السبت، 25 فبراير 2023

مُسامرة الوالدين!

 مسامرة الوالدين!

كثير منا، يحب السمر، ويحلو له السهر، مع حبيب أو قريب أو أديب، بل ويؤخر بعض أعماله، أو يمعن في إعماله؛ لذاك السمر، وذياك السهر.

وهذه بابة فسيحة مليحة، إذا خلت من محرم، واحتوت على ذكر الله المعظم.


وما أجمل مسامرات العلم، ومطارحات الأدب، مع صديق مُواتٍ، وعالم خرّيت!

وقد بوب البخاري، في (صحيحه: ١/ ٢١٥) "باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء"


وإن من أجمل المسامرات.. مسامرة الوالدين، ولم أُرد مسامرة الليل فحسب، بل أردت الحديث معهما، وإدخال السرور عليهما، في أي ساعة من ليل أو نهار!


عن هشام بن حسان، قال: قلت للحسن: إني أتعلم القرآن، وإن أمي تنتظرني بالعشاء، قال: فقال الحسن: تعشَ العشاء مع أمك، تقر به عينها، أحب إلي من حجة تحجها تطوعاً!

(الجامع لأخلاق الراوي: ٢/ ٢٣٢)


وقد كانوا يتركون الرحلة في الطلب؛ لصحبة أحد الوالدين.. 

قال جعفر الخُلْدي: كان الأبّار -رحمه الله- من أزهد الناس، استأذن أمّه في الرحلة إلى قتيبة، فلم تأذن له، ثم ماتت، فخرج إلى خراسان، ثم وصل إلى بلْخ وقد مات قتيبة، فكانوا يعزّونه على هذا، فقال: هذا ثمرة العلم، إني اخترت رضى الوالدة.

(نزهة الفضلاء: ٣ / ١١٠١)


وإذا كان قد ورد الفضل في إدخال السرور على مسلم، فكيف إذا كان على الوالدين؟!


قال ابن عاشور -عند آية الأحقاف-: "وحاصل المعنى: أن الله أمر بالإحسان إلى الوالدين، في المشاهدة والغَيبة، وبجميع وسائل الإحسان الذي غايته، حصول النفع لهما، وهو معنى قوله تعالى: "وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا"".

(التحرير والتنوير: ٢٦/ ٣٢)


(قلت: ويحسن النظر، في تفسير ابن عاشور، عند آية الإحسان، في سورة الأحقاف، فقد أفاد وأجاد)


ولعل هذا الأمر، مما فرط فيه كثير من الشبيبة، ربما، ليس عقوقاً مقصوداً، ولكنه، التهاون، وزعْم التسويف في ذلك، واحتجاجاً؛ بأنهما دائماً في المنزل!


وفي الحقيقة، إن هذا من التفريط الفارط المفرط، فيجب تداركه قبل إدراك الأجل!


ولم يشعر المفرّط، بهذا الإهمال، إلا حين عجزه هو، أو عجزهما، أو موتهما.. فإنه حينذاك يعض أصابع الندم، ويودّ لو أنه سمر وسهر معهما، ولات ساعة مندم!


تفكر.. فقد كانا يسهران بسببك، وأنت جنين، ثم سهرا معك، وأنت صغير.. ثم تبخل عليهما، بالسهر معهما، وأنت كبير؟! "تلك إذاً قسمة ضيزى" "مالكم كيف تحكمون"؟!


ولما غاب عبد الحق بن غالب، عن والده، في رباطه في الجهاد في سبيل الله تعالى، كتب إليه:

يا نازح الدار لم تحفل بما نزحت *** دموعه طارقات الهم والفكر


غيبت شخصك عن عيني فما ألِفت *** من بعد مرآك غير الدمع والسهر

(معجم أصحاب القاضي أبي علي الصدفي: ٢٦٤)


وأتحدث عن نفسي.. فقد كنت كثير التحدث مع والدي، إذا بتّ عنده، أو أتيت أزوره، وقد كان يحتفي بذلك، ويأنس به، ويتذكر جميل الذكرى، ويتفكر روائع الذكريات.. فيكون الضحك .. والأنس .. والانبساط .. والارتياح.


وقد فقدت هذه الأفياء الظليلة، حين مرضه -لطف به اللطيف- فقد ذهبتِ الجلطة، بكثير من ذاكرته الفذة، لكني، لم أيأس؛ فإني آتيه كل يوم -غالباّ-، وأحاول نبش ذكراته، وأذكّره ببعض ما كان يلقي علينا من قصائد وأنظام، وقصص وحكايات، فيستذكر بعضها، وينسى البعض، لكنه، يأنس وينبسط.


فيا إخوتاه.. اجلسوا مع والديكم، وتحدثوا إليهم، وتقربوا منهم، واحدبوا عليهم؛ فإنه فوزكم في الدنيا والأخرى.


وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي

١٤٤٤/٧/١٥


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق