن من جميعها، فكذلك يكون ذكر الله تعالى على ألسنة أهل الجنة.

وسر ذلك: أن قلوبهم قد تنورت بمعرفته، وأبصارهم قد تمتعت برؤيته، وقد غمرتهم سوابغ نعمته، وامتلأت أفئدتهم بمحبته ومخاللته، فألسنتهم ملازمة ذكره، ورهينة بشكره، فإن من أحب شيئاً أكثر من ذكره".

(المفهم: ٧/ ١٨١)


 

وعلى هذا، عقد ابن القيم، في كتابه: (حادي الأرواح: ٤٠٤) فصلاً، عنونه، بـ (فصل في ارتفاع العبادات في الجنة إلا عبادة الذكر فإنها دائمة) ثم ذكر حديث جابر الآنف.



وقال تعالى -عن أهل الجنة-: "دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين"


قال ابن القيم: "ومعنى الآية، أعم من هذا، والدعوى مثل الدعاء، والدعاء يراد به الثناء، ويراد به المسألة، وفي الحديث: (أفضل الدعاء: الحمد لله رب العالمين) فهذا دعاء ثناء وذكر يلهمه الله أهل الجنة، فأخبر سبحانه عن أوله وآخره، فأوله تسبيح، وآخره حمد، (يلهمونهما كما يلهمون النفس) وفي هذا إشارة.. إلى أن التكليف في الجنة يسقط عنهم، ولا تبقى عبادتهم إلا هذه الدعوى التي يلهمونها"

(حادي الأرواح: ٤١٧)



وهنا مسألة: إذا تمنى أهل الجنة، العبادة، هل يمكّنون منها؟!

والجواب: أن الجنة، دار جزاء وإكرام، وإقامة العبادات، تنافي هذا، ثم إن أمور الجنة، على خلاف أمر الدنيا، ولا تقاس بها، ولا تشبهها، ثم إن هذا مما استأثر الله بعلمه؛ إذ لم يرد في الوحيين، ما ينبئ عن ذلك.


لكن جاء عند البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن رجلاً من أهل الجنة، استأذن ربه في الزرع، فقال له: ألست فيما شئت؟ قال: بلى، ولكني أحب أن أزرع، قال: فبذر فبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده، فكان أمثال الجبال، فيقول الله: دونك يا ابن آدم، فإنه لا يشبعك شيء.

ولكن، هذا في غير أمر العبادة، فالله أعلم.



وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي

١٤٤٤/١/١٧



الأربعاء، 17 أغسطس 2022

قال لي ولدي! (١)

 


قال لي ولدي! (١)


بعد أن سلّم الإمام، من إحدى صلوات الجهر؛ إذ بابني، يهمس في أذني: بابا، أرى الأئمة، هذه الأيام، يقرؤون: سورة النصر؟!

قلت له -مبتدهاً-: هذا -إن شاء الله- إشارة، إلى نصر الله المسلمين، وفتح البلدان للإسلام!


ثم تدبرت ما قال وقلت، ونظرت إلى أحوال المسلمين، في كل مكان، فقلت مستشهداً:

أنّى اتجهت إلى الإسلام في بلد *** تجده كالطير مقصوصاً جناحاهُ


فالمذابح في كل بقعة، والمنايح في كل قرية، والدماء تسيل، والأشلاء تتقطع، والنفوس تزهق، إما بين كفر وإسلام، وإما بين إسلام وإسلام، ولا قوة إلا بالله.


ثم نظرت، فرأيت، أن الإسلام في اشتهار وانتشار، لكن المسلمين في اندثار واندحار!


وبيان ذلك:

أن الإسلام، دخل كل بيت في أنحاء المعمورة، وعمّ البسيطة، وهو مصداق، قوله تعالى: "وكان حقاً علينا نصر المؤمنين" وقوله: "إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد" وقوله: "ألا إن نصر الله قريب" وقوله: "والله غالب على أمره" وقوله: "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله"


ومصدق قول النبي صلى الله عليه وسلم، -كما عند مسلم-: (إن الله زوى لي الأرض؛ فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها، ما زوي لي منها)


وفي رواية عند أحمد: (ليبلغن هذا الأمر، ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر، ولا وبر؛ إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل به الكفر)


فلا يأس ولا أسى ولا قنوط، ما استمسكنا بديننا، وجاهدنا أنفسنا، وعملنا، واتكلنا:

إذا اشتملت على اليأس القلوب *** وضاق بما به الصدر الرحيبُ


وأوطأت المكاره وأطمأنت *** وأرست في أماكنها الخطوبُ


ولم ترَ لانكشاف الضر وجهاً *** ولا أغنى بحيلته الأريبُ


أتاك على قنوط منك غوثٌ *** يمنّ به اللطيف المستجيبُ


وكل الحادثات إذا تناهت *** فموصول بها الفرج قريبُ



وأما المسلمون، فقد أصيبوا بضعف وغربة، وانحسار واستحسار وانجرار، وكلف ولهث خلف الغرب الكافر، بعجره وبجره، وغثه ووعثه، فانهزموا في أنفسهم، وفشلوا رغم كثرتهم، وتنازعوا وتقاطعوا، وتدابروا وتنافروا، وقد حذرهم الله ذلك، فقال سبحانه: "وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم".


إن نصر الله آت، وفتحه قادم، وهذا زمان الغربة، الذي أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، في قيله: (بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء) رواه مسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه.


وبعد الغربة والكربة، عودة وأوبة.. قال عليه الصلاة والسلام: (بشّر هذه الأمة، بالسناء، والدين، والرفعة، والنصر، والتمكين في الأرض.. فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة من نصيب)

عن أُبي بن كعب رضي الله عنه، ورواه أحمد، وصححه الألباني.


لكن، النصر مشروط، بـ: "إن تنصروا الله ينصركم"، وبـ: "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً"


فيا ويح، من تمسك بالإسلام، واستمسك بالسنة، (فإن له أجر خمسين شهيد)، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.



وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي

١٤٤٤/١/١٥


الثلاثاء، 9 أغسطس 2022

حلقي حلقي!

 حلقي حلقي!

هذه كلمات الطفلة أسماء.. التي لم تجد ما تعبّر به عن نفسها .. عن وجعها .. عن ألمها .. عن شكواها.. لم تجد من يربت على كتفها .. لم تجد من يسعى في علاجها .. لم تجد ناساّ ولا إنسانية، ناهيك عن الإسلامية!


أسماء، عضها كلب كلِب.. فتأوهت وتألمت وتلوعت وتهلعت، لكنها، استراحت بعد ذلك، نعم، استراحت للأبد، إلى الجنة -إن شاء الله-.


يا أسماء .. هناك الملقى والملتقى، عند من لا تخفى عليه خافية.. عند الرحمن الرحيم، عن العلام العليم .. عند العزيز الحكيم، هناك، حيث "يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب" .. هناك، حيث لا نصب ولا مناصب ولا أنصاب .. هناك، حيث الموازين والقسطاس المستقيم.


عذراً أسماء، ورب البنية العظيمة، لم أعلم بك إلا الساعة، ولو علمت، ما إخالني، أجد لك شياً، لكن، "معذرة إلى ربكم".


آه أسماء، هل أنت مسامحتني، وإن كنت لا تعرفني ولا أعرفك، لكن يجمعنا الإسلام وكفى.. أرجوك أسماء، لا تشتكيني إلى ربي سبحانه وتعالى؛ فإني أكتب هاته الكلمات، وأنا ساكب الدمعة، مثخن الجراح، موجوع القلب.. هل يشفع هذا لي؟ لا أظن، إنها كلمات على قرطاس، لا تنفع ولا تشفع!

أقسم لك بالله، أني لا أملك من الأمر شيئاً، ولست من أهل الحل والعقد، إنما أولئك الذين تبوؤوا المناصب، ولبسوا الشارات، وركبوا الفارهات، وسكنوا القصور والدور، وتولوا أمرنا، وغفلوا عنا، فبيننا وبينهم الله!


آه آه.. قتلوا الطفولة -قتلهم الله- ذبحوها ببطء -ذبحوا- دمروا البلاد -دمّروا-، أبادوا العباد -أبيدوا-!

وإلى لقاء تحت ظل عدالةٍ *** قدسية الأحكام والميزانِ


رباه، نجأر إليك بشكوانا .. ببلوانا .. بلأوانا، رباه رباه رباه، لك العتبى حتى ترضى، ولا قوة إلا بك.


الموجع والموجوع،،

١٤٤٤/١/١١

الثلاثاء، 26 يوليو 2022

حُبّ جميع الصَّحبِ.. منهجي ومذهبي!

 حُبّ جميع الصَّحبِ.. منهجي ومذهبي!


اللهم إني أتقرب إليك؛ بحب نبيك صلى الله عليه وسلم، وحب جميع صحابة رسولك صلى الله عليه وسلم، وموالاتهم، وتوقيرهم، "محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم"


وهنيئاً لمن فاز، بحب جميع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يضطغن قلبه على أحد، ولم يجترر لسانه سب أحد، فـ "كلاً وعد الله الحسنى" "والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم"


"ومن نظر في سيرة القوم- بعلم، وبصيرة، وما منّ الله به عليهم من الفضائل.. علم يقيناً أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم هم الصفوة من قرون هذه الأمة- التي هي خير الأمم، وأكرمها على الله تعالى".

(مجموع الفتاوى: ٣/ ١٥٦)


و"لو لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، معجزة إلا أصحابه؛ لكفوه في إثبات نبوته".

(الفروق: ٤/ ١٧٠)



ويا خسارة، من جاء القيامة، وقد نال من أحدهم، بفري لسانه، أو ضغن قلبه:

"وقد خاب من حمل ظلماً"

"ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا"

(والله لو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهباً، ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه)


"‏فنصف مُد شعير يتصدق به أحدهم -أي: الصحابة- يفضل جميع أعمال أحدنا، لو عُمِّر مائة سنة؛ لأن نصف مدِّ أحدهم أفضل من جبل أُحُدٍ ذهباً ننفقه نحن في وجوه البر؛ وما نعلم أحداً ينفق في البرِّ زِنة حجر ضخم من حجارة أُحُد، فكيف الجبل كله"

(المحلى: ٢٠٧/٤)


وقال الإمام النسائي: "إنما الإسلام، كدار لها باب، فباب ‎الإسلام: ‎الصحابة، فمَن آذى الصحابة، إنما أراد الإسلام؛ كمَن نَقَر الباب، إنما يريد دخول الدار".

(تهذيب الكمال: ١/ ٣٣٩)


آمنا بالله، وسلمنا ما جاء عن الله، وعن رسول الله.. على لسان أصحاب رسول الله: الأَمنة البررة:

"ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين"

"يأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان"



قال الإمام مالك: "إنما هؤلاء، أقوام أرادوا القدح في النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يمكنهم ذلك، فقدحوا في أصحابه؛ حتى يقال رجل سوء، ولو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحين".

(رسالة في سب الصحابة: ٤٦) عن (الصارم المسلول: ٥٨٠)



وقال الإمام أحمد: "إذا رأيت رجلاً يذكر أحداً من الصحابة بسوء.. فاتهمه على الإسلام".

(البداية والنهاية: ٨/ ١٤٢)


وقال أبو زرعة الرازي: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فاعلم أنه زنديق؛ وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم، عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدّى إلينا هذا القرآن والسنة، أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا؛ ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة".

(الكفاية: ٩٧)



وقال أبو نُعيم: "فلا يتتبع هفوات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزللهم، ويحفظ عليهم ما يكون منهم في حال الغضب والموجدة.. إلا مَفتون القلب في دينه".

(تثبيت الإمامة وترتيب الخلافة: ٣٤٤)



ويقول أيضاً: "لا يبسط لسانه فيهم، إلا من سوء طويّته في النبي صلى الله عليه وسلم، وصحابته، والإسلام، والمسلمين".

(تثبيت الإمامة وترتيب الخلافة: ٣٧٦)



(اللهم يا ولي الإسلام وأهله، مسّكنا بالإسلام حتى نلقاك به) (يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك)



وكتب: وليد أبو نعيم

١٤٤٣/١٢/٢٨

الخميس، 21 يوليو 2022

كلمة عابثة في حق الشيوخ الثلاثة!

 


كلمة عابثة في حق الشيوخ الثلاثة!


أرسل لي أحد إخواني الفضلاء، مقطعاً صوتياً، لدكتور يدعى عبد القادر محمد الحسين الأشعري الحنفي، يتساءل فيه، قائلاً: الألباني، وابن باز، وابن عثيمين.. هل هم علماء؟


نظرت المقطع؛ متعجباً من علوانه وغلوانه، لا سيما، وقد أشعرني أبا الحارث، بغلوائه!

أردت تجاوزه؛ ضناً بوقتي، لا ظن سوء، فالسوء حاصل دون ظن!

"ولتعرفنهم في لحن القول"


لكني قلت: سأسمع.. سمعت، ويا لهول ما سمعت، ويا ليتني لم أسمع؛ سمعت كذباً وبهتاً، وزوراً وتزويراً، وغمطاً وخلطاً، وتعاظماً وتفاخراً، إلى غيرها من تيك الخلال القميئة، والخصال القميعة!


وأقبح شيء أن يرى المرء نفسَه *** رفيعاً، وعند العالمين وضيعُ!


وحقيقة، لم أسمع لهذا الدكتور، بل لم أسمع به.. إلا الساعة -والحمد لله-!


واترك خلائق قوم لاخلاق لهم *** واعمِد لأخلاق أهل الفضل والأدبِ



ويضيق صدري، حين رؤيتي أمثال هؤلاء الأغمار، الذين يصدون عن سبيل الله، ويبغون الطريق عوجاً، بل يقطعونها على السابلة!


ومن مكرهم.. أنهم يلبسون الحق بالباطل؛ تمويهاً على الناس، وتزجية لباطلهم، "ولا يَنْفَقُ الباطل في الوجود، إلا بشَوْبٍ من الحق"!

كم في (مجموع الفتاوى: ٥٣/ ١٩٠)


ومن أعاجبهم.. أنهم يأتون إلى أعظم رموز الأمة، فيغمطونهم حقهم، بل يسلبوهم، ويتناولونهم بالإقذاع والتشويه، ولكن، "والله متم نوره" ولو كرهوا.

وليس لهم فضل، "وإنما فضيلة أحدهم؛ باقتداره على الاعتراض والقدح والجدل، ومن المعلوم أن الاعتراض والقدح، ليس بعلم ولا فيه منفعة، وأحسن أحوال صاحبه، أن يكون بمنزلة العامي".

(الانتصار: ٤١)



فالشيخ الألباني وابن باز وابن عثيمين، وأضيف إليهم: الوادعي.. كل منهم قنة في فنّه وتفننه، وقمة في مكانه وزمانه.

وأربعتهم.. قد تواطؤوا -دون تواطؤ- على صفات العلم والفهم والاتباع، وشيات النهج والمنهج، وسمات الصفاء والوفاء والنقاء والإخاء.


فالشيخ الألباني، وطّد علم الحديث، حتى غدا سهلاً ميسوراً لدى العامة فضلا عن الخاصة، ولا زال اسمه يلمع بين السطور، ويفصح به في كل مجلس ودور، وسبحان من وضع له القبول، بين أهل القبول!

مع تمكن في الفنون الأخرى، لا سيما: العقيدة، والفقه، والسلوك؛ فإنه في الرأس.

وعندما تسمعه، تعجب من قوة استدلاله، ونصاعة تبيانه، ومتانة حجته، مع لين جانب، وخفض جناح.

ولكن القوم، ينقمون عقيدته!


والشيخ ابن باز، وطّد علم العقيدة والتوحيد، حتى شاع وذاع، في جميع البقاع.

مع تمكن من سائر الفنون، من: فقه، وحديث، وسلوك ونحوها، بل إنه صار أمة وحده، في: العلم، والكرم، والرحمة، والخلق:

وليس على الله بمستنكرٍ *** أن يجمع العالَم في واحدِ


وقد أعظم -الأشعري- الفرية، في زعمه؛ أن الشيخ، لا يحسن قراءة سورة الملك!

وحينما تسمع لقراءة الشيخ ابن باز.. تدرك الخشوع، وترى الخشية، وتحس الصدق، بقراءة محدورة، دون لحن أو إخلال.

ولكن القوم، ينقمون عقيدته!


والشيخ ابن عثيمين، وطّد علم الفقه، حتى غداً مشاعاً ميسوراً لدى الصغير والكبير، من دون نكير.

مع تمكن في كل الفنون، مصنفاً وشارحاً وناظماً، وسارت مصنفاته مسير الشمس، وصارت هي الدرس!

مع زهادة وعبادة، وتواضع جم، وكرم زائد.

وضحكت، حينما أخبر الناقد، عن الشيخ وشيخه ابن سعدي؛ أنهما لا يحسنان فهم بيتين من الألفية! والشيخ، قد شرحها، برصانة ومتانة.

لكن القوم، ينقمون عقيدته!



والشيخ مقبل، وطّد علم الدعوة، حتى دخلت كل بيت، لا سيما بلاد اليمن، واتسعت حتى وصلت كل فنن.

مع تمكن في بقية الفنون، من: حديث، وعلل، وعقيدة، وفقه، إلى هضم نفس، ولزوم عبادة، وسلامة صدر، وكرم وبذل.

وإن تصانيفه، تشبه تصانيف الأقدمين، في: الفحوى والمحتوى، والطريقة والمنهج.

لكن القوم، ينقمون عقيدته!



لا تظلموا الموتى وإن طال المدى *** إني أخاف عليكم أن تلتقوا



ولعمري، إن هؤلاء الأقرام القماقيم.. ليسوا بمحاويج، إلى دفاعي ومدحتي، ولكن، كما قال القائل:

جمالك غير محتاج لشعري؛ *** مدحتك، كي أزيد أنا جمالا!



فيا أبا الحارث، إنك لتشكّ في دخائل هؤلاء، وما يريدون، وإنْ كانت ألقابهم -لا أنسابهم-، تنبيك عن قصودهم -والقصود، يعلمها الله، لكن الدلائل فضاحة-.



وإنك لتجد الأتباع الرعاع، أشد الناس محاربة للعقد الصحيح، والسنة الصريحة.


ومن يك ذا فم مر مريض *** يجد مراً به الماء الزُلالا


وإنك لتعجب، من عظيم فريهم وافترائهم، وشديد بهتهم وتكفيرهم، فلا زال بعضهم، يصمُ شيخ الإسلام ابن تيمية، بالكفر، نعم، بالكفر، ولا أدري، أأضحك أم أبكي، لكن خير من ذاك وذلك؛ سؤال الله العافية، والحمد له على السلامة.


وإِذا الفتى عرف الرشاد لنفسهِ *** هانتْ عليه ملامة الجهَّالِ



وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي

١٤٤٣/١٢/٢١





الأحد، 10 يوليو 2022

التهاني: بين اليوم والقوم!

 


التهاني: بين اليوم والقوم!


اليوم، عصر السرعة في كل شيء، حتى صارت الحياة سريعة في كل شيء إلا في أمر الآخرة -إلا ممن رحم الله-.


ومن ذلك: تهاني اليوم؛ فإن أكثرها، تهاني صورية أو قل: وهمية، لم تنبع من شغاف القلب، ولم تنبت من حبة الفؤاد!


فأكثر هاته التهاني، ليس المهنِّئ هو كاتبها، وليس هو ابن بجدتها، ولا أبو عذرتها، ولا مفترعها ولا مخترعها، بل هو عالة على القالة، ومقتات على الفتات .. وجدها مكتوبة مرقومة مختومة ممهورة، فأخذ بخطامها، وأرسلها على غير بينة، ودون هدى!


فربما وقع في الحرج؛ إذ كتبها صاحبها لصديق باسمه، أو كتبتها امرأة لصديقتها، أو كانت لعيد الفطر مثلاً، ونحن في أضحى، أو العكس.. فأرسلها على علاتها وهناتها، فأصابت في مقتل!


وإما كانت التهاني، عبارة عن ملصقات جاهزة، لا عمل له فيها ولا يد، بل ربما لا يدري ما فيها.. فبعثها مقيدة دون انبعاث، فأفأدت!


وهذا في الحقيقة، يدل على ما وصلت إليه حياتنا وحالتنا، من سرعة وتسرع وجفاف وتشاغل وتثاقل!


وقد يُتعذر، بكثرة المرسلين أو المرسل إليهم، ولكن، مهما اُعتذر، فهذا هو الحال ليس به خفاء، ولا أستثني نفسي من هذا الحال، فاللهم غفراً وجبراً.


أما تهاني القوم.. فقد كانت تهاني مقصودة مفؤودة مصدورة منفوسة، تكتب بخط اليد، وتوشى بوشي الذهب والفضة، وتقرطس بقراطيس محكمة، و:

في قراطيس جياد أُحكمتْ *** وبخط أي خط أي خط!


ويتعنى في كتبها، ويبالغ في شذبها، وذلك؛ لأنها نابعة من الصميم، ونافذة من الصفاء، بل ربما غدت بعض تهانيهم، رسائل سائرة، أو أجزاء مجزئة.


وقد كتبوا عنها، الجم الغفير، ورووا فيها العم الكثير، وأدخلوها في شجرة إسنادهم؛ تخليداً وتمجيداً.

فيا ويلنا وويحهم.



وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي

١٤٤٣/١٢/١١